من أكبر مآسي الشرق الأوسط هو ما يمكن أن نطلق عليه "أعراض الأثر العكسي". فقد دعم العرب ممن نفد صبرهم أعمال العنف، وهو ما ساهم في وصول "إيهود أولمرت" اليوم إلي السلطة، وقبله آرييل شارون، بعد أن جردوا "الحمائم" الإسرائيليين من مصداقيتهم. كما دفع الشعور بالامتعاض والتذمر من شظف العيش اليومي بعض العرب إلي دعم الاستفزازات التي تسببت اليوم في مضاعفة المعاناة علي نطاق واسع في قطاع غزة ولبنان علي حد سواء. والحقيقة أنني أخشي أن يكون الإسرائيليون ممن نفد صبرهم بصدد الوقوع في الفخ نفسه. فقد صعّد الإسرائيليون، الغاضبون بسبب الهجمات والاختطافات، النزاع عبر شن هجوم علي لبنان من شأنه أن يجعل الحياة في إسرائيل أخطر بكثير خلال العديد من الأعوام المقبلة. الواقع أنه من السهل التعاطف مع الغضب الإسرائيلي، ولاسيما أن الهجمات التي تعرضت لها إسرائيل جاءت بعد انسحابها من لبنان أولاً، ثم غزة لاحقاً. غير أنه من المرجح أن يكون الفائزون في هذا النزاع علي المديين المتوسط والبعيد هم المتشددون في العالم الإسلامي. صحيح أن النظامين السوري والإيراني يفتقران إلي الكفاءة، غير أن بإمكانهما استغلال الغضب علي الصور التي تبثها القنوات التليفزيونية من لبنان. كما أن الباكستانيين المتطرفين سيزدادون قوة في دعواتهم إلي الجهاد. أما في السودان، فإن الرئيس عمر حسن البشير بصدد حشد الغضب الشعبي من أجل مقاومة نشر قوات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في دارفور. وفي العراق، من الممكن أن يقوي التعاطف مع الشيعة اللبنانيين الميليشيات الشيعية المتطرفة هناك. ثم إنه من غير الواضح ما الذي يمكن لإسرائيل أن تحققه عسكرياً في لبنان، ذلك أن الصواريخ ال12000 التي يمتلكها "حزب الله" ليست مخزنة في ثكنات أو قواعد عسكرية، وإنما في منازل ومرائب مجهولة. وبالتالي، فمن غير المؤكد أن تكون إسرائيل قادرة علي تدمير العديد منها. وعلاوة علي ذلك، فإذا استمرت إسرائيل في حرب جوية محدودة لأسبوعين، فمن المنتظر أن تنتج ما يكفي من صور اللبنانيين وهم ينزفون دما لإغضاب العالم، ولكنها لن تنتج ما يكفي لتحقيق تحول مهم في القوة علي الأرض. لقد كان "حزب الله" إلي غاية هذا الشهر في موقع الدفاع، حيث مورست عليه ضغوط من أجل نزع سلاحه، كما ساد الاستياء بسبب استعماله كبيدق من قبل سوريا وإيران. غير أن نصر الله، الذي يعد من أذكي سياسيي المنطقة وأكثرهم دهاء، لم يختطف الجنود الإسرائيليين فحسب، وإنما نزاع الشرق الأوسط برمته. والواقع أنه قد يخرج من هذه الأزمة بمصداقية أكبر من أي وقت مضي في أوساط السنة والشيعة معاً. يقال في الشرق الأوسط إن أي شخص يقدم توقعات موثوقة هو دغمائي كبير إلي درجة أنه يستحق الإصغاء. ربما أكون مخطئا وتستطيع إسرائيل تحقيق الأهداف الأمنية قصيرة المدي التي تنشدها، ذلك أنه يمكن تصور أن الحرب ستدفع مجلس الأمن الدولي ولبنان نفسه إلي تجريد "حزب الله" من السلاح. غير أن هناك أيضاً المدي البعيد الذي ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار، ذلك أن تبديد مشاعر الغضب الشعبي من إسرائيل مستقبلاً سيكون أصعب من القضاء علي صواريخ "الكاتيوشا". لقد جُلت في لبنان والمنطقة عندما كنت طالباً عام 1982، بعيد الغزو الإسرائيلي. وفي تقديري أن القوة التي يتمتع بها "حزب الله" اليوم تعزي في جزء منها إلي القصف الإسرائيلي عام 1982. وعلي نفس المنوال، فإن من سيخلف الشيخ نصر الله في 2030 سيتقوي ويستفيد جزئيا من القصف الإسرائيلي لعام 2006. وقد كتبت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية في افتتاحيتها تقول "من السهل الانضمام عاطفيا إلي ثقافة جورج بوش القائلة بخوض حرب علي "محور الشر". إلا أنه يجب التذكير أن مواطني إسرائيل، وليس الأمريكيين، من عليهم مواصلة العيش في الشرق الأوسط. وبالتالي، فعلينا أن نفكر في طرق تمكننا من التعايش، حتي مع أولئك الذين لا نستمتع بجوارهم". والواقع أن تجارب عديدة تظهر أن إسرائيل لا تستطيع ردع الشبكات الإرهابية الخاصة، إلا أنها تستطيع ردع الدول. فسوريا، علي سبيل المثال، ناقمة علي إسرائيل غير أنها لا تطلق القذائف ولا تخطف الجنود. وعليه، فيمكن لإسرائيل أن تستفيد من دول صلبة وقوية في لبنان وغزة تسيطر علي أراضيها. غير أنه بدلاً من ذلك، تغذي الهجومات الإسرائيلية الأخيرة الفوضي في الشمال كما في الجنوب، ومن الممكن أن تغذي كذلك المنظمات التي لا يشملها الردع الكلاسيكي. الواقع أنه في حال كانت إسرائيل ستحقق أمنا حقيقياً، فلدينا فكرة جيدة حول الطريقة التي ستتوصل بها إلي ذلك: إنها حل الدولتين الذي تم التوصل إليه في اتفاق جنيف الخاص لعام 2003 بين محبي السلام العرب والإسرائيليين. غير أن الاقتتال في لبنان يبعد أكثر هذه الإمكانية. وعليه، فإن كل عملية قصف إنما تؤذي مستقبل إسرائيل ومستقبل لبنان معا.