هل يمكن أن تبقي الدول العربية المنتجة للنفط والغاز بمنأي عن التطورات التي تعصف بعالم النفط وخاصة في أمريكا الجنوبية؟ كان مشروع الاتفاق الايراني الصيني بشأن تزويد الصين بالغاز، قد تجمد بعد مفاوضات طويلة بسبب عدم الاتفاق علي الأسعار. ولكن فجأة أبرمت طهران وبيونج يانج الاتفاق بالسعر الذي كانت تتمسك به الصين. أما التعويض علي ذلك فقد تمثّل في الموقف الصيني المعارض للسياسة الأمريكية التي تعمل علي فرض عقوبات دولية علي ايران بسبب برنامجها النووي. وقبل ذلك، وخلال فصل الشتاء، أوقفت روسيا ضخ الغاز الي اوكرانيا بعد ان ألغي الكرملين العمل بالأسعار التفضيلية والتي كانت تحصل اوكرانيا بموجبها علي حاجتها من الطاقة بأسعار السوق. وكان من نتيجة ذلك ان عاد إلي السلطة الاوكرانية أصدقاء الكرملين وسقوط حلفاء واشنطن. واليوم تعمل الولاياتالمتحدة التي تستثمر شركاتها انتاج النفط والغاز في دول آسيا الوسطي والقوقاز علي مد خط أنابيب يتجنب المرور عبر أي جزء من أراضي الاتحاد الروسي تجنباً للابتزاز السياسي(!). إلا ان هذا الأمر في حد ذاته هو في نظر موسكو عمل ابتزازي من الدرجة الأولي! ويبدو انه ما كان للأزمة في دارفور (غرب السودان) أن تصل إلي نهاية سعيدة بالاتفاق علي التسوية التي تم التوصل إليها في ابوجا بنيجيريا لو لم تضمن الولاياتالمتحدة صيغة تمكنها من ان تضع يدها علي الثروة المكتشفة في المنطقة من النفط والغاز.. واليورانيوم. وهي ثروة ضخمة جداً وغير مستثمرة بعد. وربما كانت هذه الثروة السبب الأساسي وراء تفجير المشكلة التي عرّضت حكومة السودان إلي الابتزاز بحجة ان قواتها ترتكب جرائم جماعية ضد المعارضين لها في الاقليم. ويعتقد ان ثمة بحيرة من النفط والغاز تمتد بين تشاد ودارفور، الأمر الذي يعكس اهتمام فرنسا (المهيمنة علي تشاد) واهتمام الولاياتالمتحدة (التي تقف وراء الحركات الانفصالية في دارفور) بهذه الثروة وبدخولهما حلبة التنافس أو التقاسم!! وفي الأول من شهر مايو الجاري أعلن الرئيس البوليفي الجديد تأميم صناعة النفط والغاز في بلاده. وهي صناعة تستثمرها شركة برازيلية "بتروبراس" تساهم فيها مجموعة من الشركات الأمريكية والبريطانية. وجاء التأميم بعد عودة الرئيس البوليفي الفومو راليس من زيارة إلي كوبا، حيث وقّع مع الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، ومع الرئيس الفنزويلي تشافيز (والثلاثة هم من أكثر رؤساء دول أمريكا اللاتينية عداء للولايات المتحدة) اتفاقاً مشتركاً للتعاون التجاري بين دولهم الثلاث. لم يكن قرار التأميم مفاجئاً في بوليفيا. ففي استفتاء جري في عام 2004 صوّت 92 في المئة من السكان لمصلحة التأميم. ثم ان الرئيس البوليفي تعهد في الحملة الانتخابية التي حملته إلي الرئاسة باتخاذ هذا القرار في حال فوزه. ومن المعروف ان ثروة بوليفيا من الغاز الطبيعي هي الأكبر في كل أمريكا اللاتينية. ومن المعروف أيضاً ان الشركات الأمريكية والبريطانية أنفقت من خلال الشركة البرازيلية خمسة مليارات دولار لاستثمار هذه الثروة التي تأممت الآن. أما في شرق آسيا فإن الصراع بين اليابان وكوريا حول السيادة علي مجموعة من الجزر الصخرية غير المأهولة في بحر الصين، هو في الواقع صراع حول الثروة المكتشفة من الغاز والنفط في الجرف القاري لهذه الجزر؛ ويشارك في الصراع عليها أيضاً كل من الصين والفلبين وماليزيا، الأمر الذي قد يحولها إلي قنبلة موقوتة.. أو إلي نموذج للتوافق الدولي حول الاستثمار المشترك لهذه الثروة المخزونة علي عمق عدة كيلومترات في البحر. من هنا أهمية النفط العربي والايراني الذي يتمتع بسهولة وبضآلة تكاليف استخراجه من الآبار، ثم ان المخزون الاحتياطي في الشرق الأوسط هو الأكبر في العالم، الأمر الذي ربما شكل أحد أهم أسباب الغزو الأمريكي للعراق وانفلاش الهيمنة الأمريكية علي المنطقة عسكرياً وسياسياً. وهو انفلاش يمتد من آسيا الوسطي شمالاً حتي الخليج العربي جنوباً. ومن الصومال شرقاً حتي المغرب علي المحيط الأطلسي!! إن عالم النفط إنتاجاً واستهلاكاً في حالة اضطراب وقلق. ويعكس ذلك تواصل ارتفاع سعر البرميل الذي ما ان يسجل رقماً قياسياً حتي يقفز إلي رقم قياسي جديد. صحيح ان هذه الزيادات المتواصلة ترفع من عائدات الدول المنتجة ومعظمها دول عربية وإسلامية، إلا ان الدول الصناعية تعوّض عن ارتفاع اسعار النفط برفع اسعار منتوجاتها، وبذلك تستعيد باليد اليسري ما تدفعه باليد اليمني. أما العالم الثالث فإنه يجد نفسه بين فكي كماشة الارتفاعين: الارتفاع في أسعار النفط والارتفاع في أسعار المواد الصناعية والغذائية، الأمر الذي ينعكس اضطرابات اجتماعية واقتصادية، سرعان ما تتحول إلي اضطرابات سياسية، وهناك نماذج كثيرة علي ذلك في العالم العربي حيث تعجز الحكومات عن دعم الوقود، أو عن دعم القمح، من المغرب حتي لبنان، ومن الاردن حتي مصر والسودان.