طوال الأسبوع الماضى كانت السيارة المرسيدس السوداء للدكتور محمد على بشر الوزير السابق والقيادى بالإخوان تقف أمام إحدى فيلات طريق العروبة بمصر الجديدة ..وأمامها وخلفها سيارات فاخرة من ذات الأرقام المميزة للوحاتها المعدنية ، ثم ينصرف المجتمعون بعد ثلاث أو أربع ساعات ... الواقع أن الأمر لا يحتاج لذكاء كى يدرك الإنسان أن د. بشر منشغل فى عملية تفاوض جديدة مع الحكومة ، يوشك أن يخرج من رحمها جنين نأمل أن يستطيع خلال ستة أشهر أن يجلس ثم يحبو عند الشهر التاسع ويمشى بعد عام ..طبعاً هى ليست المرة الأولى التى يتفاوض فيها الإخوان مع الحكومة أو مع الجيش ، فقد سبق هذه الجولة جولات أخرى باءت بالفشل أو أنكرها الطرفان ..لكن هذه المرة مختلفة .. فقد ظهرت مؤشرات إيجابية على أن التفاهمات تتقدم ببطء ، لكنها لا تعود للوراء .. أول الغيث كان تصريح د. حازم الببلاوى فى مقابلة تليفزيونية تم بثها مساء الثلاثاء الماضى وقال فيها رداً على سؤال حول حل جماعة الإخوان المسلمين فقال "إن حل حزب الحرية والعدالة أو الجماعة ليس هو الحل .. مؤكداً أنه من الخطأ إتخاذ قرارات فى ظروف مضطربة ورأى أنه من الأفضل مراقبة الأحزاب والجماعات فى إطار العمل السياسى دون حلها أو العمل فى الخفاء .. كان هذا تغييراً جذرياً فى موقف رئيس الحكومة الذى قدم قبل اسبوعين اقتراحاً لحكومته للبحث فى السبل القانونية لحل الجماعة .. ثم اجتمع الإتحاد العام للجمعيات الأهلية ورفع توصية لمجلس الوزراء لحل "الإخوان المسلمين" لأنها تخالف قانون الجمعيات الأهلية وليس لها مصادر تمويل معلنة أو معروفة .. كان من المتوقع أن يصدر مجلس الوزراء صباح الثلاثاء قرار الحل طبقاً لتوصية الإتحاد ، لكن القرار "تجمد" ، ثم جاء تصريح د. حازم الببلاوى رئيس الوزراء مساء اليوم نفسه ليغير البوصلة وإتجاه الريح.. لا حديث عن الماضى وقد وشى كلام د. الببلاوى فى المقابلة التليفزيونية أن هناك مؤشرات ودلائل على أن هناك تفاهمات حول نقاط معينة وتنازلات من الإخوان بعد أن تأكدوا أن الحديث عن عودة مرسى والشرعية وإطلاق سراح المعتقلين أصبح أمراً من الماضى ولا يفيد التحاور بشأنه !! قال الببلاوى " أن مدي إلتزام حزب الحرية والعدالة أو جماعة الإخوان وشبابها وأعضائها سيكون هو الفيصل فى الاستمرار من عدمه .. وأكد أن حكومته ستراقب الجماعة وذراعها السياسية وتصرفات أعضائها هى التى ستحدد مصيرها .. وطبعاً هذا نهج مختلف لتصريحات رئيس الحكومه السابقه ،التي ماكان ليدلي بها الا بعد تشاوره مع نائبه الاول الفريق عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع .. معلوماتى تشير إلى أن حزب النور السلفى القريب من الجيش والحكومة ، "غد الثورة" بقيادة أيمن نور القريب من الإخوان ومعهم الوزير محمد على بشر هم أبطال المشهد التفاوضى الآن ..وقد قدم الإخوان تنازلات موجعة فى عملية التفاوض ، وكانت من المحرمات سابقاً حيث أبدوا استعدادهم للإنخراط فى خريطة الطريق واشترطوا وقف الحملات الأمنية وإطلاق سراح الأعضاء ممن لم تثبت ضدهم جرائم وإعلان موعد محدد للانتخابات البرلمانية والرئاسية .. بنود التفاوض من ناحية أخرى أكد لي القائم بأعمال رئيس "غد الثورة" محمد محيي الدين "حصول اجتماعات لحل الأزمة ونبذل جهودا للتوصل إلى تسوية سياسية". لكنه رفض الخوض فى تفاصيل التسوية . وسألته عما إذا كانت اتصالات جرت مع الحكم ، فقال: "يتم الحديث مع كل الأطراف لأنه لا يمكن حل الأزمة من دون التواصل مع أطرافها ، ونسعى إلى إجراءات لبناء الثقة". وعن تمسك "الإخوان بعودة الرئيس المعزول محمد مرسى ومجلس الشورى المنحل والدستور المعطل ، قال إن "هناك قيادات عاقلة بدأت تدير الأمور والتواصل مع الأطراف ، ونحن نسعى إلى تقريب وجهات النظر .. نحن على الطريق الصحيح ونتمنى التوصل إلى حل قريباً حتى نوقف إراقة الدماء" . وشدد على أنه "لا يوجد حل سوى الإنخراط فى خريطة الطريق والانتهاء من الجدول الزمنى حتى تعود القوات المسلحة إلى ثكناتها" . وعما إذا كان النقاش تطرق إلى الوضع المستقبلى لجماعة "الإخوان" أوضح محيى الدين : "نحن نرى أن الإخوان جماعة غير شرعية يجب تقنين وضعها ، لكن فى الوقت ذاته لا يجب الاقتراب من حزبها الحرية والعدالة ويجب أن يتم السماح له بالعمل السياسى .. نرفض إقصاء أى طرف وعلى الجميع أن يعلم أن الإقصاء لن يحل الأزمة" . كلام محمد محيى الدين يعنى أن هناك قيادات جديدة فى الإخوان تتولى الآن التفاوض وبالطبع هى لا تميل للعنف وتسعى للتهدئة سعياً وراء دخول مجلس الشعب مرة أخرى ، وفى الوقت نفسه فهذه القيادات الجديدة لا تريد حرق الجسور تماماً مع الشعب . الأمر الذى يعنى أن هناك صفا ثانياً أو ثالثاً تولى زمام الأمور فى جماعة الإخوان !لكن مصدراً بمجلس الوزراء صرح لى أن التفاوض لا يعنى صفقات .. وكرر الجملة قائلاً "لاشىء مقابل شىء" وأضاف التهدئة واستقرار الشارع شىء تسعى له جميع القوى السياسية ، لكن لا تدخل فى أعمال القضاء ولا تهاون مع العنف أو الإرهاب وأكد أن "الباب مفتوح للجميع للإنخراط فى العملية وخريطة الطريق بلا شروط ". وقال : " لا نسعى على الإطلاق إلى إقصاء أى من أبناء الشعب ، وليست لدى أى من مؤسسات الدولة نية فى منع أى فئة فى المجتمع من الإنخراط فى الحياة السياسية الحالية وخريطة الطريق من أجل تسيير عجلة البناء والتنمية".ورغم أجواء التفاؤل إلا أن هناك جناحاً متشد داً فى تحالف دعم الشرعية الذى يقوده الإخوان يصر على تلبية مطالب الجماعة الإسلامية ومنها عودة الشرعية الدستورية وعدم تعديل مواد بعينها فى الدستور وإدارة المرحلة الإنتقالية بسماحة .. والواقع أن رئيس حزب النور يونس مخيون شدد على أن الجيش المصرى خط أحمر لأنه جيش وطنى ، ومن يراهن على هدم الجيش فهو خائن ، والمصالحة الوطنية تتطلب تضحية من جميع الأطراف ونرفض إهانة شيخ الأزهر .. هذا ملخص لما يدور حالياً بين الحكومة وحلفائها والإخوان وأصدقائهم .. ونحن فى انتظار الجنين سواء بعملية قيصرية أو ولادة طبيعية ، المهم أن يخرج للنور قريباً !