واصلت جماعة "الإخوان المسلمين" الأردنية تصعيدها ضد مؤسسات الحكم المختلفة عشية الانتخابات النيابية المقررة في 23 الشهر الجاري، حيث أكد قادة الجماعة توجههم إلى "تغيير قواعد اللعبة" عبر المطالبة بمزيد من التعديلات الدستورية التي من شأنها المس بصلاحيات القصر الملكي. كما شنت الجماعة - المكون المعارض الأبرز في البلاد - هجوما على رئيس الحكومة عبد الله النسور، معتبرة أن مواقفه المعارضة انقلبت منذ استلامه كرسي الرئاسة، فيما وصفت الانتخابات النيابية المقبلة "بالمهزلة".
وجاء ذلك، في حين كشف عبدالله النسور رئيس الحكومة للمرة الأولى خلال لقاء جمعه بعدد محدود من الكتاب والصحفيين أن الملك "سيتخلى عن بعض الصلاحيات الممنوحة إليه من دون المساس بها دستورياً".
فعالية مركزية
وكشفت قيادات في الجماعة خلال مؤتمر صحفي عقد في العاصمة الأردنية عمان، الثلاثاء، عن مواجهتها لإشكاليات تتعلق بارتفاع سقوف مطالب الحراكات الشعبية والقواعد الداخلية لها بشأن "شعار إصلاح النظام"، قائلة: "إنها لم تعد تكتفي بذلك الشعار"، فيما تستعد الحركة لتنفيذ فعالية مركزية الجمعة للمطالبة بالإصلاح.
في الأثناء، أكدت قيادات بارزة في الجماعة خلال المؤتمر الصحفي على موقفها من مقاطعة الانتخابات، وتمسكها بمطلب التعديلات الدستورية الجذرية التي تقلص من صلاحيات الملك، قائلة إن هناك من هم "ملكيون أكثر من الملك نفسه".
وجاء المؤتمر الصحفي قبل أيام قليلة على إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة في البلاد المقررة في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، وسط مقاطعة الإخوان وقوى سياسية وشعبية عديدة.
وتجري الانتخابات وفق قانون انتخاب أدخلت عليه تعديلات طفيفة، بإضافة صوت للقائمة الوطنية، إلى جانب نظام الصوت الواحد المطبق منذ عام 1992.
وفي الوقت الذي تتمسك فيه الحركة الاسلامية بشعار ومطلب إصلاح النظام، أقرت بمواجهتها لإشكالية سياسية، مع مطالب قواعدها الاخوانية، وكذلك بعض الحراكات الشعبية التي لم تعد تكتف بمطلب إصلاح النظام السياسي الملكي.
"الإخوان" يقاطعون
من جانبه، أفاد سالم الفلاحات المراقب السابق للإخوان خلال المؤتمر، بأن الجماعة ستقاطع مجلس الأعيان المقبل، الذي يعينه الملك ويعتبر البوابة الثانية للبرلمان".
وأكد الفلاحات قائلا: "سنطلب من أفرادنا عدم المشاركة في الأعيان إن طلب من أحدهم ذلك".
وفي تصريحات أكدت توجه الجماعة إلى التصعيد غير المسبوق مع الدولة الأردنية، اعتبر الفلاحات أن الحركات الشعبية المطالبة بالإصلاح وخصوصاً الحركات الشبابية، باتت تخجل من رفع شعار "الشعب يريد إصلاح النظام"، في إشارة بدت واضحة إلى أن هنالك من يطالب باعتماد شعارات مشابهة لتلك التي رفعت في دول الربيع العربي وقادت إلى سقوط أنظمة حاكمة.
وأكد الفلاحات أن التظاهرات التي دعت إليها الجماعة في 18 الشهر الجاري، بالقرب من ميدان جمال عبد الناصر "الداخلية" في قلب العاصمة الأردنية، ستكون تظاهرات طويلة من حيث الوقت المحدد لها، محملاً السلطات مسئولية أي قطرة دم قد تسيل أثناء هذه التظاهرات.
انتخابات شكلية
ووصف حمزة منصور أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي "الذراع السياسية للإخوان"، الانتخابات المقبلة بأنها شكلية ومحكومة بقانون متخلف وغير دستوري.
وتساءل منصور خلال قراءته بياناً شديد اللهجة أثناء المؤتمر "لماذا المشاركة وإمكان التغيير الحقيقي غير موجود؟"، وأشار إلى أن في الأردن انتخابات شكلية محكومة بقانون رجعي يحدد ملامحه ودوره أصحاب القرار والنفوذ ورأس المال.
وقال: "إذا كان الخيار بين مهزلة الانتخابات أو الحراك الشعبي، فإن الاستمرار بالفعل الجماهيري السلمي أنفع للوطن"، مضيفاً أن الجماعة ستراقب اليوم الانتخابي، وستكشف عمليات التزوير بالاعتماد على وسائل تمتلكها".
وفي رده على انتقادات سابقة وجهها رئيس الحكومة إلى قادة الجماعة، بسبب مطالبها بتعديل الدستور، أجاب منصور قائلا: "لا نستطيع أن نفهم كيف أن الشعب مصدر السلطات وفقاً لنصوص الدستور وفي الوقت ذاته لا يستطيع أن يختار حكومته"، مضيفاً "يبدو أن بعض الأشخاص ينقلبون على أنفسهم" - في إشارة مباشرة إلى النسور.
"تغيير قواعد اللعبة"
أما زكي بني أرشيد نائب المراقب العام للإخوان، فاعتبر أن مشكلة الأردن مع الذين يمتلكون القرار وكبسة الزر، لافتاً إلى أن الجماعة ستعمل على تغيير قواعد اللعبة، عبر المطالبة بمزيد من التعديلات الدستورية.
وفي رده على سؤال لجريدة "الحياة" اللندنية حول إمكان أن تعترف الجماعة بنتائج الانتخابات المقبلة، رأى بني أرشيد أن الإخوان ليسوا معنيين بتلك النتائج، وسيتعاملون مع البرلمان الجديد مثل أي مؤسسة حكومية فرضت قهراً على الأردنيين.
وأكد بني أرشيد قائلا: "إن اليوم التالي للانتخابات سيشهد ردود أفعال غير متوقعة بالنسبة للدولة"، من دون التطرق إلى التفاصيل.
وبالإضافة إلى ذلك، أكدت قيادات الإخوان بعدم تبنيها لتنفيذ اعتصام مفتوح قبيل الانتخابات، مشيرة إلى أن فعاليتها المركزية الجمعة المقبلة، هي فعالية طويلة لكنها ليست مفتوحة، وان الحركة لم تتخذ بعد قرارا بتبني الفعاليات المفتوحة التي أعلنت جهات حكومية قرارا بمنعها.
حق التعبير ورغم الإعلان عن الفعالية المركزية، لم يصدر عن الحكومة الأردنية أي تعليق رسمي على موقفها منها، إلا أن نوفان العجارمة وزير الدولة لشئون رئاسة الوزراء، أكد لشبكة ال "سي ان ان" الإخبارية أن لكل طرف عن رأيه بموجب أحكام القانون.
وقال العجارمة: إن حقوق المواطنين مكفولة بالدستور، ونحن كحكومة ملزمين بتطبيق القانون وبحماية المتظاهرين، شريطة أن لا تتعطل حقوق الآخرين".
وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قد حذر في تصريحات له مؤخرا، مما أسماه " خطر الديكتاتوريات الدينية بدلا من العلمانية".
استقالة الحكومة
وفي المقابل، كشف النسور أن الحكومة ستقدم استقالتها إلى العاهل الأردني في 24 الشهر الجاري، أي في اليوم التالي لإجراء الانتخابات، قائلاً: "سأتقدم أنا وحكومتي باستقالة أدبية إلى الملك".
وفي لقاء آخر جمعه بعدد من الكتاب والصحفيين وأحيطت بعض تفاصيله بهامش من السرية، كشف النسور أن الملك سيتخلى قريباً عن بعض صلاحياته على أرض الواقع، كتعيين رئيس الوزراء، مع الحفاظ عليها في نصوص الدستور.
واعتبر المقاطعين فئة قليلة يطالبون بتعديلات دستورية تمس صلاحيات الملك، وهو أمر غير منطقي لكون الحكمة تؤكد ضرورة الإبقاء على هذه الصلاحيات.
وبموازاة ذلك، عبر النسور عن خشيته من الوصول إلى حال "انقسام داخلي" لدى المجتمع الأردني، لكنه اعتبر أن الأنظمة العربية التي آلت إلى السقوط خلال الفترة الأخيرة "تختلف تماماً عن النظام الأردني الذي يتمتع بإجماع شعبي عريض".
ورأى المسئول الأردني الرفيع أن خيار التوجه إلى إحداث "ثورة" في البلاد، سيؤدي إلى الإطاحة بكل شيء والقفز إلى المجهول".