يصيبك نوع من الدهشة عندما يسعدك الحظ وتكون بين ركاب مترو الأنفاق وتقع عيناك على رجل مُلتحى يضحك على نكتة قالها رجل أخر بجواره ، وقتها يأتى السؤال مسرعاً إلى رأسك: هل يضحكون وينكِتون مثل بقية الشعب المصرى " ابن النكتة" ، وقتها تجتمع كل علامات الإستغراب والاستفهام على وجهك؟!!.
ثم تتذكر ببساطة مشهد أخر رآته عيناك أيضاً لشخص مُلتحى أخر عابس الوجه يمشى فى الشارع وكأنه " رايح يتخانق" ، ومرة أخرى تندهش .. ألا يضفى التديُن راحة بال وطمأنينة على النفس والوجه أيضا؟! كنت أسمع والدتى تصف أحد المتدينين وتقول " ماشاء الله رضا ربنا على وشه" ،
ولكن الحقيقة أن هذا الوصف لم يعد ينطبق على كل المُلتحين فى عصرنا هذا.
نموذج أخر من الملتحين ربما رأيته فى الشارع أيضا، وهو يمشى متقدماً زوجته بخطوة ، ولكن المدهش أن ملامحه لا تعطيك أى إجابة عن حالته فلا تعرف إن كان تعيساً أم سعيداً؟ أما زوجته فبالطبع لن تعرف عنها شيئاً ، لأنها إما أن تكون مُنتقبة أو ترتدى حجابا طويلا وملامحها لا تمنحك أى شئ مثل زوجها.
مشهد أخر أراه لبعض المتدينين الوسطيين وحقيقة انحاز إليه بعض الشئ ، رجل له لحية قصيرة مهندمة ، وجهه مقبل على الحياة يمشى فى هدوء وثقة، يغض بصره ويبتسم إذا استدعى الأمر ، أما زوجته فترتدى ملابس "مودن" محترمة لا تشف ولا تصف ، ملتزمة بكامل حجابها وتتعلق برقة فى يد زوجها ويمسك هو يدها ليحميها، يتحدثان سويا ويتضاحكان أحيانا.
نعود إلى صاحبنا المُلتحى الذى يضحك مع صديقه .. المُلفت أن الرجل كان يرتدى جلباباً قصيراً بعض الشئ وبكامل لحيته ، يعنى يمكن أن نقول أنه من الأشخاص الملتزمين دينياً ، ولكن السؤال هل الإلتزام فِكر أم مظهر أم سلوك؟ هل أخطأنا عندما أخذنا انطباع بأن بعض المُلتحين لا يضحكون ولا يتحدثون إلا فيما قال الله ورسوله وغير ذلك يعتبر نوع من الخلاعة؟ هل يضحكون علينا باللحية الطويلة والجلباب القصير ثم نفاجئ بنوع من العنف والعجرفة فى التعامل؟ هل هم طائفة مظلومة استطاعت السلطات تشويه صورتها أمام بقية الشعب المصرى البسيط؟ أسئلة كثيرة تدور فى رأسك ولتعرف الإجابة عليك أن تتحلى بقدر من الإنصاف
نعلم جميعا أن الدين في تكويننا فطرة بالأساس ، وأن الإسلام بُنى على خمس ، وأن هناك حد أدنى من الإلتزام واجب علينا لنستحق اسم مسلمين ، ولكن اللحية الطويلة والجلباب القصير ليست دليلا قاطعاً على أنى شخص مطيع لله ورسوله ، كما أن اللحية القصيرة وارتداء الجينز والكاجوال ليست دليلاً قاطعاً على أننا نتشبه بالغرب ولا نعتز بهويتنا العربية والإسلامية ، أيضا للإنصاف عدم الإلتزام باللحية من الأصل ليس تهمة تجعلك تظن أن صاحبها غير متدين.
الحقيقة أننا لدينا فى مجتمعنا المصرى تشكيلة متنوعة من البشر لا تخضع فى تكوينها لقاعدة محددة ، شباب يرتدون الجينز، يتلَّقون تعليمهم باللغة العربية والانجليزية أيضا ، يذهبون للصلاة فى المساجد وأحيانا لا يذهبون ، بعضهم مُلتحى والأخر حليق اللحية ، يضحكون ويسافرون ويلعبون ويصلون ، ولا يمكنك أن تحكم على أحدهم أنه أكثر تديناً عن الأخر ، حالة امتزاج شديدة بين المسلمين بعاداتهم وثقافة الغرب ، على الجانب الأخر لدينا من يتمسكون تمسكاً شديداً بأوامر الإسلام ، وهذا ما يبدو لنا من ملابسهم أما عن ذاتهم الداخلية فلا يعلمها إلا الخالق.
إذن فالمنطق العقلى البسيط يقول إن التدين هو إلتزام داخلى لا يمكن لأحد أن يعلم مقداره أو مدى صدقه سوى الله ، هذا التدين قد ينطبع على ملابسك بدرجة ما وقد لا ينطبع عليها ، قد يجعلك تمسك غضبك عند خلافك مع شخص ما وقد لا يجعلك كذلك ، لذا لا يمكنك أن تحكم على التدين بالمظهر ، فهو شئ لصيق بذاتك الداخلية وفِكرك ، والتى هى أشياء معنوية لا نستطيع تقديرها أو الحكم عليها بمجرد النظر بالعين المجردة ، ويبقى سر التدين وتقديره عند المولى.
وهنا تكمن الفكرة فى الذات البشرية المعقدة بدهاليزها ووديانها المختلفة ، فالأمر أكثر من مجرد لحية أو جلباب ، وأكثر من مجرد سبة تهاجم بها أحد يخالفك الرأى ، وأكثر من مجرد خمس صلوات تؤديهم بالمسجد فى أوقاتهم .. الأمر أعمق من ذلك بكثير .. علمه فقط عند الخالق ، فلسنا قضاة نحكم على هذا بالتدين وعلى هذا بقلة التدين أو انعدامه.
هى فكرة مُركبة ومُعقدة حاولنا تبسيطها بقدر من الإنصاف ، فى إجابة بسيطة على سؤال: هى دقن ولا أكتر؟!!.