أخبار مصر: حادث مروع بالمنيا يوقع عشرات الضحايا، بيان من الصين بشأن إقليم أرض الصومال، مواجهة مصيرية لمنتخب مصر اليوم    فنزويلا تعلن عودة ناقلة النفط "مينيرفا" إلى مياهها الإقليمية    استقرار أسعار الحديد ومواد البناء بأسواق أسوان اليوم السبت 10 يناير 2026    مصر للطيران تعلن تعليق رحلاتها من وإلى أسوان وأبو سمبل| إيه الحكاية!    أخطر مما تتصور وغير قابلة للعلاج، تحذير هام من الاستخدام اليومي لسماعات الأذن    من الشمال إلى جنوب الصعيد، الأرصاد تحذر من 4 ظواهر جوية تضرب البلاد اليوم    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا.. لا نريد لك العذاب
نشر في محيط يوم 07 - 11 - 2015

إذا ما كان أداء الإعلام هذه الأيام فى كفة الميزان بعدما تجاوز البعض، وتطاول البعض، وتخابث البعض، وتغابى البعض، وتحامل البعض، وتفاقم البعض، وتآمر البعض، وقبض البعض، وتخرّس البعض، وترقّص البعض، وتصخّر البعض، وتصحّر البعض، وتثعبن البعض، وتنطع البعض، وتقرنن البعض، وانفلت عيار البعض، واستندل البعض، واستظرف البعض، واستأسد البعض، وانزلق البعض، وانتفخ البعض، وتجاسر البعض، وتشرذم البعض، واستعبط البعض، واشتط البعض، وتحرش البعض، وامتلأت ساحات الإعلام بالمضلِل والمنافق والمتذاكى والهايف والسطحى والمكفِر والمكابر والإباحى والمحرض والمتلون والمتصيد والمزيف والسليط والمدعى والزلنطحى والموتور والموروط والمستنفر والمستنقع والسوابق ومن فى قلبه مرض، ليخرج الرجل حلو اللسان طيب الذكر والمنبع والمعشر زارع الأمن والأمل والأمان الرئيس المنتخب يشكو أهل الإعلام للشعب: انتم جبتونى تعذبونى.. فى فترة تجتاز فيها مصرنا عنق الزجاجة حيث لا مخرج منه إلا بارتفاع صوت الضمير لا بنعيق البوم.. وإذا ما كنا قد بلغنا منزلة السلطة الرابعة بعد جهد الأجيال المضنى لنيل شرفها، وأطلقنا حرية الصحافة بعدما عانت طويلا من القمع والمصادرة وتكميم الأفواه والسجن بجريمة العيب فى الذات الملكية، وودعنا عهد الرقيب المقيم بمكتبه وسط صالة التحرير، فلا مناص من أن يكون كل صاحب رأى وقلم وميكروفون وشاشة بداخله الضمير الرقيب، وها هى «شوقية» لم تنشر من قبل لأمير الشعراء أحمد شوقى يودع فيها عهد الرقابة والرقيب الذى لم تعان اضطهاده مثلنا أجيال الانفلات الإعلامى الآن.. عهد مقيت.. الله لا يعيده ولا يجلبه لنا من سوء أفعالنا، وخُبث من يحركون نجومهم المزيفة بأموالهم المشبوهة فوق المسرح من خلف الستار..
لنا رقيب كان ما أثقله
الحمد لله الذى رحّلهْ
لو ابتلى الله به عاشقاً
مات به لا بالجوى والوَلهْ
لو دام للصحف ودامت له
لم تنج منه الصحف المُنزلة
إذا رأى الباطل غالى به
وإن بدا الحق له أبطله
لو خال «بسم الله» فى مصحف
تُغضب مولاه محا البسملة
إن تذكر الخنجر لفظاً تُصبْ
من شدة الذعر به مقتله
وإن تصف قنبلة لم ينم
من هول ذكرى حادث القنبلة
الشر بالشر فيا قوم لا
إثم إذا راقبتمو منزله
فحاصروا الأبواب واستوقفوا
من أخرج الزاد ومن أدخله
إن كان فى السلَّة تفاحة
ضعوا له موضعها حنظلة
أو اشتهى الأبيض من ملبس
قولوا له الأسود ما أجمله
ذلك يا قوم جزاء امرئ
كم غيّر الحق وكم بدّله
إنت.. زى الفل!
الكثير التساؤل الذى لا يحظى إلا بإجابات قليلة.. الكاتب الأديب الراحل أنيس منصور اصطحبت أحزانه معى فى كتاب على متن طائرة توجهت بى فى رحلة هروب بحجة العمل إلى نهاية القارة السوداء.. الدموع المنسابة على جدران النفس وأضغاث الكوميديا السوداء أخذتنى بعيدا عن التفكير فى أننى أنحدر إلى رأس الرجاء الصالح معقل ومعتقل نيلسون مانديلا ومرتع حكمته فى الكهولة.. انحدرت مع آهات ابن منصور إلى غابات الأشواك التى عندما يشعر طائر الشوك فيها باقتراب النهاية يطير عالياً بين الأشجار وفوقها حتى يجد شجرة بها شوك.. فينتقى أطول شوكة ليلقى بنفسه عليها ويصرخ ألماً.. وتكون صرخته الأخيرة هى أروع ألحانه وهى مسك الختام.. وهى الكمال.. كمال الصوت واكتمال الحياة، وليس بعد الكمال إلا الموت.. إلا النهاية التى قال عنها العالِم أينشتاين لطبيبه: إننى عرفت الكثير وحاولت معرفة الأكثر، لكن الذى أعرفه إذا ما قورن بالذى لا أعرفه مثل طابع بريد ألصقته فى قمة إحدى المسلات الفرعونية.
رحلة الأحزان.. بدأت فى السرد المنصورى المتفرد الذى يمزج الآهة بالنكتة. والصرخة بالضحكة، والإعجاب بالاستغراب، والإطراء بالسخرية، والسرد بالبتر، والواقع باللامعقول، والفلسفة بالزكام، والتلوث بالذين أتوا من السماء، ويسافر فى قطار اليوم بتذكرة الأمس، ويدس الطفولة فى رحم الشيخوخة، ويترحم على كلب مات، ويأتى بهضبة التبت إلى حديقة فريال بالمنصورة، ويضيع أحدهم فى لواذع سخريته، ويخرج بالعقاد عنوة إلى ساحة الكلام، ويصادق الأطباء وينفر من المرض، ويرى أن الذى وصف الممرضات بأنهن ملائكة الرحمة لم ير الملائكة ولا ذاق طعم الرحمة، ولا أحد يعلم ما بينه وبين نفسه فأنيس منصور ليس الصديق الدائم لنفسه.
شجن كاتبى ارتفعت ترانيمه فى أواخر أيامه فى عموده اليومى «مواقف» وفى أقرب مؤلفاته إلى قلبى «أحزان هذا الكاتب» حيث يئن لوعة بقوله: «أجمل الناس وأحب الناس لم أستطع أن أصل إلى وجهها أقبّلها أو إلى ذراعيها أرتمى بينهما فقد كان السرير مرتفعا.. بكت وبكيت وكانت دموعى تحويشة عمر.. أبكى كلما رأيت أمى حزينة.
سألتني: إيه اللى بيوجعك؟
فقلت لها: أنت.
وانحنت أمى بوجهها على وجهى. على خدى. دموعها فى دموعى والحوار بيننا صامت.. مرضها طويل ولا تشكو وإنما تتأوه وتتوجع.. حتى كان ذلك اليوم الحزين.. لقد ظهرت أعراض المرض على كلبى.. لا يأكل.. لا يشرب.. أزحف إليه تحت السرير.. أحتضنه.. يحرك ذيله ولا يفعل شيئاً.. طبيب بيطرى سحب الكلب ووضعه فى حنطور واختفى.. ولم يعد الكلب.. أول ميت فى حياتى أين ذهبوا به؟ البعض يسخر قائلا: كلب ومات.. هاها.. وعرفت معنى غياب من أحببت. ورحت أفتش فى كل مكان دون أن أدرى كأننى أتوقع أن أجده تحت السرير.. تحت اللحاف.. وراء الباب.. وفى كل مرة أفتح الباب أفتحه برفق حتى لا أصدمه.. ولم يمت الكلب.. هذا إحساسى به.. وإنما بقى زمنا طويلا.. خرج ولم يعد لكنه لم يخرج من ذاكرتى..
قدرى أن المرض أسمعه وأراه وأرانى عاجزاً أمام وطأته عن فعل شيء واعتدت على رؤية وسماع أحب الناس يقولون آه.. اعتدت على الحزن.. على صدى الآهات.. على أنين الألم.. على الشكوى والابتهال والرجاء.. مات أبى وأمى وكثيرون ولم تنقذهم دموعنا ودعواتنا، فالموت نهاية كل حى طيب وشرير، وعمر بن الخطاب عندما قيل له إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد مات رفع سيفه ليقتل من يقولها حتى قيل له إنك نسيت قوله تعالى: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرُسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم»، وانهار عُمر باكياً.. مات خالى.. أمى فى حزنها لم تكن ترانى ولا تتكلم ولا تأكل ولا تشرب.. ولا أعرف كيف انتظمت خالاتى والقريبات فى حلقة واحدة يقفزن ويلطمن خدودهن.. وأمى أيضاً تلطم خديها.. ويبدو أنها وضعت لونا أسود أو أزرق على وجهها.. ولم أشأ أن أسأل عن المنديل الذى أطرافه سوداء حتى بعد سنوات من وفاة خالى وخالتى وجدى وجدتى وأختى غير الشقيقة.. تحول خوفى من المرض إلى الوسوسة، وتركزت هذه الوسوسة فى الخوف من البرد.. أو الإصابة بالزكام وبذات الرئة مثل أمى وخالتى وخالى وعمتى.. وجدت أن الوقاية خير من العلاج فى أن أتغطى باللحاف فى عز الصيف وباثنين وثلاثة فى الشتاء ولا أزال أفعل ووجدت أن السبب الحقيقى ليس برودة الصيف وإنما هو عدم الشعور بالأمان.. فأنا مثل كل الأطفال إذا خافوا غطوا وجوههم.. أو كالنعامة حين تخفى رأسها فى الرمل تظن أنها قد أخفت كل جسمها، أو إذا هى أغمضت عينيها عن الخطر فقد زال الخطر.. ورغم أننى لم أعد أعانى من القلق وافتقاد الأمان فقد أصبح الغطاء الثقيل عادة تمكنت منى لدرجة أننى إذا أخرجت قدمى من تحت اللحاف صيفاً فإننى أعطس كأن عاصفة باردة قد هبت على قدمى»..
ولا تخلو جعبة الكاتب المشهود له بالرعب من الإصابة بالبرد من طرائف التخوف من عدواه ولو من أكبر كبير.. من الدلاى لاما كبير رهبان التبت، ومن السادات، ومن النميرى ومن عبدالوهاب، ومن أم كلثوم التى اضطر لملاقاتها وكان اضطراره يعود لأنها مزكومة مع أنه سمعها تقول: إنها أقل الناس إصابة بالزكام لأنها تأكل كذا وتشرب كذا، وتستحم بالطريقة الفلانية وملابسها فى الشتاء وملابسها فى الصيف، أى أنها تحتاط لذلك، ومعها حق فحنجرتها يجب أن تبقى ذهباً لا يصدأ ولا يتآكل.. وأما سبب عجلة أنيس للقائه بها فلأنه كان يريد مصالحتها أو الاعتذار لها عن خبر غير لائق نشرته مجلة «آخر ساعة» وكان رئيساً لتحريرها وقتذاك، وهى على يقين من أن الخبر قد أفلت من رقابته لعلمها بمدى حبه لها وكانت فرصة أيضا للتحدث إليها فحكاياتها لا تنتهى ونكاتها وقفشاتها لا تنضب.. ولم يكد أنيس منصور أن يرى أم كلثوم وإلى جوارها كمية كبيرة من المناديل وأنفها أحمر، وصوتها مبحوح للغاية، وكانت قد حاولت فى التليفون أن تقلل من أثر الزكام على حنجرتها، وهذا ليس صعباً عليها فى أن تجعل صوتها عالياً ومختنقاً ورفيعاً وغليظاً فهذه قدرتها وفنها.. ولكن أنفها كان يقول شيئاً آخر لأنه أحمر للغاية وشفتيها أيضاً.. مزكومة لا شك فى ذلك أو فى نهاية الزكام.. ولكن لاتزال مزكومة.
توقف صاحبنا عند الباب محاولا الجلوس بالقرب منه فضحكت أم كلثوم وقالت له: أنا كنت عاملة حساب اللحظة دى..
عاملة إيه؟
- أنا قلت لهم يحطوا لك كرسى قدام الفيلا وأنت تزعق لى من بعيد وأنا لا أرد عليك.. هاها.. هاها.. النهاردة آخر يوم لى فى الزكام وأول يوم عندك.. مش ده اللى بيسموه سباق التتابع واحد ياخد الزكام من واحد ويعطيه للى بعده.. أنا حمّلتك أمانة يا شيخ تنقل الزكام للواد اللى كتب الخبر البايخ اللى عندك فى المجلة.. وبالمناسبة.. لماذا لا تجعل اسم مجلة «آخر ساعة».. «آخر سقعة».. هاها.
وفى خروجه أعطته أم كلثوم أحد مناديلها وهى تقول: ده تصبيرة لحد ما تروح البيت المنديل ده يمنع الزكام وينقله برضه.. وبالفعل انتقل الزكام إلى أنفه واستقر فى حنجرته.. وسألت عنه أم كلثوم.. وقال لها: وصل.
اللى هو إيه؟
- الزكام..
يا شيخ انت تطول تأخذ زكام أم كلثوم.. بكرة حتغنى.. بس مش حتلاقى حد يسمعك.. هاها».
ولأن كوكبة فرسان القلم من حول أنيس منصور يتساقط أفرادها فى سماء مشوار حياته شُهباً ترحل مخلفة أحزان الفقد، فقد كتب عن إحسان عبدالقدوس أول من قدمه لعالم الأدب فى روزاليوسف وذلك بعد زيارته فى غرفة الإنعاش التى وقفت على بابها إحدى الممرضات البدينات تأكل وتمضغ لباناً.. أشار د. خيرى السمرة إلى أحد أركان الغرفة قائلا هناك، واتجه أنيس إلى حيث أشار الطبيب بيده متسائلا:
إيه اللى هناك؟
- قال: إحسان..
ودارت بى الأرض، فلم أر أحدًا وإنما رأيت شيئا قد تكوّم هناك، وأحمد الله أننى لم أر وجه إحسان.. ولا رأيت ملامح جسده.. أين الذكاء أين النور أين لباقة المحامى القدير وأين عالم النفس والفنان.. أين الرقة والجمال.. أين نجم المدينة.. حلم البنات معبود السيدات.. الفتى الأول فى السينما.. العقل الذى قامت عليه وبه صناعة السينما فى مصر.. أين؟ هناك!!
وتوفيق الحكيم الذكى الظريف الشاحب الفيلسوف الذى غدا فى مرضه الأخير يطل من وراء غشاء أصفر يذهب إليه أنيس منصور ليزوره مرات فى نهاية رحلته وأيامه العسيرة بمستشفى المقاولون العرب ثم مستشفى الصفا ليجده قد ازداد اصفرارا لكنه بقى توفيق الحكيم خفيف الدم الذى قال عندما سأله أنيس عن حالته الصحية:
«كلما سألت الطبيب قال لى إنى «زى الفل».. فل إيه اللى جاى يقول لى عليه.. فل إيه وأنا غير قادر على أن أذهب إلى دورة المياه.. إنهم يأتون بدورة المياه إلى السرير.. وضحكنا. ولكنه وحده لم يكن قادرًا على الضحك.
وعندما زاره عدد من الأطباء، وأحس توفيق الحكيم بضوضاء وهمس وكلام حوله ولم يكن قادرًا على رؤيتهم سألنى: إيه الدوشة دى يا أنيس؟
قلت: الأطباء.
فقال: آه الجماعة بتوع الفل؟
وخرج الأطباء والتفت توفيق الحكيم يقول لنا أنا منتظركم فى جهنم مع طه حسين والعقاد.. اوعوا تغيبوا.. أنا مستنيكم.. يا أنيس..
حاضر يا توفيق بيه.
ماتغيبش علىّ.
حاضر يا توفيق بك.
وإذا حاول صلاح طاهر يهرب منك سيبه.. وتعال لوحدك.. أنا حاجز لك حتة كويسة فى جهنم جنبى.
وضحكنا. ولم يضحك. وكأنه قد انتقل إلى جهنم فعلا لأنه كان يشير بيديه إلى مكان بجواره على السرير.. فكأنها كانت نبوءة، حيث دخلت أنا أيضا الإنعاش بعد ذلك، وتزاحم حول سريرى كل الجماعة بتوع الفل!
ويغيب توفيق الحكيم عن الوعى ثم يعود يقول لنا: نار إيه اللى أنا حادخلها.. إننى سوف أدخل الجنة.. فالله أعطانى عقلا صغيرا وعمرا قصيرا وكونا هائلا. فكيف أفهم كل هذا الكون بهذا العقل الصغير والعمر القصير.. لابد أن أغلط.. والغلط سببه عجزى عن الفهم.. وأعتقد أن هذا سبب كاف لأن أدخل الجنة.
ثم يعود يقول: تبقى تيجى على مهلك يا أنيس إنت لسه عندك كلام حلو.. أما صلاح طاهر فهو الذى سيسارع إلى جهنم لأن له أصدقاء كثيرين سوف يكونون فى انتظاره رجالا ونساء أكثر.. ولا يضحك.
وتضم جبال أحزان الكاتب صباحاً أسماه «الصباح الحزين» فى 6 أكتوبر 1981 عندما رأى بقايا السادات غارقة فى الدم بمستشفى القوات المسلحة: «إنها صورة شنيعة: نهاية العظمة والشجاعة وبُعد النظر.. نهاية الكفاح الوطنى والصراع الدولى.. نهاية كل شيء باهر فى الدنيا».
«ماذا أفعل يا أستاذ؟» سؤال الحيرة الذى دار به أنيس منصور على العقاد من بعد تخرجه فى الجامعة.. يومها قال له العقاد ساخرًا: شوف يا مولانا.. امش.. امش.. ولا تتوقف عن المشى.. فإذا أرهقك المشى اجلس. وإذا جلست انظر وراءك ماذا فعلت وماذا أفدت. فإذا لم تجد أنك قد حققت شيئا فعاود المشى.. وإذا تعبت اجلس وحاسب نفسك ولا تكف عن السؤال.. هل اخترت الطريق الصحيح.. هل الطريق الذى اخترته هو الذى من الممكن أن يجعل منك شيئا.. هل الطريق كان مستويا أو مليئا بالمطبات.. هل وجدت نفسك تقفز فوق المطبات.. هل كنت تنظر إلى قدميك أثناء المشى.. هل رأيت شجرة.. هل تابعت عصفورا.. هل نظرت إلى السماء وتساءلت ما هذا الذى فوقنا.. هل لك دور.. هل أنت ضرورى.. وإذا لم تفعل ذلك مرة واحدة فى حياتك فلا داعى لأن تكرر المشي».
ويتجه أنيس بحيرته المتعاظمة من بعد العقاد إلى طه حسين فينصحه بابتسامة ناعمة لا تجرح أحدًا.. «يا سيدى.. استمع إلى قلبك وليس إلى عقلك الآن.. أطل بالإنصات إلى قلبك والذى يقوله لك يجب أن تصدقه فورا.. يجب ألا ترغم نفسك على شيء.. يجب ألا تعاديها.. يجب ألا تنقسم إلى اثنين أحدهما يشمت فى الآخر.. لا تقلق.. لا تخف فالله لا يخلق موهبة لكى تضيع.. لا تسرف فى التساؤل حتى لا تدمن السؤال ولا تعرف الإجابة».
وعندما أجاب الساخر الشاعر كامل الشناوى على حيرة منصور قال له: «اسمع أى كلام يقوله لك العقاد أو طه حسين واعمل عكسه تماما.. إذا قال لك العقاد اتجه غربا فاذهب شرقا، وإذا قال لك طه حسين اتجه شمالا فاذهب جنوبا.. إنهما ينفخان فى قربة مقطوعة.. يقولان ولا أحد يسمع ولا أحد يقرأ (يرن جرس التليفون) أهلا يا زينات أين أنت؟ الليلة.. سوف نجىء.. كم عددنا؟ ربما عشرون.. انت اللى وحشتينى قوى.. وسوف يكون معى أنيس منصور.. نعم سوف يجىء.
وتنتهى المكالمة ويقول كامل الشناوى: لا تنسى أننا سوف نتعشى، وزينات علوى وفريد الأطرش، فرصة لكى تنسى كل الذى قاله لك العقاد وطه حسين»..
ولأننى عرفته على مدى أربعين عاما وأكثر الضاحك الساخر الذى يمشى فى الأرض مرحاً ينفض ألمه العابر بهزة من رأسه، فوجئت فى مؤلفه المدجج بالشجن ساخرًا نعم.. ضاحكاً نعم.. لكنه أيضاً أنيس منصور الباكى مسروق المرح الذى ارتدته آلامه ومحال أن تهرب منه ولا يهزها زلزال بدرجة بليون ريختر.. أنيس منصور من بين سطور الألم المغلفة بقشرة شيكولاتة معجونة صبّار يعترف: «كنت أتمنى أن تكون لى ابنة ظناً أن البنت أحسن من الولد أرق وألطف وأكثر حنانا.. وتمنيت طويلا ولم يشأ الله أن تكون لى ابنة ولا ابن.. كنت أحلم بابنة صغيرة أعلمها جميل الكلام أملا فى أن تكون أقوى وأجمل وأعظم».. «لا أقرأ صفحات الذين ماتوا فكل الذين أحببتهم قد ماتوا».. «يارب.. إذا كان هذا عقابك فأين رحمتك.. يارب لا حيلة لنا فيما اخترت.. وفيما قررت.. وفيما حكمت.. مالى إليك وسيلة إلا الرجاء، وجميل عفوك ثم إنى مسلم..».. «ولدت وأنا أسمع آه.. وربنا الشافى.. وإذا مرضت فهو يشفين.. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.. فاغشيناهم فهم لا يبصرون.. مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها.. ومرة بعد الأكل ومرة قبل الأكل..».
ولست بالجديرة لتحليل الأستاذ وتلمذتى عليه تقبع فى الإشارة إلى سطور تلغرافية موحية أتت فى سياق آلامه قد تكشف جوهر أحزانه: «ولدت فى خوف من أشياء كثيرة.. ليس المرض وحده وليس الموت وحده.. إلا خوف أن تمرض أمى وتموت.. الخوف ألا أكمل دراستى.. ولدت مثل علامة استفهام تحولت إلى علامة تعجب.. ولدت والآهة طويلة وقصيرة تدخل أذنى وتشعل النار فى رأسى فلا تنزل من عينى دمعة واحدة.. لا أعرف كيف انصرفنا أو انفرطنا.. الذى يقع من الشجر لا يعود.. مثل دمعة العين تنزل ولا تعود.. كل شيء فى اتجاه واحد إلى النهاية.. بسرعة.. ببطء.. كله ذاهب رائح إلى حيث ينتهى فلا يكون شيئاً.. كل من عليها فان.. لم أعد قلقاً على أحد.. صفيت حسابى مع الناس وأغلقت الملفات وأغلقت قلبى.. انتهى.. الشاعر الصينى (لى يو) نزل إلى البحر ليحطم صورة القمر فغرق»..
عازف الحزن الرفيف.. معك لم أشعر بعبور خط الاستواء.. كان مستويا سواء عبرته أم لم أعبره فلم أشعر به.. فى رأس الرجاء الصالح رجوت يومها لصالحك أن تنقشع أحزانك.. قلت لك فى سرى امسح دموعك.. امسح دموعك التى تخفيها عنا.. إنت زى الفل.. وإذا ما كنت قد أغلقت قلبك قبل المغادرة فقلوبنا وعقولنا ستظل مفتوحة أبدًا لك، فنحن لم نصف حسابنا بعد معك!
نقلا عن " الاهرام" المصرية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.