تراجع أسعار النفط اليوم الإثنين    محافظ الغربية يتابع أعمال إزالة عقار مائل بقرية محلة أبو علي    جرامي ال68.. «تحدي الجاذبية» تنال جائزة «أفضل أداء ثنائي/جماعي في موسيقى البوب»    عمرو سعد يفتح قلبه: قرار اعتزال الدراما يقترب... و«إفراج» قد يكون المحطة الأخيرة قبل الغياب    محافظ الأقصر يشهد الليلة الختامية لاحتفالات مولد العارف بالله أبو الحجاج    ليلة الروك والبوب والإلكتروني تتوهج في الجرامي.. Turnstile تتصدر المشهد و«Defying Gravity» يحلق بالجائزة الثنائية    ليلة ذهبية في الجرامي.. أريانا جراندي وسينثيا إريفو تحلّقان بثنائية ساحرة والرقص الإلكتروني يفرض إيقاعه على الجوائز    فحص 1217 مواطنًا في قافلة طبية جديدة ل«حياة كريمة» بدمياط    محافظ كفرالشيخ: رفع كفاءة 25 طريقًا بطول 50 كم بسيدي سالم ضمن مبادرة «تأهيل الطرق»    مسؤولون أمريكيون: لا نعرف ما إذا كان خامنئي سيأذن بعقد اتفاق مع واشنطن أم لا    هبوط أسعار الذهب بأكثر من 5% ويصل إلى 4609 دولار للأونصة    الوطنى الفلسطينى: إخطار الاحتلال بهدم 14 منزلاً فى سلوان انتهاك صارخ    حظر تجول في الحسكة والقامشلي مع بدء تنفيذ اتفاق دمشق و"قسد"    الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال رئيس قسم بدائرة الهندسة في حزب الله    لماذا يظل الخبز البلدي الأفضل؟    ترامب حول أزمة الأمم المتحدة: لو لجأوا لي لأجبرت الجميع على الدفع خلال دقائق    نجم الزمالك السابق: «شيكو بانزا» يحتاج إلى تطوير أكبر على المستوى التكتيكي    معتمد جمال: حققنا الهدف وصدارة المجموعة.. وجماهير الزمالك كانت سر قوتنا    قسد: سيفرض حظر تجول في الحسكة والقامشلي تزامنا مع بدء تنفيذ الاتفاق مع دمشق    النيابة العامة تحقق في مقتل شخص بطلق ناري بالبدرشين    أسعار الفضة تهبط في المعاملات الفورية بأكثر من 5% لتسجل 78.93 دولار للأوقية    حرف مصرية بالهند    نقيب الأطباء: نعترض على إعادة الترخيص في قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية    استشهاد معاون مباحث مركز شرطة الحامول بكفر الشيخ أثناء تأدية عمله    السيطرة على حريق بمساكن عزيز عزت في إمبابة    كاريكاتير اليوم السابع يتناول حجب لعبة روبلكس رسميا في مصر    إعلام عبرى: إسرائيل وضعت 3 شروط للتوصل إلى صفقة جيدة مع إيران    "القومي لذوي الإعاقة" يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لمسابقة «الأسرة المثالية»    بيئة مثالية | خبراء: نمتلك قدرات وإمكانات فنية لتحقيق طفرة    كايد: الفوز على المصري خطوة مهمة نحو صدارة مجموعة الكونفدرالية    حازم إمام: إمام عاشور سبب الجدل اللى حصل.. وبن رمضان وبن شرقى الأنسب لتعويضه    أريانا جراندي وسينثيا إيريفو تحصدان جائزة جرامي لأفضل أداء بوب ثنائي    «خيوط الهوية» لدعم التراث بسوهاج    ما حكم الاحتفال بليلة النصف من شهر شعبان؟.. الإفتاء توضح    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    عمر كمال: إمام عاشور يستحق أعلى راتب في مصر.. ولم أتعرض لإصابات كثيرة مع الأهلي    علاء عبدالغني يكشف كواليس أزمة حراسة المرمى في الزمالك    الصحة العالمية تحذر من أمراض تهدد 78 مليون شخص بإقليم شرق المتوسط    هل الشخير علامة مرض؟ نصائح طبية لنوم آمن وهادئ    متحدث الصحة: دليل إرشادي جديد ينظم خدمات العلاج على نفقة الدولة    منافسة نسائية ساخنة فى دراما رمضان 2026    أسرة "محمد" المنهي حياته علي يد زوجته في البحيرة: غدرت بيه وطعنته ب مقص وعايزين حقه    لجنة السياحة بالغرفة الألمانية العربية تعقد الصالون السياحي الثاني لدعم التعليم الفني والتعاون المصري الألماني    القومي للمرأة: تمكين السيدات استثمار مباشر في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة    الدوري الفرنسي، باريس سان جيرمان يخطف فوزا هاما أمام ستراسبورج    وثائق إبستين تكشف نقاشات حول الخليفة المحتمل لبوتين    مصرع شخص وإصابة آخر إثر حادث تصادم دراجة نارية وسيارة فى منية النصر بالدقهلية    خطوات الاستعلام عن نتيجة الإعدادية الترم الأول بالقليوبية 2026 بالاسم ورقم الجلوس    وزير الخارجية الفرنسي: الحوار مع موسكو ضروري للدفاع عن المصالح الأوروبية    نقيب الأطباء يكشف أسباب رفض مشروع قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية    شيخ الأزهر: الدنيا بأسرِها كانت ضد المرأة حتى جاء الإسلام ليعيد لها كرامتها    الأوقاف تعلن أسماء الأئمة المعتمدين لأداء التهجد بالمساجد الكبرى في رمضان    للصائمين.. موعد أذان المغرب اليوم الأحد أول الأيام البيض    النواب يوافق على تعديل قانون الخدمة العسكرية وتغليظ عقوبات التهرب من التجنيد    مدبولي يدعو وسائل الإعلام إلى تبني خطاب يسلط الضوء على "المرأة النموذج" المنتجة والمبدعة    بث مباشر الآن.. مانشستر سيتي يواجه توتنهام في قمة نارية بالبريميرليج    لابد من تدريبهم حتى لا يدفع الشعب الثمن    النتائج النهائية لانتخابات نقابة المحامين بشمال وجنوب البحيرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



" التربية السلوكية الإسلامية للأولاد " خطوات وأساليب
نشر في محيط يوم 24 - 12 - 2008

نظمت مجلة "التبيان" الشهرية الصادرة عن الجمعية الشرعية ندوة تحت عنوان: "التربية السلوكية الإسلامية للأولاد" حاضر فيها الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح المهدى أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور محمدالمختار المهدى الرئيس العام للجمعيات الشرعية عضو مجمع البحوث الإسلامية، وأدارها وقدم لها الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية رئيس تحرير المجلة.
وقال الدكتور عبد الحليم عويس في كلمته في أول الندوة أن المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها مطالبون اليوم أكثر من أى وقت مضى بالحفاظ على نظام الأسرة؛ لأن الأمة الإسلامية أمة مستهدفة خاصة أن المستكبرين والمستعلين فى الأرض هم مفسدون يريدون تغيير وتبديل شريعة الله وتحريف دينه وقيمه الثابتة عبر التاريخ، بهدم الحياة الإنسانية وهدم الأسرة وقطع الصلة بين الآباء والأبناء والامهات.
يضيف الدكتور عبد الحليم عويس: إن هؤلاء المفسدين والمستكبرين فى الأرض مازالوا يمارسون ضغوطهم من أجل تغيير الطبيعة الإنسانية وإباحة الشذوذ واللواط والسحاق والزنا، مشيراً فى الوقت نفسه إلى أن الجديد فى هذه المسألة ليس فى انتشار اللواط والشذوذ وغيرهما، ولكن فى تبنى حضارات ودول لهذه القيم الفاسدة وفرضها على الناس، حتى أن هناك منظمات دولية عديدة تقف وراء ذلك وترغم علماء الدين على التوقيع على ما يريدون لتحقيق أهدافهم بأساليب ملتوية وبألفاظ مزخرفة ومطاطة لخداع الناس. ورغم ما يكيده أعداء الإسلام لأبنائه كما يوضح الدكتور عبد الحليم عويس فإن الإسلام سيبقى دائماً له منظومته التى لا يمكن أن تهتز وله أيضا مرجعيته الثابتة؛ لأن سقوط هذه الأمة يعنى سقوط الراية الإنسانية كلها وغرق السفينة البشرية، بل سيحاسب الله تعالى هذه الأمة على مافرطت فى واجبها نحو ربها ودينها وأولادها وأسرها، فقد وصف الله دعوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء: 107)، وجعلهم الله تعالى شهداء على الناس للحفاظ على موازين الحق ومقوماته.
وفى هذا الإطار أكد الدكتور عبد الحليم عويس أنه لكى يتحقق ذلك للأمة الإسلامية لابد أن ينطلق كل مسلم من بيته ومن تربيته لأبنائه، وأن يتقرب كل أب من زوجته وأولاده بالحب والرحمة لأن الأسرة أول حصن يتحصن به الإنسان، كذلك لابد أن يعلمهم شرائع دينهم وعقيدتهم للحفاظ على هويتهم.
وفى مستهل حديثة استعرض إمام أهل السنة أهم ما جاء من مخالفات فى قانون الطفل محذراً من هذه المخالفات التى تجعل المرجعية الأصلية فى تنشئة الطفل وتعليمه للوثائق الدولية لا للشريعة الإسلامية، وتحت ضغوط سياسية واقتصادية ومعونات خارجية، وقد وقعت مصر على هذه المواثيق بلغتيها العربية والأجنبية، وإذا كان للصيغة الإنجليزية مدلولها الخاص فإن الصيغة العربية أيضا كان فيها تزييف وتحريف وغيوم وضبابية لأن القائمين على كتابة بنود هذه القوانين اختاروا بعض الألفاظ المطاطة.
وضرب الإمام أمثلة لهذه الألفاظ المزيفة والخادعة كاستخدام ألفاظ من قبيل حقوق الإنسان والحرية والمساواة، وكل هذه الألفاظ لها مفهوم خاص فى الإسلام، لكن الحرية عندهم مطلقة بمعنى أن المرأة عندهم حرة فى بدنها وعرضها تمنحه لمن تشاء، والمساواة عندهم مساواة فى كل شىء.
ومن المخالفات التى توجد فى قانون الطفل أيضا رفع سن الطفولة إلى 18 عاماً، ورصد فضيلة الإمام مساوئ رفع سن الطفولة وأكد أنه بناء على هذا البند فإنهم منعوا توثيق الزواج قبل 18 عاماً، بل وطالبوا مجمع البحوث الإسلامية بإصدار فتوى خاصة فى هذا الشأن على اعتبار أن للحاكم أن يقيد المباح، إلا أن مجمع البحوث الإسلامية رفض ذلك، لأن الزواج ليس حكمه مباحاً بإطلاق، بل أحياناً كثيرة يكون واجباً حين يخشى المرء على نفسه الوقوع فى الفاحشة، وهنا ليس للحاكم أن يقيد الواجب أو أن يحرم الحلال، خاصة فى ظل الإغراءات المختلفة التى يتعرض لها الشباب عبر الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة وفى الشوارع، وما يعترى ذلك من وقوع الشباب الذى لا يستطيع أن يعف نفسه (بفعل هذه القوانين) فى الزنا والفاحشة كما أنهم يريدون إباحة الإجهاض دون ضوابط أو قيود.
ويضيف فى رصده لمساوئ البند الخاص برفع سن الطفولة إلى ال 18 عاماً، ويرى أنه بناء على ذلك فإن أى جريمة ترتكب من طفل قبل الثامنة عشرة لابد أن تخفف فيها العقوبة، حتى ولو كانت قتلاً متعمداً، فلا يحكم عليه بالإعدام لأنهم يرون أنه مازال طفلاً!! وتخفف العقوبة إلى درجة التوبيخ فقط، وهذا يعنى أن هؤلاء الشباب قبل سن الثامنة عشرة يمكن استخدامهم فى أعمال الشغب والبلطجة والقتل والسرقة وغير ذلك، فالذين وضعوا هذا البند يريدون الحصول على أهدافهم بحجر واحد ليفوزوا بعصافير كثيرة، وجميعها يحض على إشاعة الفاحشة فى المجتمع وإشاعة الفوضى، حتى وإن كانت هناك تحفظات للأزهر الشريف على هذه البنود فإن هذه التحفظات لا قيمة لها عندهم مادامت المجالس الشعبية وقعت على هذه القوانين المعتمدة فى الوثائق التى خرجت من الأمم المتحدة.
وفى هذا الصدد يحذرالإمام بشدة من موافقة المجالس الشعبية سواء فى مصر أو فى غيرها من الدول الإسلامية، لأنه سينبنى على ذلك العديد من المفاسد للمجتمع المسلم، بل وينادى مجلس الشعب من منطلق الإيجابية التى تتميز بها الجمعية الشرعية أن ينظر جيداً فى هذه المخالفات الخاصة بقانون الطفل وهى مخالفات شرعية لا يقرّها مسلم يعرف كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.ومعرباً فى الوقت ذاته عن ثقته في أن أعضاء مجلس الشعب المصرى لا يرضون لدين الله أن يحذف منه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11) أو أن يسمح بإلغاء تعدد الزوجات أو إلغاء المهر، حيث تعتبر هذه القوانين نزولا بمكانة المرأة، أو إلغاء لقوامة الرجل على المرأة، وكلها أشياء تضرب فى ثوابت الشريعة التى هى أساس تربية وإصلاح سلوكيات المسلمين.
ومن جانبه أكد الدكتور محمد عبد الفتاح المهدى أن التربية ليست أمراً سهلاً لأنها تتعلق بتكوين أفضل مخلوق خلقه الله تعالى وكرمه، ولهذا يواجه الآباء الكثير من المصاعب فى التعامل مع الأبناء.
ويضع الدكتور عبد الفتاح المهدى تساؤلاً مفاده كيف يضطرب السلوك الإنسانى من بداية النشأة وكيف يجنح الطفل أو المراهق دون أن يدرى الأب أو الأم؟ ويجيب على ذلك موضحا أن هناك فرقاً بين نصائح وتوجيهات متفرقة يوجهها الآباء لأبنائهم وبين منهج تربوى متكامل يضع التربية فى إطار تعرف بدايته ونهايته وأشار د. المهدى إلى أنه نادراً ما يكون لدى الآباء مثل هذا المنهج.
وفى هذا الصدد يضع الدكتور عبد الفتاح المهدى بعض المفاتيح التربوية التى تساعد الآباء فى عملية التربية النفسية والاجتماعية للأبناء؛ وأولها: حب المربى وهى تركز على الجانب الوجدانى الذى هو من أهم الجوانب فى التربية لأن الطفل يعيش كثير من سنوات عمره غير عقلانى، وتكون أغلب تفاعلاته عاطفية تتأثر بالحب والحنان وليس بالكلام، فإذا أحب الطفل المربى فإنه يدخل فى حالة إندماج مع المربى يأخذ كلماته وطريقته وسلوكه وقيمه، ويدخل كل صفات المربى بداخله لأنه يحبه، وإذا لم يحب المربى فهو يرفض كل شيء يصدر عنه بل ويفعل عكسه تماماً، وهذا مانراه فى كثير من الآباء والآمهات، حيث يسيرون على طريق والأبناء يسيرون على طريق آخر.
والمفتاح الثانى من مفاتيح التربية هو معرفة متى يبدأ الآباء تقويم سلوك أبنائهم، ويشير الدكتور عبد الفتاح المهدى إلى اختلاف علماء النفس فى تقويم الزمن التى يبدأ فيه الأبوان تربية أبنائهم فهناك من ذهب إلى أن التربية منذ الولادة، وآخرون قالوا منذ فترة الحمل، وآخرون ذهبوا إلى أنها تبدأ مع لحظة الاختيار وأسس الاختيار بين الزوجين أى منذ فترة الخطوبة والصفات التى أعجبت كل طرف فى الطرف الآخر هى القاعدة التربوية للطفل، وعموماً فإن كل علماء النفس ركزوا على السنوات الأولى من عمر الطفل، وأكدوا أهميتها فى العملية التربوية حتى أن بعضهم بالغ فى أن السنوات الخمس الأولى توضع فيها الملامح الأساسية لشخصية الطفل وأن كل ما يأتى بعد ذلك مجرد إضافات وتحسينات.
وفى رأى الدكتور عبد الفتاح المهدى فإن الأكثر منطقية هو أن الإنسان يظل قابلاً للتربية حتى أخر لحظة فى حياته ويظل يعدل من سلوكه وهذا هو أقرب للمفهوم الإسلامى، الذى يجعل الإنسان مسئولا عن حياته وسلوكه، وليس مقيداً بما حدث له فى السنوات الخمس الأولى فقط، وبالتالى تقع المسئولية كاملة على الأب والأم.
ويؤكد الدكتور عبد الفتاح المهدى أهمية احترام إرادة الأبناء كمفتاح ثالث للتربية الصحيحة، وفى هذا الإطار عرض نموذجين من نماذج تربوية نبوية: النموذج الأول: هو سيدنا نوح مع ابنه والتى لخصها القرآن الكريم فى حوار مركز وبسيط وذى دلالات عظيمة، وهو أن سيدنا نوحاً عندما علم أن الطوفان آت وأن ابنه سيهلك مع الكافرين قال {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} (هود: 42)، ويردّ الابن: {سَآوِى إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنْ الْمَاءِ} (هود: 43)، فيحذره أبوه قائلاً: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (هود: 43) ورغم هذا يصر الابن على موقفه، والأب مشفق عليه، وخائف من ابنه الذى سيخسر دينه ودنياه، ومع هذا تركه سيدنا نوح وما أراد ولم يجبره علي فعل شئ، وهذا أمر صعب على أى أب أن يفعله.
أما النموذج الآخر فمختلف وهو خاص بحوار سيدنا إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل، فعندما رأى إبراهيم أنه فى المنام يذبح ابنه، ومنام الأنبياء حق، ولكن لم يذهب سيدنا إبراهيم وينفذ أمر الله مباشرة، لكن دارحوار بينه وبين ابنه وقال {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} (الصافات: 102) فكان هناك فرصة للأخذ والرد، وهنا تظهر إرادة الابن فى هذا الفعل واقتناعه به ولذلك قال إسماعيل بفطنته وإيمانه العميق: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ} (الصافات: 102).
ومن هذين النموذجين يخرج الدكتور عبد الفتاح المهدى بمبدأ تربوى مهم وهو احترام إرادة الإبن أو البنت، ولكن قد يتساءل الكثير كيف نحترم إرادة أبنائنا وهم يفعلون الخطأ، كيف نتركهم وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئولعن رعيته".
وفى هذا الصدد يشير الدكتور عبد الفتاح المهدى إلى نوعين من الهداية وهما هداية البلاغ فقط وهداية الفعل، ونحن نملك هداية البلاغ فقط فكل شخص قادر على النصح والتوجيه والإرشاد والاقناع بكل الوسائل التربوية، ولكن تبقى هداية الفعل بين العبد وربه فلا يستطيع أحد أن يرغم أحدا على فعل شىء لا يرغبه، حتى وإن فعله فى الظاهر ففى الباطن يرفضه ويتفلت منه ولعل هذا ما يفسر الآية الكريمة {إِنَّكَ لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56)، وقد أورد الله تعالى نماذج لمواقف كثيرة تبرز فيها إرادة الإنسان فى العصيان حتى مع الأنبياء، فسيدنا إبراهيم مع أبيه لم يستطع أن يقوم بهداية الفعل ولكنه بلغه وأنذره وأدى ما يجب عليه من التبليغ، وسيدنا لوط مع زوجته، وسيدنا محمد مع عمه، وسيدنا نوح مع ابنه، وتتعدد النماذج حتى تؤكد فكرة أن الإنسان له إرادة حرة فى الإيمان والكفر، و فى الوقت نفسه لو كان للإنسان هداية الفعل كما له هداية البلاغ لانتفت المسئولية عن الشخص الذى نبلغه وأصبحت معلقة برقبة الداعية.
ولكن متى تنشأ الإرادة عند الطفل كى نحترمها؟ سؤال قد يتبادر على الأذهان ويرى الدكتور عبد الفتاح المهدى أن الكثير من الآباء يقولون سنحترم آراء وإرادة أبنائنا ولكن عندما يكبرون!! موضحاً أن فى هذه المقولة خطأ كبيراً لأن الآباء سيظلون فى صراع مؤلم مع الأبناء لأنه صراع إرادات، مشيراً إلى أن الإرادة عند الأبناء تنشأ مبكراً وقد أرجعها بعض علماء النفس إلى الشهور الأولى للطفل خاصة فى السنة الثانية.
ويشير فى هذا الصدد إلى قول للإمام على كرم الله وجهه "لا تربوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم" وفى هذا القول المأثور دلالة مهمة وهو أنه ليس بالضرورة أن يكون الأبناء مثل آبائهم أو صورة طبق الأصل منهم فهذا غير مفيد للحياة لأنه لو أن البشر أصبحوا نسخاً مكررة فلن يكون هناك تجديد ولا تغيير للحياة، والله تعالى قد شاء أن يكون هناك تنوع واختلاف فى الأداء والعقول حتى تصبح الحياة ثرية، وهذا درس مهم إذا وعاه الإنسان فإنه يقلل الكثير من المشكلات التى تحدث فى البيوت والصراعات الكثيرة التى تحدث بسبب إرغام الأبناء على أشياء لا يريدونها.
يعود الدكتور عبد الفتاح المهدى ليؤكد على صعوبة التربية موضحاً أن علماء التربية حاولوا صياغة منهج التربية فى ثلاث خطوات أساسية ومهمة تجعل الابن يستجيب لتوجيه أبويه دون صراع؛ وأولى هذه الخطوات:
1- القدوة: والقدوة تفعل فعل السحر فى التربية بدون كلمات؛ لأن الكلمات دائماً لها مقاومة، فإذا أردت أن يصلى ابنك فصلِّ أنت، وإذا أردت ألا يدخن ابنك فامتنع أنت عن التدخين أولا، وكما يوضح الدكتور عبد الفتاح المهدى فإن هناك نوعين من الأبوة؛ الأبوة الناقدة والأبوة الداعية وكذلك الأمومة الناقدة والأمومة الداعية، فكلما اعتاد الأب على أن يعطى ابنه تعليمات وأوامر ونواهى فإنه ينتمى للأبوة الناقدة، وعلى العكس الأب الذى يتعامل مع ابنه بالحب والحنان والدعابة فهذا ينتمى إلى الأبوة الداعية.
ويرى فى هذا الصدد ضرورة وجود نوع من التوازن بين الأبوة الناقدة والداعية، بحيث إذا تضخم الجزء الناقد على حساب الجزء الداعى سينفر الابن من الأب، أما إذا كان الجزء الداعى موجوداً ونشطاً فيتحمل الابن من الأب النقدَ والوعظَ والإرشادَ.
وبعد القدوة يأتى الثواب: كخطوة ثانية فى التربية وهو أن نثنى أولا على ما يفعلون، ونشكرهم على ما فعلوه من إنجازات فهذا أقوى وسائل التربية حيث يشعر الابن بتقدير الذات ويشعر بقيمته كإنسان.
أما الخطوة الثالثة فهى العقاب: والعقاب يأتى كآخر وسيلة فى التربية وهذا على عكس ما يفعله الكثير من الآباء حيث يختزلون التربية ليس فى العقاب فقط وإنما فى إحدى وسائل العقاب وهى الضرب ويؤكد الدكتور عبد الفتاح المهدى أن الضرب هو أضعف وسائل التربية، والنتيجة التى يحصل عليها الآباء من الضرب هى نتيجة مؤقتة وزائلة وهذا يؤكده ما أثر عن النبى صلى الله عليه وسلم: "أنه لم يضرب بيده الشريفة امرأة ولا طفلاً ولا خادماً" والرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم مربٍ فى التاريخ الإنسانى.. فالعقاب له وسائل كثيرة أخرها الضرب.
فى مداخلة للدكتور فوزى عبد الرحمن أستاذ أصول التربية بالمركز القومى للبحوث التربوية أشار إلى ضرورة أسبقية التربية العقدية على التربية السلوكية باعتبار أن السلوك هو المُنتَج النهائى للعقيدة، وضرب مثلا لهذا بموقف سيدنا زيد حين خُيّر بين أبيه وبين النبى صلى الله عليه وسلم فاختار النبىَّ صلى الله عليه وسلم، فالاختيار ذكاء والذى علم زيد بن حارثة هذا الاختيار هو النبى صلى الله عليه وسلم.
وفى صدد الحديث عن التربية العقدية أوضح الدكتور فوزى عبد الرحمن أن الأسرة المصرية تعانى مما يُسمى (بالأبوة الغائبة) وهو أن يكون الابن يتيماً فى وجود الأب والأم خاصة مع خروج الأب والأم للعمل واهتمامهما بمعيشة الحياة، فيتركان الأولاد للوسائط التربوية العالمية والمحلية، فهى التى تقوم بدور التربية بعدما أصبح هناك شركاء للتربية بل قد ينحيّ الوالدان جانباً لتقوم هذه الوسائط بالتربية، هذا مع غياب ما كان يسمى بالأسرة الممتدة حيث كان الجد والجدة يشاركان الآبوين فى تربية الأبناء، فأصبح يوجد الآن ما يسمى بالأسرة النووية نتيجة خروج الأب والأم.
ويؤكد الدكتور فوزى أنه فى ظل غياب التربية الصحيحة فى المدارس- حتى أنه لا يوجد معلم تربية إسلامية متخصص- فإن الأسرة هى الوسيط التربوى الأول، وهى صاحبة المسئولية الأولى عن تربية الطفل، ثم ذكر حديث النبى صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، فمسئولية التربية هى مسئولية الأب والأم مهما كانت ظروف الحياة قاسية وضاغطة.
وفى سؤال لفضيلة الإمام عن التحليل النفسى لقتل الغلام وبناء الجدار فى سورة الكهف أوضح فضيلته أن قصة سيدنا موسى مع العبد الصالح تعد تربية قرآنية ودرساً فى التربية يؤكد أن الظاهر ليس هو مناط الحكم على الأشياء دائماً؛ فمن قدر الله عز وجل ما يخفى سره على البشر، وقد يرى الإنسان شيئاً نافعاً وهو غير نافع {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216)، وفى قتل الغلام {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} (الكهف: 80، 81) فعندما يقرأ الإنسان هذه الآية ويفقد أحد أبنائه ويشعر بالحزن الشديد فإن هذا المثل الذى ضربه القرآن الكريم يضع على قلبه برداً وسلاماً وأن الله أراد من وراء هذا خيراً له. وفيما يتعلق بمسألة الجدار فالجدار كما يقول الله تعالى: { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} (الكهف: 82)، وبالرغم من أن أباهما كان صالحا إلا أنه وفَّر جزءاً من أمواله ووضعه تحت الجدار لهؤلاء اليتامى، وهذا عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء عالة يتكففون الناس" فإذا أدى الإنسان ما عليه من واجبات وكانت هناك فرصة لادخار شيء لأولاده فلا مانع من ذلك.
الأمر الآخر أن صلاح الأب ينفع الابن: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} (الكهف: 82) وأراد الله بصلاح الأب أن يصلح هؤلاء الأبناء.
كما أن تشجيع الأب للابن على شيء صحيح فعله وهو صغير له تأثير كبير يستمر مع الطفل طيلة حياته كسلوك وقيمة أخلاقية.
المصدر: موقع الجمعية الشرعية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.