لم يعد المشهد المصرى فى ظل الصعود المتنامى للحركة الإسلامية بعد ثورة 25 يناير حكراً على أسماء بعينها أو تيارات محددة ظلت تتصدر المشهد لعقود، خاصة أن العنصر الشبابى مثل حالة فارقة فى خضم هذا الزخم الإسلامى المستحدث. من هنا فقد أثار الحضور الشيعى القوى بعد الثورة المصرية علامات استفهام لملامح هذا الشكل المستحدث، الذى تزامن مع ظهور قوى لرموز شهيرة داخلة، ومدى ارتباط هذه الكيانات الشيعية الجديدة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة مع وجود ائتلافات شبابية لم تكن تكشف عن نفسها إلا بعد الثورة وهو ما نحاول عرضه فى هذا التقرير مع كشف معالم هذا الكيان الغريب عن النسيج الوطنى المصري والذى يسير وفق آليات مختلفة وفى طرق متباعدة. ومن بين هذه الصور الشيعية الجديدة المستحدثة كانت هناك محاولة جادة من قبل مجموعة شبابية حديثة العهد بالانتماء إلى المذهب الشيعى الاثنى عشرى الجعفرى والذى بدا صوتهم وظهرت ملامح صورهم لاحت فى الأفق استغلالا لتحرر الساحة السياسية فى مصر الثورة. وقد تمثل أول ظهور علنى لهم على الساحة المصرية فى إصدار أول بيان لهم فى الثامن من فبراير الماضى، أى منذ بداية الثورة وطالب خلاله البيان بقيام دولة مدنية ديمقراطية وكانت بمثابة المخاض الجديد لهذا الكيان الشبابى الشيعى المصرى الوليد فى محاولة منهم لمزاحمة التيارات السنية الأخرى على الساحة المصرية ورغبة جامحة فى أن يكون لهم دور، خاصة أن الثورة كان ساعدها الأول ومحركها هم العنصر الشبابى. خليط ومزيج من الشباب المصرى من عدة محافظات مختلفة شكلوا هذا الكيان الشبابى الشيعى الجديد، بينما كان ميدان التحرير نقطة التقاء هذه المجموعة التى أعلنت تشيعها لمذهب آل البيت منذ عدة سنوات، وقد جاهرت هذه المجموعات بتشيعها بعد الثورة استغلالا لتوقف عمليات التضييق الأمنى التى عانى منها المصريون جميعهم قبل الثورة. وتواصل عمليات التشييع عبر شبكات التواصل الاجتماعى جنبا إلى جنب مع الائتلافات الشبابية السياسية والدينية الأخرى، فكانت أولى صفحاتها على الفيس بوك شبكة « مصر الفاطمية» تتناول الأخبار العامة لكى تكون على اتصال دائم مع جمهور الفيس بوك خاصة الشباب. وتلت هذه المحاولة إنشاء «منتدى لمحبى آل البيت » بنفس الاسم السابق، لكى تستوعب دائرة أوسع ولتحقق الجزء الذي لن يكتمل إلا بها وهى مخاطبة الجمهور المصرى كافة، وللإعلان على أول كيان شبابى شيعى .. ونجحت فى وضع قناة على اليوتويب أيضا. وبمتابعة هذه الصفحات الألكترونية ثبت أنهم تابعون لمرجعية السيستانى وصادق الشيرازي إلى جانب مرجعيات فقهية أخرى متنوعة. إلى جانب تواصلهم غير المنظم بمؤسسة « آل البيت» الذى يترأسها محمد الدرينى، ثم بلغت خطواتهم أهمها بتأسيس «حزب التحرير» الذى وقف وراء تأسيسه – الزعيم الشيعي المصري - راسم النفيس..! والمعروف أن فكرة أن يكون للشيعة حزب سياسي ليست جديدة ولكن تم تأجيلها قبل ذلك، فراسم النفيس القيادى الشيعى كان ضمن صفوف جماعة الإخوان المسلمين فى وقت من الأوقات وكانت البداية الفعلية لتأسيس التيار الشيعى فى مصر هو إقامة حزب التحرير المصرى. ومن هنا بدأ التواصل يتسع على المستوى السياسي أيضا، فى ظل انتشار أعضاء من الشيعة المصريين على التيارات الليبرالية والسياسية الأخرى بالإضافة إلى ثقتهم في المرشح الناصري «حمدين صباحى » والذى يجدونه الرجل المناسب للمرحلة القادمة وسيقومون بدعمه بالإضافة الى البرادعى. من ناحية أخري فإن رجل معروف باسم "محمد الدرينى"، ويرأس المجلس الأعلى لآل البيت فى مصر يعتبر الأكثر غموضاً وحراكاً حيث لم يمل منذ اللحظات الأولى من الثورة فى استغلال الوقت والفرصة لتحقيق رؤيته الشيعية الجديدة فى الداخل المصرى والتى عبرت عنها بقوة رسائله إلى المجلس العسكرى ومجالساته معهم بعد أن كان محظورا عليه مثل هكذا لقاءات فى الماضى القريب، وذلك بعد ان وجد لنفسه موقعًا داخل الائتلافات الثورية الجديدة التى تعددت أسماؤها وعناوينها، والتى تجاوزت المئات في ظل غياب الدور الجاد المنوط بها هذه الائتلافات. وكشف الدرينى عن لقاء عقد مؤخراً بينه وبن نقيب الأشراف السيد محمود الشريف، أعلن خلاله تبنى نقابة الأشراف لأفكار الدرينى والتى تضمنت إنشاء بنك للسادة الأشراف باسم آل البيت لتمويل مشروعات طموحه، خاصة بهم وكذلك مشروع العتبات المقدسة ومشروع تشجير مسار آل البيت والعائلة المقدسة. وينظر الدرينى إلى فكرة« تشجير مسار آل البيت » السالفة الذكر التى طرحها باعتبارها مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا واقتصاديًا وفكريًا أيضا وأهم تلك الملامح الأساسية لهذا المشروع والتى وضعها الدرينى هى التأكيد على الجانب الاقتصادى العائد من خلال فتح باب المشاركة للجموع من داخل وخارج مصر والمساهمة فى هذا المشروع كمشروع يخدم البيئة وأمن والاستقرار عالمياً، وهو ذات المطلب الذى سبق وأن تقدمت به الحكومة الإيرانية قبل سنوات وبقى رفضا من نظيرتها المصرية. وموضوع«تشجير مسار آل البيت » الذى طرحه الدرينى يبدأ من القاهرة إلى حدود مصر ويتقاطع مع ما وصفه الدريني بمسار العائلة المقدسة مع مسار آل البيت في طور سيناء وبالقرب من وادى فيران حيث دير سانت كاترين وما أطلق عليه الدرينى «مخشع الإمام على كرم الله وجهه وهى بأكملها مصدر جذب لأصحاب المذهب الجعفرى الشيعى فى العالم لما ينظرون إليها على كونها لها قداسة خاصة فى معتقداتهم التى لا تتوافق ومعتقدات أهل السنة. وقدم الحزب نفسه عبر برنامجه بأنه حزب مدنى يسعى إلى تحقيق التحرر الوطنى الكامل والدفع فى طريق التنمية المستدامة من خلال السعى إلى تحقيق ما سماه بالاستقلال الوطنى الكامل للبلاد فى كل المجالات، وانتقد بشدة عبر برنامجه، فى كلمته التمهيدية تلك الأحزاب التى يقال إنها ذات المرجعية الإسلامية الخاصة. ووضع البرنامج للحزب الشيعى تصورًا للمرأة جاء فيه أنها نصف المجتمع، واستمد الحزب رؤيته تجاهها من التراث الإنسانى المقدس وغيره، لتصبح تلك المرأة القادرة على الولوج فى المجتمع بنفسها، لا بما يمليه عليها الآخرون، وفقا لما ورد فى برنامج الحزب، مضيفا أنها -أى المرأة- شريك كامل فى المجتمع لا مخلوق من الدرجة الدنيا، وشدد على حق المرأة فى ممارسة حريتها السياسية فى جميع المناشط من أقل مستوى ممكن إلى أعلى مستوى تقدر عليه، ما دامت ملكت القدرة على الاطلاع على هذه المهام ورأى المجتمع أنها قادرة على ذلك. ومن المرأة إلى المواطنة رفض الحزب مبدأ ما سماه بالأقليات والجماعات العرقية والطائفية التى وصفها «بالسوق السوداء السياسية»، واعتبر الحزب أن مبدأ المواطنة يتجسد جليا عبر المشاركة الكاملة فى جميع الحقوق والواجبات، وشدد على أن الوطنية المصرية هى القاسم المشترك الذى يجمع أفراد المجتمع، خصوصا أنهم أمام القانون سواء، مع ضرورة انتفاء الفوارق بين مصرى ومصرى فى المناصب العليا وغيرها، نظرا لاختلاف الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو الموقع الجغرافى. المواطنة التى حازت مساحة كبيرة فى برنامج الحزب اشتملت على ورقة علاج من خلال تفعيل الدور الكنسي المتمثل فى الكنيسة القبطية المصرية فى قضايا العلاقات الخارجية المصرية. والأقلية والمواطنة هما إشكاليتان يحاول الحزب التشديد على مركزيتهما ليقفز عليهما من أجل ترويج المذهب الشيعى وإلغاء مصطلح الأقلية الشيعية ويصبح الأمر فى مشهد مختلف. شيعة الحزب لم يغفلوا قضية الحريات، باعتبارها قضية مركزية فى التحرر الوطنى، سواء كانت هذه الحرية (حرية الاعتقاد أو حرية التعبير وحرية) وباعتبارها حقاً دستوريًا يكفله القانون والدستور. ومن هنا تتضح فكرة الحزب والتى تدفعنا إلى التكهن إلى أنها بداية لقيام حزب وليد على غرار حزب الله يتبنى فكرة المقاومة ضد الصهيونية فى ظاهرها ويبطن أفكار أخرى لا يعلم عنها إلا الله بداية من فكرة تصدير الثورة إلى أبعد ما يمكننا تخيله.