"مبروك، يتربى في عز".. فَرِّحَ المنزل البسيط القابع بإحدى قرى مركز الصف بالجيزة بمولد "محمد"، متمنيين أن يجعله الله قرة أعين لوالديه. ولم تمر أشهر قليلة حتى فقد والده، ومع بلوغه سن الخامسة يتلقى الصدمة الثانية والأقوى في حياته، بفقدانه لمصدر الأمن والحنان، عقب وفاته والدته جراء جريمة قتل مؤسفة، وإذا بذلك الطفل ينتقل للعيش لدى أعمامه وأقاربه بينما ترفض الدنيا أن تبتسم له بعما أصبح يتيمًا. "خال أمك هو اللي قتلها علشان الميراث".. كلمات حولت مسار حياة "محمد"، وأصبح الانتقام هو شغله الشاغل، تمنى لو تمر السنوات التي يقضيها "علي. م"، عاطل، قاتل والدته خلف القضبان مثل سرعة البرق. كبر محمد حتى أصبح ابن ال29 عامًا بالتزامن مع وقوع الحدث المنتظر الذي طالما تنماه، وأعد العدة له، ورسم عدة سيناريوهات وخطط للأخذ بالثأر، حيث علم بخروج قاتل والدته. مرة تلو الأخرى، خطة فاشلة تعقبها ثانية وثالثة، دون كلل أو ملل، وكان لسان حاله "هو زي القطط بسبعة أرواح"، رجع مبيض المحارة إلى المنزل، وأغلق باب غرفته، وقرر أن ينجح هذه المرة في الإجهاز على الشخص الذي حرمه من والدته في صغره، والذي حلم منذ نعومة أظافره بالنيل منه. مراقبة دقيقة لتحركات خالد والدته، رصد لتفاصيل الاماكن التي يتردد عليها، والأوقات التي يخرج دائمًا فيها من منزله، قرر بعدها الطريقة التي سينتقم بها من قاتل والدته. مع غروب الشمس، ودخول ساعات الليل، شاب متوسط القامة، قوي البنية، بوجه شاحب وعينين سوداوين يخرج منهما شرار الانتقام، وقف "محمد" في منطقة زراعية يختبئ وسط الزراعات، في مشهد مشابه للحيوانات المفترسة التي تتأهب للانقضاض على فريستها، ينتظر مرور خال والدته في الوعد الذي اعتاد عليه بشكل دائم. بمجرد مرور الضحية صاحب الخمسين عامًا، انهال عليه بالضرب، وحاول المجني عليه الدفاع عن نفسه، فأخرج سلاح ناري فرد خرطوش من طيات ملابسه، لكن الشاب المفعم بالحيوية والنشاط، تمكن منه، وأمسك السلاح، ووجه له طلقة، أفقدته اتزانه وسقط على الأرض. توقف الجاني لحظات معدودة، استرجع من خانة ذكرياته المؤلمة الطريقة التي رحلت بها والدته عن الحياة، وإذا به يمسك بسلاح أبيض "ساطور" ويذبحه، بالإضافة إلى قطع كف اليد اليسرى، وأصابع اليد اليمنى، ثم انهال عليه بالضرب على رأسه، تاركًا إياه غارقًا في بركة من الدماء وسط حالة من النشوة لانتقامه من قاتل والدته. كشف الجريمة تلقى العميد محمود شوقي، مأمور مركز الصف، بلاغًا من الأهالي بمقتل شخص، وتبين بالفحص والمعاينة، مقتل "علي. م"، عاطل، وعُثر على جثته مسجاه بالشارع، وبها جرح قطعي غائر بالرأس، وكسر الجمجمة، وبتر كف اليد اليسرى، وأصابع اليد اليمنى، وبجوارها فرد خرطوش عيار 12 مم، وطلقتين من ذات العيار، وفارغين من ذات العيار. وتمكن المقدم محمد عبد الشكور، رئيس مباحث الصف، من ضبط المتهم "محمد. ن"، 29 عامًا، مبيض محارة، والأداة المستخدمة في الجريمة "ساطور". واعترف المتهم بارتكاب الواقعة؛ أخذًا بالثأر من المجني عليه؛ لقيامه بقتل والدته، وتحرر محضر بالواقعة، وأخطرت النيابة العامة التي امرت بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق.