عندما خرجت الأغلبية الساحقة من الشعب غضبا وانتفاضا في الثلاثين من يونيو، فإنما كان ذلك لأسباب واضحة جلية لا يخطئها إلا الأعمي أو المغيب عن الوعي، لقد ثار الناس في بلادي علي جماعة غامضة الأهداف صعدت للحكم من خلال ثقب في جدار الديمقراطية المنقوصة التي مارسها الشعب وهو مكره ومرهق وليس لديه ثقة في الكثير من المطروحين عليه لعلاقتهم النسبية بالنظام الذي اذاقهم الويل والثبور طيلة ثلاثين عاما، ثم قاسي المصريون من فترة انتقالية مليئة بالاخطاء والصفقات المشبوهة والقرارات المتخبطة واستمرار الفساد بكل الوانه يعمل بدون ادني ميل لاستئصاله أو دحره من قبل حكام هذه المرحلة البئيسة، ولذلك كان نداء الدين هو الاقوي والأكثر قبولا لاي قطاعات كبيرة من الناس، لا علاقة لهم اصلا بأي تنظيم ديني، علني أو سري أو غيرهم ممن جاءت بهم الفورة والعواصف والسيول. ومهما فعلت هذه الجماعة وحلفاؤها ومهما أتت بكل حجة، فإنها داحضدة، لأن البسطاء والطبقات المجروحة من تجربتهم هم الضحايا الحقيقيون الذين اكتووا بنار سوء الادارة وتعدد الجهات التي يصدر عنها القرار، فجاءت القرارات المصيرية مرتبكة ومشوهة وصادمة لكل من دافع ومنح صوته للتيار الديني وأنا واحد منهم، لقد احسنا الظن ولم يحسنوا هم العمل، وانتابت حالة من الغرور والكبر كثيرا من قياداتهم التي اثبت العام المنصرم بأنهم يتوجهون بمصر الوطن إلي تفكك وضعف محتوم وهوان بيّن، وكانت الصدمة الكبري بأن تحولت مصر إلي وكر للارهاب، لقد نجح الغرب من خلال المشروع الإسلامي ان يصدر لنا الارهاب ليعاقب الشعب علي ثورته ويمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي مثل باقي الأمم والشعوب وهم منحوه ذلك. ومن هنا اتعجب كيف تُغل اليد التي اطلقها الشعب مرتين وفوضها لحمايته من هذا الخطر المحدق، وكلنا يعلم ان المرتعشين الذين اعتادوا انا يولوا الادبار في اللحظات الحرجة ليس هم صُناع الموجة الثانية من الثورة، بل ان كثيرا من الذين خرجوا منتفضين كانوا بسبب تخاذل هؤلاء ولعبهم اثناء الجد وانزوائهم عندما يُحمي الوطيس، لقد آن لهذا الشعب المتعب والمثقل بالهم والمُضني رهقا، آن له ان يستريح من كل من خانوه ودفعوا به إلي الطرق المسدودة. إليك يا أحب الناس لعلي وأنا اتذكرك وجهك الوهاج، يغادرني الظلام، ويملأ روحي نور منك، انه الكوكب الدري يوقد من ذات الزيتونة، ومن القها المتماوج في مجيئه، ينساب كأنه النهر الرائق، سلافه الحروف التي كونت حديقة لكلمات لديك، يا أيها المسافر في غيهب البعد، اعني علي تحمل الشوق المشتعل في قلبي، واجرني من عذابات الفراق التي تعصر روحي، وتخنق دمعي، يا أيها البعيد، اناديك من كل جراحي ان ترجع تأسوها، هي دائمة الوجد وصاحية كالنار التي ثارت يوم تركتني وحدي. إنا أنزلناه في ليلة مباركة كثيرا ما يراودني شعور جارف بأن ليلة القدر هي ليلة الخامس والعشرين من رمضان، خاصة ان سورة الدخان التي هي في الجزء الخامس والعشرين من القرآن مطلعها يهزني ويروي روحي وتقر بها نفسي: »إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم امرا من عندنا إنا كنا مرسلين، رحمة من ربك انه هو السميع العليم». صدق الله العظيم، ثم أعود وأقول لماذا لا تكون هي ليلة الثلاثين، وسورة «القدر» كلها جاءت في الجزء الثلاثين وتبقي الاجابة لدي علام الغيوب لعلها السر الذي يشحذ الهمم، ليمنحنا الله اجر عشر ليال بدلا من ليلة واحدة، لعله كذلك، اسأل الله أن يجعلنا جميعا من أهل ليلة القدر.