في بيتنا علبة من الفضة عليها نقوشات تطرزها الفصوص.. بداخلها يضع أبي كل ما يصله من نقود تزيد يوم قبض المرتب. وتقل بالسحب منها. ثم تمتلئ من جديد.. مع قدوم زائر من البلد الطيب يحمل إيجار أرض صغيرة.. أو بيع محصول ليس بوافر.. لكنه كاف. العلبة مكانها علي أحد الأرفف التي تصل إليها حتي يدي.. وكنت أصغر من بالبيت. جئت بعد سبع ولادات بقي منهم خمس أخوة.. والعلبة التي تحمل كل الرزق مفتوحة لنا كلنا. لم تصل سني للعشر. حين وعيت أني أستطيع والعلبة بهذا القدر من الامتلاء أن أشتري لزميلتي الجالسة بجواري في الفصل.. قلما مثل قلمي.. ولعبة كلعبتي. وأفهم من كم النقود أنه ليس الوقت المناسب لأطلب فستاناً رأيته في المحل المجاور للبيت. لم يكن أبي محتاجاً لأن يوجه أحداً منا.. بعد أن ربانا علي الأصول. أخي يأخذ ثمن الكتاب ويشتريه.. والثاني سدد مصاريف الجامعة.. وكثيراً ما يغيب عنا بابا ومعه ماما.. في فسحة يعودان منها بضحكات وهدايا تحملها هي بزهو.. وتضعها أمامنا بفخر. رأيت أبي يملأ شنطة أمي بالمال وهي ذاهبة لزيارة أهلها. كان بالفعل كريماً. ميراث أمي فهل فكرت أمي لحظة فيما يمكن أن ترث بعد رحيله وقد كفاها في حياته. الحقيقة ولا فكرنا نحن أولاده. فما وصل لأخي حسب شرع الله.. هو لي ولأختي بما يرضي الله. فلم يبخل أخ علينا ولا منع عنا.. بل أغدق حتي لم تذكر إحدانا أنه كان لنا النصف مما.. لهم. نحن نلجأ للقوانين الوضعية.. ونرفع يدنا للسماء بحثاً عن حلول حين نواجه ظلماً.. ولو كانت العلبة مفتوحة والبيت الكبير يسعنا واللقمة تكفينا.. لن نقتسم سوي الرضا. وسيمنح الذكر الأنثي.. وسترضي هي بما أنزل الله. أقول قولي هذا بمناسبة قانون تونس الذي يسوي بينها وبينه في الميراث. بالطبع كنت أتمني أن يكون القرآن هو الحكم لكن رئيسهم صرح بأنه لا يحتكم للدين.. وفي زماننا سأعتبرها نقيصة فاضلة.. فهو لم يلجأ لتحريف الدين أو اللعب بلفظ. وإن كنا نتمني أن يسير العرب علي دين الله.. إلا أن تونس اختارت منهجاً آخر.. فلنتعبرها دولة أوروبية في نهجها. ولنتركها وشأنها وهو.. لها. ولنعد إلي حالنا.. انتفض الرجال من هول المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.. ولم يلتفت رجل إلي كل ما جاء في الدين عن معاملة النساء. عقد.. خدمة الزواج ليس عقداً خدمياً.. معظم الشباب يتزوجون ويلقون بمهام إعداد الطعام وتنظيف البيت ومنذ اللحظة الأولي لميلاد طفل.. فالغرفة الثانية جاهزة لنوم الأب بعيداً عن صراخ الصغير ومعاناة الأم رغم أن الزوج مكلف شرعاً بخادم. أو بمد يد المساعدة. ويكبر الابن لتذاكر له هي وتذهب به للدروس.. ثم تكمل فتتابع اجتماعات كان اسمها مجلس الآباء ولا يوجد بها رجل واحد. وتقف في طابور دفع فواتير الماء والكهرباء.. ثم تأتي بالسباك والكهربائي.. وتعمد للتعامل مع الرجال.. كالرجال. فيعايرها بأنوثة الأخري. وهي أيضا تذهب للعمل.. وتحت مفهوم الدنيا غالية.. تدفع مرتبها رغم أن الله أحل لها ذمة مالية مستقلة. والأزواج يحفظون من الأحاديث.. لو كنت آمراً المرأة أن تسجد لأحد لأمرتها أن تسجد لزوجها.. ومع أن الحديث بدايته افتراضية وليست بفعل الأمر. إلا أن الرجال تحفظه عن ظهر قلب. رغم أن أغلبهم ليس هو الزوج المقصود. وكم من زوج طلق زوجته ولم يؤتها نفقتها كما أمر الله.. لذلك فهن مكتظات علي أبواب المحاكم. وكم رجل تركها كالمعلقة وأمام القضاء قضايا طلاق للضرر لم يحكم فيها لمدة تصل إلي أربع سنوات. كل هذا لم يستفز النخوة لتطبيق شرع الله.. ولا أجد سوي دين الله ليعيننا علي بعض الرجال ومنه نأخذ.. "لا يكرمهن إلا كريم ولا يغلبهن إلا لئيم".