هذه الآية من أخطر الآيات التي تظهر بوضوح أساليب أعداء القرآن سابقاً وحالياً في محاربة آيات الله والتشكيك فيها وكأنها نزلت اليوم.. الآية لا تكتفي بكشف الأعيب هؤلاء فقط بل إنها تؤكد حقيقتين مهمتين.. أولاهما تأثيرالقرآن علي المؤمنين والثانية تأثيره علي الكفرة والملحدين. والأخطر هو هذا الوصف المريع والرهيب الذي يصيبك بالذهول والدهشة بمجرد قراءته أو سماعه عندما تصف الآية لحظة استقبال للمحلدين للقرآن وكأنهم قد أصابهم العمي "وهو عليهم عمي أو أنهم قد يتقبلون العمي ولا يطيقون سماعه.. وهو تجسيد حقيقي للحالة النفسية لهؤلاء عبرت السماء عنه أبلغ تعبير. ولكن دهشتك قد تزول وأنت تري ما يحدث اليوم من محاولات مضنية ومتكررة قديمة وحديثة في مناطق ودول مختلفة وعلي ألسنهة مثقفين عديدين عرب وفرنجة ومن خلال منصات إعلامية وفنون صحفية متباينة تختلف في كل شيء ولها إيديولوجيات متناقضة غير أنه يجمعها شيء واحد هو الإساءة للقرآن ونبي القرآن. إن لهفة وشوق كل هؤلاء وجهودهم الهائلة لإحداث خلل ولو بسيط في إيمان المسلمين بالقرآن وزعزعته في نفوسهم يجعلك تدرك المعني الحقيقي الذي قصدته الآية وهي تنبه المسلمين وتعلن للبشرية كلها أن القرآن للمؤمنين هدي وشفاء والذين لا يؤمنون في زذانهم وقروهو عليهم عمي". سألت الدكتور سعد خلف عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر عما قصده مثقفو قريش بسؤالهم الاستنكاري عن القرآن الكريم "أعجمي وعربي".. وهل كانوا يتدارسون القرآن بألفاظه ومعانيه ليكتشفوا الأعجمي والعربي من آياته. ولماذا يبحثون في لغة القرآن وهم يحاربونه؟. أجاب الدكتور سعد خلف بأن صناديد قريش وكفارها من الذين كان شغلهم الشاغل محاربة الدعوة ومحاولة وأدها في مهدها والتضييق علي كل من يؤمن بمحمد صلي الله عليه وسلم أو يقول كلمة حق في شأنه كل هؤلاء كانوا يحاولون تصيد ما يزعمونه أؤ يتصورنه خطأ في القرآن الكريم.. فقد كانوا أهل لغة وبلاغة وأدب وقد علموا تماماً أن القرآن نزل باللغة العربية غير أن بعض الألفاظ أصلها غير عربي بل هي أعجمية عرفها العرب من المعجم عن طريق التعايش والتجارة وتداولت بكثرة بين العرب وصارت وكأنها من الألفاظ العربية.. وجميع العرب يعلمون ذلك ويرددونه أحيانا في مراسلاتهم النثريه وقصائدهم الشعرية غير أنهم يرون القرآن خطراً عليهم وعلي عادات ألفوها ومقدرات عاشوا عليها ولو كانت ظالمة.. رأد في القرآن تحريراً للعبيد وعدالة اجتماعية وإنصافاً للنساء وحربً علي البغاء والأنضصاب ومؤادد القمار والازلام رأد في القرآن تغييرا شاملاً في المجتمع يعلن المساوة بين الجميع لأفضل لعربي علي أعجمي ولا لأبيض علي أسو إلا بالتقوي.. رأوا في القرآن حرباً علي العنصرية البغضاء.. رأدا في القرآن هدماً لمصالح جبابرة قامت علي الظلم وهضم الحقوق والاستعلاء واستغفال البسطاء والسوط علي حقوقهم رأي جبابرة قريش في القرآن كل ذلك.. ومن هنا أعلنوا حربهم عليه.. وكانت بعض ألفاظ معدودة في القرآن أصلها أعجمي وسيلة لإعلان الحرب علي وحي السماء وخرجت الشائعات تنطلق في كل مكان تهز مكه كلها تعلن للشباب والصغار أن حيلة محمد بن عبدالله ظهرت علي حقيقتها وأن الرجل يتلقي ما يزعم أنه وحي من أحد الأعاجم النصاري قالت التفاسير إن اسم الرجل كان بلعام وأنهم شاهدوا محمد عنده مرات يدخل ويخرج من بيته ولكنهم لم ينتبهوا لهذه الحقيقة إلا بعد أن تلا محمد بعض الآيات وبها ألفاظ عجمية فعرفنا السبب الحقيقي لمصاحبة محمد لهذا الرجل. اشتدت الدعاية والآلة الإعلامية ضد محمد صلي الله عليه وسلم ووحي السماء والقرآن وضجت الملائكة من هذا الافتراء علي آيات الله ونزلت الآيات تترا علي النبي محمد صلي الله عليه وسلم "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين". أما الألفاظ التي اتخذها أعداء القرآن في مكة وسيلة للتشكيك وشن هذه الحملة الظالمة فمنها مثلاً. أبا كبارا قسورة عجاب" وقد جاء أعرابي إلي النبي صلي الله عليه وسلم وقال له أنت تزعم أن القرآن عربي وجاء بلغتنا ونحن لا نعرف القسورة ولا العجاب ولا كبار ولا قسورة فمن أين أتي القرآن بهذه الألفاظ وهي ليست عربية.. فأخذ النبي الأعرابي إلي واد قريب فوجد عجوزاً طاعنا في السن فالقي النبي عليه السلام ثم طالبه بالوقوف والجلوس أكثر من مرة إلي أن غضب العجوز ونظر للنبي صلي الله عليه وسلم وقال له "يا ابن قسورة العرب أتهزأ بي وأنا رجل كبارا أن هذا الشيء عجائب فأيقن السائل أن ما جاء به القرآن هي ألفاظ استعملها العرب. إ ما كان يفعله أهل قريش من تشكيك في القرآن هو ذاته ما يفعله أعداء الوحي والسماء هذه الأيام ولعل الأسباب ايضا تكون واحدة ولكن كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً" صائم بلا صيام الغضب بسبب الصيام.. يخرج الفريضة عن هدفها بعض الصائمين الذين يعملون في الاعمال الشاقة تنفلت أعصابهم ويغضبون ويتلفظون بألفاظ تتعارض مع الصيام الذي يهدف إلي تهذيب الأخلاق وتربية النفوس. عبدالعزيز السيد الدكتوور جمال الدين حسين الاستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر بالقاهرة يقول: إن من حكمة الصيام تعليم الصبر والقيم والأخلاق وعدم الغضب والانفعال كما في قوله تعالي "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ولو نظرنا إلي هذه الآية الكريمة فسنجد أنها تبين لنا الحكمة من تشريع الصيام والتي لحصتها الآية في قوله تعالي "لعلكم تتقون" والتقوي لها مدلول واسع يمكن أن يندرج تحت الكثير من الفضائل والشمائل. ولكننا علي الرغم مما في الصوم من فوائد عظيم علي المستوي المادي الجسدي وعلي المستوي الروحي وعلي المستوي الدنيوي والأخوي إلا أننا نجد بعض الظواهر السلبية من أولئك الذين لم يفهموا الصوم علي وجهه الصحيح. ولعل من أبرز الصور التي تمثل ذلك ما نراه جميعاً أمامنا في أيام رمضان حيث إننا نجد أن الكثير من الناس يثورون ويغضبون لأقل الأسباب وهؤلاء نجدهم في أي تجمع بين الناس. فنجدهم في وسائل المواصلات وفي المصالح الحكومية وغيرها من الاماكن المختلفة آمثال هؤلاء يكون دائماً سريع الاستشارة والغضب ويتذرعون بأنهم من الصائمين ولكننا لو نظرنا إلي هؤلاء فيما يفعلونه سوف نجد أنهم لم يفهموا المعني الحقيقي للصوم. وأضاف د.حسين أن الصوم يقتضي الصبر والتحمل وعدم الغضب وإذا كان الإسلام قد نهانا عن الغضب في قول الرسول صلي الله عليه وسلم "ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" فإذا كنا مأورين بترك الغضب في غير رمضان فإن تركه اشد وجوباً في رمضان وأن المسلم في رمضان يجب أن يلتزم بضبط الانفعالي فلا يثور ولا يغضب وإن اعتدي" عليه أحد بالقلوب فليقل إني صائم وإنه إن فعل ذلك فيقي نفسه من وساوس الشيطان ومن الغضب الذي يؤدي بالإنسان إلي المهالك. فعلينا أن نتمسك بالصبر وحسن الخلق حتي تحقق الثمرة المرجوة من الصوم ونفور برضي الله في الدنيا والآخرة. أما فضيلة الشيخ فكري إسماعيل وكيل وزارة الأوقاف الأسبق يقول: إن هناك من الصائمين ينفعلون في كثير من الأحيان ويغضبون بحجه الصيام كما يستغلون هذا الغضب في بعض الاحيان في عدم القيام بالاعمال المنوطة بهم ويتخذون من الصيام ذريعة في تعطيل بعض مصالح الناس وإذا قيل له لم تفعل هذا يقول: أنا صائم ولذلك يترتب علي هذا الانفعال إنفلات في اللسان بالقول أو الفعل ويخرج عن شعوره كما يرتكب بعض الاعمال التي تتنافي مع مفهوم ومعني الصيام ناسياً أن الصيام مدرسة لتهذيب السلوك والأخلاق ولتربية النفس وترويضها كما جاء في حديث أبوهريرة رضي الله عنه: أن رجلاً قال للنبي صلي الله عليه وسلم: أوصني قال:"لا تغضب" فكرر مراراً قال : لا تغضب" وهذا الحديث جمع خير الدنيا والآخرة لأن الغضب يؤدي إلي التقاطع ومنع الرفق وربما يؤدي إلي نقصان في الدين. وأضاف الشيخ فكري: إن النبي صلي الله عليه وسلم: مدح الذي يملك نفسه عند الغضب فقال:"ليس الشديد بالصرعة. إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" والله تعالي يقول: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. ولقد ورد أن النبي صلي الله عليه وسلم حث الصائمين وغيرهم بالأ يتلفظوا بكلمات بذيئة أو أفعال من شأنها إيثاره الفتن في قوله "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسك ولا يصخب ولا يجهل فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" بل إن رسول الله صلي الله عليه وسلم ذكر بعض الأمور التي تقع من البعض وبين فيها أنها تفسد الصوم في قوله "خمسة أشياء تحبط الصوم. الكذب. والغيبة والنميمة. والنظر إلي النساء بشهوة واليمين الغموس وهي أن يحلف الانسان كذباً متعمداً ومعني تحبط الصوم أي أن هذه الأعمال وغيرها قياساً عليها وقد بين صلي الله عليه وسلم أن الصوم يصبح في حق هؤلاء لا قيمة له لأن جوهر الصيام هو الامساك عن كل شيء من طلوع الفجر إلي غروب الشمس من الطعام والشراب والجماع وكل ما نهي الله عنه ورسوله من المحرمات التي تفسد الصيام.. وليعلم الصائم أن الصيام يتنافي مع الغضب والأنفعال. أولئك العباقرة شكري القاضي الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي رئيس رابطة القراء ظل الشيخ الشعشاعي فترة غير قصيرة بعد افتتاح الإذاعة المصرية بنهاية مايو عام 1934 متردداً في تلاوة القرآن الكريم عبر الأثير. فقد كان يعتقد أن تلاوة أي الذكر الحكيم بالإذاعة إهانة لكلام الله وظل الشيخ الشعشاعي علي موقفه حتي رحيل الملك فؤاد عام 1936 وتمت دعوته ضمن كبار القراء لإحياء مأتم الملك بقصر عابدين. وفي أعقاب إحياء ليالي المأتم الثلاث واصل الاستاذ سعيد لطفي مدير الإذاعة وقتذاك محاولاته للحصول علي موافقة الشيخ الشعشاعي علي الانضمام للإذاعة وقد حمل معه "فتوي شرعية" من الإمام الأكبر الشيخ مصطفي المراغي مفادها. أن قراءة القرآن بالإذاعة ليست محرمة ولا مكروهة. الأمر الذي اطمأن إليه الشيخ وبدأ علي إثره التسجيل للإذاعة المصرية حتي بلغت تسجيلاته ثلاثمائة تسجيل لا يتداول منها في الإذاعة سوي أربعة تسجيلات فقط..!. أكد القارئ العبقري الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي "1890 - 1962" بما لا يدع مجالاً للشك أن قارئ القرآن الكريم في مصر نسيج وحده لا يوجد من ينافسه في العالم الإسلامي سواء من حيث اللهجة والأداء أو القدرة علي تذوق معاني الكتاب العظيم.. جدير بالذكر أن لقب "الشعشاعي" نسبة إلي قريته شعشاع بمحافظة المنوفية. لكن اسمه المدون بشهادة ميلاده عبدالفتاح محمود عبدالفتاح كرير الذي ولد ونشأ في بيئة قرآنية حيث كان والده الشيخ محمود كرير يمتهن قراءة القرآن في المناسبات الدينية ليلاً ويعلمه للنشء نهاراً والمثير للدهشة أن الشيخ الشعشاعي لديه سبعة أبناء منهم ستة ذكور لم يحفظ منهم كتاب الله سوي أصغرهم الشيخ إبراهيم الشعشاعي الذي سار علي نهج أبيه. وخلفه في قراءة السورة بالمسجد الزيني حتي توفاه الله. جدير بالذكر أيضا أن الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي كان رئيساً لرابطة القراء في أعقاب ثورة يوليو واستقبله الرئيس عبدالناصر بهذه الصفة عام 1956 ويحمل علي صدره وسام العلوم من الطبقة الأولي.