أزعم انه ما من نهر من أنهار الأرض أهله يهينونه ويذلونه.. وغير أهله يمجدونه ويجلونه.. إلا نهر النيل.. فمع انه وكما ورد في أحاديث نبوية عديدة أحد أنهار الجنة.. وانه كما قال عبدالله بن عمر.. سيد الأنهار لأنه أشرف أنهار الدنيا.. رغم ذلك فإن المصريين المحدثين يجهلون مكانة نهر النيل.. بل ويسيئون إليه.. ويعتدون عليه جهارا نهارا وعيانا بيانا.. في حين ان أجدادهم المصريين الأقدمين كانوا في قمة التقدم والارتقاء.. يسكنون نهر النيل الخالد مقل عيونهم.. ويرفعونه إلي مرتبة آلهتهم.. ويقسم المصري القديم وهو يستقبل الموت انه لم يشرك بالإله ولم يقتل نفساً ولم يلوث ماء النيل.. أي أن تلويث نهر النيل كان عند المصريين القدماء كأنه الشرك بالله أو كأنه قتل للنفس.. ومن عجب أن نهر النيل هو عندنا اليوم.. هو مهان غير مصان.. ومع ذلك فإن اليابانيين يتطلعون شوقاً إلي مشاهدة نهر النيل.. وهم علي البعد يتعلقون به ويحسدوننا عليه.. وآية ذلك انه ذات يوم من عام 2003 وبصفتي رئيساً لجمعية حراس النيل.. تلقيت دعوة كريمة من اليابان.. ومن خلال سفارتنا في طوكيو والتي كان علي رأسها آنذاك أحد رموز الدبلوماسية المصرية فائق التميز والوطنية محمود الخلق والأريحية.. السفير الدكتور محمود كارم.. وقد كان هدف اليابانيين من دعوتي هو عقد اتفاقية للتآخي بين نهر النيل ونهر "كيتا كامي" الياباني.. وحين وطأت قدماي أرض اليابان استقبلت بحفاوة بالغة.. وكان من مظاهر تحضر اليابانيين وحرصهم وذكائهم ان أسسوا قبل وصولي جمعية يابانية مقابلة لجمعية حراس النيل المصرية.. أطلقوا عليها اسم "جمعية ثقافة نهر كيتا كامي" يرأسها الدكتور "هيراياما" رئيس إحدي الجامعات اليابانية الكبري.. أقول استقبلت بحفاوة بالغة لا لشخصي وإنما تقديراً لمصر ولنهرها الخالد.. وفي اليوم التالي أقيم احتفال ضخم كأنه المهرجان.. بما يليق بمكانة مصر وبنهر النيل.. حضره كبار المسئولين اليابانيين ودعيت إليه أيضاً كوكبة من الوزراء والعلماء المصريين يتقدمهم الدكتور محمود أبوزيد وزير الموارد المائية والري "آنذاك" ورئيس مجلس المياه العالمي.. والدكتور أحمد جويلي الوزير المصري السابق وأمين عام الوحدة الاقتصادية العربية آنذاك "يرحمه الله" وغيرهما من السفراء العرب.. وتشرفت بتوقيع الاتفاقية عن الجانب المصري كما وقعها عن الجانب الدكتور "هيراياما" رئيس جامعة "إياتا" ورئيس "جمعية ثقافة نهر كيتا كامي".. وأذاع التليفزيون الياباني وقائع الاحتفال كما تصدرت أخبار مصر ونهرها الخالد وجمعية حراس النيل نشرات الأخبار في التليفزيون الياباني.. وفي اليوم التالي فوجئت بدعوتي برفقة السيد الدكتور محمود كارم لافتتاح معرض عن الحضارة المصرية أقامته اليابان خصيصاً لهذه المناسبة.. وكان يشتمل علي مكونات الحضارة المصرية القديمة كالأهرامات وتمثال أبي الهول وغيرها.. كما بسطت علي أرض المعرض خريطة شاملة ودقيقة لنهر النيل الخالد.. وتردد علي هذا المعرض آلاف مؤلفة من اليابانيين لمشاهدة معالم الحضارة المصرية ومطالعة خريطة نهر النيل الذي يتشوقون جميعاً إلي زيارته ومشاهدته.. وحينما دعيت لزيارة نهر "كيتا كامي" فوجئت أن طوله 250 كيلو متراً "أي أن طول نهر النيل يوازي سبعة وعشرين ضعف طول نهر كيتا كامي" وأن عرضه أقل من عشر عرض نهر النيل.. وحين تطلعت إلي ذلك النهر تخيلت من فرط نظافته وشفافية مياهه واهتمام اليابانيين به وبضفتيه.. تخيلت انه حوض سباحة طوله 250 كيلو متراً.. وعلي ضفتي نهر "كيتا كامي" أقيمت العديد من الأبنية الفاخرة الخاصة بدراسات وأبحاث النهر.. وآنذاك تملكني الحزن والأسي والألم حين حدثت نفسي وكأنما أحدث اليابانيين بصوت مكتوم غير مسموع قائلاً: ما بال قومكم هنا مع نهرهم يمجدونه ويقدسونه وما بال قومي هناك يلوثونه ويهينونه ويدنسونه؟!! وفور توقيع الاتفاقية ازداد تدفق السياح اليابانيين علي مصر للتمتع بمشاهدة نهر النيل وذلك مع الأداء الرائع والعطاء والجهد الدءوب للمستشار السياحي المصري الماهر الدكتور زين العابدين الشيخ وفي النهاية مازلت أتعجب كيف يهين المصريون نهرهم الخالدة ويوقره غيرهم من الأجانب الأباعد..!! "والحديث موصول بإذن الله"