** كم أتوق إلي زيارة بيت الله الحرام ومسجد رسوله الكريم مجدداً. كما أتوق إلي سماع خطبة الجمعة من الشيخ صلاح كامل خلف الله. فالرجل يذوب عشقا في الذات المحمدية. ويتمتع بنفس شفافة تنبعث منها كلمات نورانية. فإذا بنا ننتقل عبرها من مسجد "النور المحمدي" في جنوبالقاهرة إلي المسجد النبوي في المدينةالمنورة في دقائق معدودة. فقد ذكرتني خطبة الجمعة الفائتة بعبق الرجال الكرام حول رسول الله "صلي الله عليه وسلم" من خلال المسلسل الإذاعي الشهير "رجال حول الرسول" أحد أبرز الابداعات القلمية للمفكر الإسلامي العبقري محمد علي ماهر "1917- 1989" وما بين مضمون الخطبة والمسلسل الشهير فارق التوقيت حيث استمتع المسلمون بالمسلسل الشهير عبر إذاعة القرآن الكريم لعدة شهور خلال حقبة الستينيات من القرن الماضي. بينما لم تتجاوز خطبة الجمعة بالأمس القريب نصف الساعة. وفيها عرض الخطيب للرجال الأربعة الأطهار. فماذا قال؟ ورد في الأثر أن سيدنا محمد "صلي الله عليه وسلم" جلس جلسة نورانية مع الصحب الكرام. وسأل كلاً منهم سؤالاً واحداً: ماذا تحب من الدنيا..؟ وكانت إجاباتهم علي النحو التالي: قال الصديق أبوبكر: أحب لأجلك ثلاثاً: نظري إليك. وجلوسي بين يديك. وإنفاق مالي عليك. وقال عمر بن الخطاب: أحب لأجلك ثلاثا: أمر بالمعروف ولو كان سراً. ونهي عن المنكر ولو كان جهرا. وقول الحق ولو كان مُراً. ثم نظر -صلي الله عليه وسلم- إلي عثمان بن عفان. فأجاب: أحب لأجلك ثلاثا. إطعام الطعام. وإفشاء السلام. وركعات الليل والناس نيام. وأخيراً نظر "صلي الله عليه وسلم" إلي علي بن أبي طالب وقال له: وأنت يا علي: أتحب من الدنيا شيئا؟.. قال: نعم. أحب لأجلك ثلاثا: إكرام الضيف. والصيام في الصيف. وضرب أعناق المشركين بالسيف. ** حول تلك المعاني السامية التي تعبر عن دين الفطرة علي لسان الصحبة الكرام دارت معظم أعمال الأديب المتميز. والكاتب الصحفي المرموق محمد علي ماهر. فإلي جانب مسلسلاته الدينية التي قدمها للإذاعات العربية أثناء فترة عمله بالكويت وفي مقدمتها "رجال حول الرسول. والإمام الغزالي" فقد ارتبط اسمه ببرنامجه الإذاعي الأشهر "أحسن القصص" الذي تابعه القراء علي صفحات جريدة الجمهورية. قبل أن يتحول إلي دراما إذاعية ويتربع علي عرش البرامج الرمضانية بامتداد سبعة عشر عاماً اتضحت خلالها مواهب "محمد علي ماهر" المتعددة.. باحثا مدققا ومستنيرا في الفكر الديني. ومفكراً شريفاً من حراس الحقيقة في الدين والفن. والثقافة القائمة علي العلم والموهبة والقدرة علي الابتكار والتأثير في الآخر. ولإذاعة القرآن الكريم كتب محمد علي ماهر برامج ذائعة الصيت مثل: "أسماء الله الحسني". و"سبحان الله". و"أمة القرآن" الذي ناشد من خلاله المسلمين في شتي بقاع المعمورة بامتداد تسع سنوات كاملة. والجدير بالذكر أن محمد علي ماهر من الرعيل الأول الذي شارك في تأسيس جريدة الجمهورية وعمل بها منذ صدورها يوم السابع من ديسمبر عام 1953 وحتي منتصف الستينيات قبل أن يتفرغ تماما للإذاعة. ويشارك في كتابة السيناريو والحوار للعديد من الأعمال السينمائية لعل أهمها علي الاطلاق فيلم "الرسالة" من إخراج مصطفي العقاد. وهو أيضا أحد مؤسسي إذاعة "صوت العرب" مع كمال إسماعيل بمنتصف الخمسينيات. وصدق أو لا تصدق. فإن أياً من مؤلفاته المذكورة لم يتحول إلي كتاب مطبوع. ولو فعل ذلك بمادة برنامجه "أحسن القصص فقط". لتحول هذا البرنامج إلي عدة كتب تحتوي علي ثروة فريدة من مختلف الفنون. باعتبارها من أفضل ما عرفته برامج الإذاعة والتليفزيون من دراما رفيعة المستوي علي حد تعبير ناقدنا الكبير رجاء النقاش. ** آخر الكلام: عاش محمد علي ماهر -82- عاما. منذ خروجه للحياة بمدينة طهطا في محافظة سوهاج. في يوليو عام 1917. وحتي صعدت روحه إلي بارئها قبل أن يسدل عام 1989 ستائره بأيام. وما بين مولده ورحيله تلقي علومه الابتدائية والثانوية في طهطا. قبل أن يلتحق بآداب القاهرة. غير أنه فضل استكمال دراسته بالمعهد العالي للفنون المسرحية. والطريف أنه بدأ حياته العملية موظفا بمستشفي قصر العيني قبل أن يتجه للعمل في الصحافة بجريدة الجمهورية. وبعد بلوغه سن التقاعد سافر إلي الكويت للعمل مستشاراً فنياً للإذاعة والتليفزيون هناك حتي عام 1987 عندما حاصره المرض الخبيث وأجهز عليه. وبعد مرور ربع قرن علي رحيله أناشد مسئولي الثقافة في بلادنا إلي الالتفات إلي بحثه النادر الذي أعده للتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية تحت عنوان: "الإمكانيات الدرامية في القرآن الكريم" فقد أجمع نقاد الأدب علي ان هذا البحث يقدم رؤية بالغة الدقة والعمق للفن القصصي في القرآن الكريم. ولو خرج للنور لعرف القراء نموذجا من أرقي النماذج الأدبية للقرآن في تاريخنا المعاصر. وأما عن تكريمه فلا تسأل. فقد توقف رصيده من التكريم عند مقولة حق للإمام محمود شلتوت الذي أنصفه ذات يوم عندما قال: لو أن الأزهر يمنح درجة الدكتوراة لمنحها لمحمد علي ماهر..!