طرح سيارات BYD الكهربائية والهجينة في مصر.. أسعار ومواصفات    بين رحيل طوبة وتقلبات أمشير.. تحذيرات زراعية لمواجهة أخطر أسبوعين بالموسم    آخر تطورات أسعار الدولار أمام الجنيه في البنوك المصرية اليوم الخميس 5-2-2026    هل مازال إبستين على قيد الحياة؟.. نظريات جديدة تشكك في وفاته    24 شهيدا في يوم دام وأشلاء وأطفال ووداعات.. غزة تبكي أبناءها وتخشى عودة الجحيم    جوارديولا: تحركات مرموش رائعة.. وسعيد بما يقدمه مع مانشستر سيتي    رياح وشبورة.. الأرصاد تحذر المواطنين من طقس اليوم    العثور على جثمان طالبة متحلل والأمن يكثف الجهود لكشف الملابسات    وفاة شاب وإصابة آخر في حادث انقلاب "موتوسيكل" بالبحيرة.    تعرف على حالة المرور اليوم بشوارع وميادين ومحاور القاهرة الكبرى    غلظ العقوبة بس لعبه، مدحت شلبي يحرج الأهلي بالأرقام بعد إيقاف إمام عاشور (فيديو)    سيراميكا يسعى للحفاظ على صدارة الدوري أمام غزل المحلة "المقاتل من أجل البقاء"    أردوغان يهدي الرئيس السيسي سيارة كهربائية    نهاية مسيرة إجرامية.. المشدد 6 سنوات لعامل حاز سلاحًا واتجر في المخدرات    بث فيلم وثائقي جديد عن مايكل جاكسون وتسجيلات لم تنشر من قبل عن علاقته بالأطفال    مفاجأة بعد 25 سنة.. شيري عادل نجمة أغنية أهو جه ياولاد    «الشيماء» الفائزة في الرواية غير المنشورة: الجائزة شهادة إنصاف لروايتي الأولى    حكم زينة رمضان.. حرام بأمر الإفتاء في هذه الحالة    بجرعة شهرية واحدة، بشرى سارة من "فايزر" بشأن الدواء الجديد للسمنة    الصين ترفض الانضمام إلى مفاوضات الحد من التسلح مع الولايات المتحدة وروسيا    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    منى عشماوي تكتب: لماذا يقتلون العندليب؟!    الناقدة منال رضوان تكتب: من "أمير البيان" إلى اليوم.. مصر وتركيا لقاء صاغه التاريخ وتجدده الرؤى الحديثة    مقتل شخص وإصابة آخرين بانفجار سيارة قرب حيفا في إسرائيل    زيلينسكي يكشف عدد قتلى أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا    اليوم، قطع المياه عن مدينة إدفو بأسوان لمدة 10 ساعات    تراجع الأسهم الأمريكية في تعاملات الظهيرة بسبب انخفاض أسهم شركات التكنولوجيا    «كارثة في كل بيت».. «الشيوخ» يدق ناقوس الخطر حول هواتف الأطفال    ياسمين الخطيب تطل ببرنامج ورا الشمس في رمضان 2026    أمن أسيوط يكثف جهوده لكشف غموض العثور على جثة طالبة    نملة تُوقظ نبيًّا.. قصة بدأت بنملة وانتهت بحكمة إلهية    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    «الصاحب سند».. لقطة عفوية تجمع رضوى الشربيني وآن الرفاعي في ختام «هي وبس» (فيديو)    معهد التغذية يدق ناقوس الخطر: المشروبات الغازية تعرض الأطفال ل 3 أمراض    تفشي الحصبة في الأمريكتين يدفع «باهو» لإطلاق إنذار وبائي... والمكسيك تسجل أعلى الإصابات    علماء وخبراء في ملتقى علمي بالإسكندرية: الاستزراع المائي مفتاح الأمن الغذائي.. والبحث العلمي بوابة الاستدامة    رفضت العودة فقتلها.. جنايات مطروح تحيل أوراق قاتل طليقته شنقًا إلى المفتي    عمر مرموش: كنت أحلم بتسجيل الهاتريك.. وهدفنا تحقيق لقب كأس الرابطة    "سقط فوقهم جدار منزل".. وفاة سيدة وإصابة 3 آخرين أثناء تقديم واجب عزاء في البحيرة    وزيرة التنمية المحلية ووزير التموين ومحافظ الدقهلية يفتتحون اليوم معرض "أهلا رمضان" بالمنصورة    ريال سوسيداد يحقق ريمونتادا أمام ألافيس ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    صبحي يهنئ منتخب مصر لكرة السلة على الكراسي المتحركة بفضية البطولة العربية    مصدر من الأهلي ل في الجول: مهاجم كاميروني تحت السن يخوض معايشة مع الفريق    النيابة الإدارية تُحدد موعد حلف اليمين القانونية لمعاوني النيابة الجدد    نيبينزيا: يجب حرمان داعش من تقنيات الاتصالات الفضائية والطائرات المسيرة    غرفة السياحة: 7 فبراير آخر موعد لاستخراج شهادة الاستطاعة الصحية للحجاج    مدرب كامويش السابق: لاعب رائع لكنه بحاجة لزيادة قدراته التهديفية    الصحة: تكثيف الرقابة على المنشآت الطبية وبخاصة التي تتعامل مع الصحة النفسية    طريقة عمل البسكويت بالجبنة، وجبة خفيفة سريعة التحضير    مدير أوقاف شمال سيناء يكرم حفظة القرآن الكريم بمسجد السيدة حليمة السعدية بالعريش    حزب الشعب الجمهوري يفتتح ورش عمل آليات العمل البرلماني والميداني    خبير تربوي يضع روشتة ل التعليم للسيطرة على فوضي الإدمان الرقمي    وكيل تعليم كفر الشيخ يعلن إجراء المقابلات مع المتقدمين للوظائف الإشرافية    عبد السند يمامة: مستمر في رئاسة الهيئة البرلمانية للوفد بمجلس الشيوخ    تعليم الشرقية: جاهزية المدارس للفصل الدراسي الثاني على رأس الأولويات    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    قمة ميلانو.. إنتر يواجه تورينو في ربع نهائي كأس إيطاليا وسط ترقب جماهيري واسع    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضاعت الفطنة.. فشاعت الفتنة!!
نشر في الجمهورية يوم 20 - 02 - 2013

السري في مصر أضعاف العلني.. لذلك يكثر النفي وتكثر الشائعات ويختلط الحق بالباطل.. وتنعدم الثقة ويلجأ الناس إلي نظرية المؤامرة في تفسير كل ما التبس عليهم.. والسياسة في مصرفي كل العهود تعني أن يقول الساسة شيئا ويفعلون شيئاً آخر.. أن يقولوا للناس حسني ويفعلون ويعملون السيئات.. ونحن في مصر نسمي اللف والدوران والكذب سياسة ودبلوماسية ونسمي الإجابات الكاذبة علي الأسئلة إجابات دبلوماسية.. أي اننا ننسب الكذابين إلي الذكاء والفطنة.. والسياسي عندنا هو الذي يعجبك قوله في الحياة الدنيا لكن فعله فعل فاسد.. وتطور الأمر إلي الأسوأ الآن فالساسة لا يعجبك قولهم ولا فعلهم.. بمعني أنهم لا يحسنون القول ولا يحسنون الفعل.. ونحن نسخر التكنولوجيا ووسائل الاتصال لخدمة تخلفنا.. فبعد أن كان التخلف فرديا صار جماعياً.. وبعد أن كان مرضاً صار وباء.. كل الفضائيات والأرضيات ومواقع التواصل ووسائل الاتصال تخدم تخلفنا وتوسع مساحته وتنشر غسيلنا القذر.. ونحن العرب عموما بارعون في اخضاع التقدم للتخلف.. واسترقاق الحق ليكون عبداً للباطل.. نحن نقذف بالباطل علي الحق فيدمغه فإذا الحق زاهق.. جاء عندنا الباطل وساد وزهق الحق.. وأسوأ ما حاق بنا اننا نتكسب بألسنتنا وأقلامنا.. فنحن في آخر الزمان.. وقد روي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتي يظهر قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها.. وقد ظهروا وهم أهل السياسة والإعلام والدعاة والمفتون وخطباء المنابر.. هؤلاء يكسبون قوتهم وملايينهم بألسنتهم وأقلامهم.. وهذا أسوأ كسب.
ومصر منذ زمن طويل ترقص علي السلم.. دولة "مرقوعة أو مرقعة".. أمة بلا ملامح.. "دولة شبه".. شبه دينية وشبه مدنية.. شبه ديمقراطية وشبه ديكتاتورية.. شبه غنية وشبه فقيرة.. شبه كبري وشبه صغري.. شبه متقدمة وشبه متخلف.. شبه رأسمالية وشبه اشتراكية.. شبه مستقلة وشبه محتلة.. وهذا الوضع جعل مصر محكومة دائما بالهوي والمزاج.. وجعلها دولة مطاطة.. تنكمش بإرادة حاكم وتتمدد بإرادة ومزاج آخر.. وهذا أيضا عيب شعب ضبط نفسه علي لقمة العيش أياً كان مصدرها.. لقمة العيش ليس لها دين ولا منهج ولا اتجاه سياسي.. لقمة العيش يأخذها السائل من أي يد ولا يسأل عن دين أو ملة أو اتجاه صاحب اليد.. والمحبوس في بطنه وجيبه لا يعنيه إن كانت الدولة مدنية أو دينية أو مستقلة أو محتلة.. وهكذا أصبح من السهل أخذ المصريين من اتجاه ما إلي الاتجاه المضاد دون مقاومة أو عناء أو تمرد.. ولذلك تتغير أسماء الأنظمة والحكام والمسئولين ولا يتغير أسلوب الحكم وإدارة الدولة.. نفس أسلوب العصا والجزرة وأسلوب سيف المعز وذهبه.. وأسلوب "أجع كلبك يتبعك".. نفس أسلوب "اطعم الفم تستحي العين".. حتي صار الناس في العالم أجمع "يتربطوا من لسانهم ونحن نتربط من بطننا".. والحكومة.. أي حكومة.. تحكمنا بأسلوب البقالين والمعارضة تعارض بطريقة البقالين.. الحكومة تعد بالسلع والدعم.. والمعارضة تحشد الناس بالحديث عن أزمات السلع ورفع وإلغاء الدعم.. الحكومة والمعارضة عندنا دائما بقالان متنافسان علي شعب من الزبائن المستهلكين.. والناس في بلدي أكثر ميلاً لتصديق الحكومة والاحتشاد خلفها لأن بيدها القرار.. قرار منع السلع أو منحها.. ومبدأ الناس في رفض المعارضة دوماً هو: "يا عم عايزين ناكل عيش".
وليس صحيحا أبدا أن الفقر هو السبب في تلك النقيصة لدينا.. لكن السبب هو موروث متراكم وقديم من ثقافة العبيد.. المماليك. موروث "إن كان لك حاجة عند الكلب قل له يا سيدي".. والحاجة دائما حاجة بطن وليست حاجة عقل ولا قلب.. ونحن "نتلكك" لنكون عبيدا حتي اننا نقول: "من علمني حرفاً صرت له عبدا".. منتهي الهوان والذل والرغبة المحمومة في العبودية.. ونحن نحمل الفقر كل خطايانا وهواننا.. نبرر به السرقة والإختلاس والبلطجة والنصب والرشوة والنفاق وكأن الله غفر للفقراء كل ذنوبهم لأنهم فقراء.. والحكومة والمعارضة في مصر عبر كل العهود تتاجران بالفقر والفقراء.. وتحشدان الفقراء بفقرهم.. وليس من صالح أي حكومة أو معارضة عندنا حل مشاكل الفقراء.. بل إنهما تديران الفقر وتتاجران به وتكسبان من ورائه.. والحكومات والأنظمة في مصر ليست حكومات حل وإنما هي حكومات وعود بالحل.. لا تتحقق أبدا.. حكومات "الحلاقة غدا مجانا" والغد لا يأتي أبدا.. حكومات العمل من أجل الأجيال القادمة والأجيال القادمة لا تأتي أبدا.. وإن جاء زيد أو حضر عمرو فلا شيء يتغير.. نفس الخطاب والوعود وأولويات المرحلة القادمة والانحياز للفقراء ومحدودي الدخل.. وعندما رفعت هوجة الخامس والعشرين من يناير "إياها".. شعار: عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية لم يحتشد الناس إلا خلف العيش.. لكن باقي الشعار لا يعنيهم.
****
الحكومات عندنا في كل العهود تحافظ علي الفقر لتدير الشعب بالصدقات لا بالخطط والمشروعات.. والشعب عندنا اعتاد أن يدار بالصدقات والكراتين "وشنط رمضان".. وموائد الرحمن لأن من يديروننا علي مر العهود بقالون في ثياب ساسة.. والحكومات عندنا تحافظ علي الفقر حتي يبقي الناس مسجونين في شئونهم الخاصة وحاجات بطونهم "ولقمة عيشهم وعيش عيالهم" لأن الفلسفة كما يقال علم الرفاهية.. فإذا حقق الناس شيئاً من الرفاهية استراحوا والتفتوا إلي الشأن العام وهذا أمر يؤرق حكوماتنا علي مر العهود.
وإذا أرادت الحكومات المصرية علي مر العهود تسويق مشروعات أو خطط مشبوهة فإنها تتحدث عن أنها ستوفر ملايين الوظائف وتؤدي إلي تحسين مستوي المعيشة وعندئذ لن يعير الناس اهتماماً لمسائل خطيرة مثل الأمن القومي أو السيادة أو غير ذلك مما يرونه شعارات لا معني لها.. والحق أن نقيصة الذل والعبودية لا علاقة لها بالفقر.. فالأغنياء والمستورون عندنا يقبلون الرشاوي الانتخابية حتي في النقابات المهنية الكبري.. فإذا كان الفقير يريد قوت يومه بأي وسيلة فإن الغني يريد المزيد بأي وسيلة.. والذل والهوان يجعلان الفقير أسير بطنه ويجعلان الغني أسير جيبه وبنكه.. والفقير جبان لأنه يخاف الحرمان والغني جبان لأنه يريد المزيد.. وطبيعة الفقير هي نفسها طبيعة الغني.. والحكومات لا تقضي علي الاحتقان والمظاهرات والاضطرابات بإزالة أسبابها.. ولكنها تحاربها بالتخويف من آثارها علي جيوب الأغنياء وبطون الفقراء.. والاستقرار عندنا يعني "عايزين ناكل عيش".. وكل الحشود والمليونيات عندنا تنجح أو تفشل وتزيد وتقل تبعاً للفلوس والكراتين والصدقات.. والحكومات والمعارضات عندنا تتبادل الاتهام بحشد الأنصار عن طريق المال والصدقات.. والحكومات والمعارضات "دافنينه سوا".. وينطبق علي الجميع مثلنا العامي "لا تعايرني ولا أعايرك.. الهم طايلني وطايلك".. وعندما كانت الحكومة معارضة تعرضت للإتهام بأنها مأجورة.. وحشودها مدفوعة الثمن.. وعندما صارت المعارضة حكومة تردد نفس الأغنية بأن المعارضة مأجورة وحشودها مدفوعة الثمن.
لم تعد لدينا القدرة علي الإبداع والابتكار حتي في توجيه الاتهامات.. وأساليب مواجهة المعارضين وأساليب استمالة المؤيدين.. فنحن بلغنا من البلاهة حد تكرار الأفعال والأقوال التي ثرنا من أجلها وضدها.. لأن البقالين ليسوا مبدعين ولا خلاقين.. فهم عارضون لسلع لم يصنعوها وبائعون لبضائع لم ينتجوها.. وزبائنهم فقراء لا يسألون عن جودة أو ابداع لذلك تروج عندنا السلع السياسية والدينية والإعلامية والفنية الرديئة والمضروبة.. ثقافة البقالين هي السائدة لدي المصريين.. ونحن نستهلك الأكاذيب والترهات والأباطيل كما نستهلك السلع المضروبة بالضبط.. لسنا معنيين بالجودة ولكننا معنيون بالوفرة حتي إذا كانت وفرة الرديء المضروب.
وبنفس نظرية الرقص علي السلم "والشبه" تسود مصر حالة من غياب اليقين في كل شيء.. حالة مناخية سياسية وثقافية بلا ملامح.. فنحن في شبه غيبوبة وشبه إفاقة.. شبه علم وشبه جهل.. شبه غباء وشبه ذكاء.. شبه حماقة وشبه فطنة وتعقل.. تبدو كل الأمور ملتبسة ومن الصعب حسمها والحكم لها أو عليها.. وفي الصفات المعنوية نصف الشيء الإيجابي هو كل الشيء السلبي.. فنصف العلم جهل ونصف الحق باطل ونصف الحقيقة كذب ونصف الذكاء غباء تام.. ونصف العقل جنون ونصف الفطنة حماقة.. لذلك نذم غيرنا بما فينا من سيئات ونتهم غيرنا بما نرتكب من جرائم وآثام.. ولأننا في حالة رمادية يصعب إقناعنا والتحاور معنا.. ويصعب حتي المستحيل في مصر قياس اتجاهات الرأي العام تجاه أي قضية.. وكل الاستطلاعات والإستقصاءات والإحصاءات التي تجريها الجهات الرسمية أو غير الرسمية "مفبركة" ومضروبة وملونة باتجاه من أجراها.. ولا ينبغي لعاقل إذا كان بيننا عاقل أن يعتمد علي أي من هذه الاستطلاعات أو الإحصاءات في بناء فكرته.. فلا يوجد في مصر رأي عام يمكن قياسه والتعويل عليه.. فإذا قيل لك إن تسعين في المائة راضون عن أداء الحكومة فلا تصدق وإذا قيل لك ان تسعة في المائة فقط راضون عنها فلا تصدق أيضا.. كلها انطباعات وقتية.. فالمصري ليس ذا سيادة في فكره وإنما هو يفكر عن طريق غيره.. ومقاييسه في الحكم علي أداء الحكومة أو المعارضة مقاييس بطنية لا عقلية..
****
إذا جاءت نتيجة استطلاع معين ان تسعين في المائة مع تطبيق الشريعة الإسلامية.. فلا يجب أن تصدق لأن السؤال لابد أن تكون اجابته "نعم".. والسؤال نفسه ملتبس في ذهن المصري.. فما معني تطبيق الشريعة؟ وما معني الشريعة؟ ومن يطبقها علي من؟ وقد نسأل رجلاً منحلاً ومنحرفا وزنديقاً: هل أنت مع تطبيق الشريعة؟ فيقول بكل حماس: نعم .. والسؤال الذي لا يخطر له علي بال ويوقعه في حيص بيص: وما يمنعك من تطبيق الشريعة؟ "طب ما تطبقها علي نفسك يا فالح".. كل هذا من غياب الفطنة والكياسة.. بالإضافة إلي شيوع النفاق.. أجوبة الأسئلة عندنا منافقة والأسئلة عندنا أيضا منافقة.. ونتائج الاستطلاعات منافقة.. زمان قال لي أحدهم: إن الزواج السري أصبح وباء لدي الشباب.. والإحصاءات تقول إن أربعين في المائة من طلاب وطالبات الجامعات متزوجون سراً.. فقلت: كيف توصلت لهذه الإحصائية رغم ان الزواج سري؟ وما المبرر للزواج إذا كانت العلاقات خارج الزواج متاحة ومباحة؟.. لم أتلق جواباً.. لكني علي يقين بأن الإحصاءات والاستطلاعات عندنا مضروبة وملونة وموظفة لأغراض معينة.. فلا رأي في مصر يمكن قياسه.. ولا ظاهرة يمكن معرفة أسبابها ولا أحد يعرف من مع من ولا من ضد من.
والأدهي ان المصريين فقدوا تماما ما كان يعرف بخفة الدم لأن خفة الدم مرتبطة تماما بالذكاء والفطنة.. وعندما تتصفح مواقع التواصل وصفحات الصحف وتشاهد الأفلام الحديثة التي يقال عنها زيفاً كوميدية تفاجأ بأن "دمنا بقي يلطش".. هناك هزل لا خفة دم.. هناك مجون لا ظرف.. هناك استظراف واستخفاف وألفاظ قذرة وبذيئة وتعليقات سخيفة.. لا توجد لدينا الآن سرعة بديهة ولا فطنة.. حتي النكات الحديثة صارت كلها جنسية وماجنة ومثيرة للإشمئزاز والقرف.. وأنت علي مدار أربع وعشرين ساعة تتعرض للتحرش والاغتصاب.. وأسوأ أنواع التحرش هو التحرش بعقولنا واغتصاب رءوسنا.. هناك "شوطة" حماقة وجنون في مصر تجعلني علي يقين بأننا جميعا أصبحنا في حاجة إلي علاج نفسي.. حتي الذين يدعون التدين ويتصدون للدعوة والفتوي والهداية لديهم تشوه نفسي ومس من الجنون.. كلنا مشوهون نفسيا وعقليا لدرجة أننا نصدق أن هناك من يسمي الراقي الشرعي والمعالج الروحاني.. "فيه حاجة غلط" في رءوسنا.. هناك كراكيب كثيرة في أدمغتنا أدت إلي تكاثر الفئران والحشرات بها.. وكل هذا التشوه يصاحبه "ثقل دم".. فظيع.. حتي أهل الدين الآن ثقلاء الظل.. وكذلك الفنانون والإعلاميون والصحفيون والكتاب والمسئولون..
ومصر التي نرقص علي السلم.. لا تنهض ولا تنهار.. لا تقوم ولا تقعد.. لا تحارب ولا تسالم.. لا تفتح الشباك ولا تسد الشباك.. لا تموت ولا تحيا.. ويقال بعد كل هذا: إنها مؤامرة تريد استمرار هذا الوضع الملتبس.. ولا أظن أنها مؤامرة إلا إذا كانت مؤامرة منا ضدنا "مننا فينا".. فقد اعتدنا أن نقدم لعدونا أضعاف ما يطلب ونفاجئه بأضعاف ما يتوقع من تسليم وطننا له "تسليم مفتاح".. نحن أعداء أنفسنا مثل الأحمق الذي هو عدو نفسه وقد قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أو غيره: لا تصادق الأحمق.. فالأحمق عدو نفسه فكيف يكون صديقا لغيره.. والحماقة مردها إلي غياب الفطنة لذلك لا تعيش الحمقي انجازات.. فثورة الحمقي تتحول إلي فتنة وديمقراطية الحمقي تتحول إلي فوضي.. وانجازات الحمقي تتحول إلي فواجع وكوارث وإخفاقات.. وفي بلدنا.. غامت الرؤية ومازلت وسأظل أصرخ يا أصدقائي محمد سلمي وحمادة بدران أبو دوح والمهندس إسماعيل العوضي.. "إلحقونا يا ناس".. لقد ضاعت الفطنة.. فشاعت الفتنة!!
نظرة
عجزك عن تقييم الناس والأوضاع والأفكار مؤلم جدا.. حالة الرقص علي السلم تجعلك أنت أيضا ترقص علي ألف سلم.. لا تدري ان كان هذا صواباً أم خطأ.. ان كان هذا حقاً أم باطلا.. قومك حيروك "وبهدلوك".. وطنك لا يرسو علي البر.. وصلنا إلي حالة الشخص الذي لا أمان له.. ولا خوف منه.. لا يرجي خيره ولا يتوقي شره.. لا يفعل خيراً ولا يفعل شراً.. مات الذين يُعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب علي رأي طرفة بن العبد.. لا يمكن أن تثني علي أحد.. ولا يمكن أن تهجو أحدا.. فليس لممدوح فعل أو انجاز أو مبدأ تمدحه به.. وليس للمهجو شرف ولا عرض يخشي عليه.. كما قال إبن الرومي وصدق.. رغم أن قوله هذا قبل ألف عام.. فماذا نقول اليوم..؟ يقول ابن الرومي:
آيست من دهري ومن أهله .. فليس فيهم أحد يرتضي
إن رمت مدحاً لم أجد أهله .. أو رمت هجوا لم أجد عِرضا
ويقول شاعر آخر يدعي ابن منير الطرابلسي:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة .. باب الدواعي والبواعث مغلق
فسد الزمان.. فلا كريم يُرتجي .. منه النوال ولا مليح يعشق!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.