محافظة القليوبية تحيي ذكرى العاشر من رمضان بمسجد ناصر ببنها    الهيئة العامة للاستعلامات تناشد وسائل الإعلام الأجنبية الرجوع إلى البيانات الرسمية    الحرب على إيران تدفع الذهب إلى قفزات تاريخية.. زيادة جديدة في التعاملات المسائية    "المقاومة الإسلامية في العراق": نفذنا 16 عملية بعشرات المسيّرات على قواعد العدو في العراق والمنطقة    دونجا يشارك في خسارة جديدة للنجمة بالدوري السعودي    الأهلي يكشف سبب رفض العرض السويدي لرحيل المغربي أشرف داري عن الفريق    نابولي يعود للانتصارات بالفوز على هيلاس فيورنا في +90    «مناعة» الحلقة 11 | صدمة جديدة تعصف ب هند صبري.. وتعرض شقيقها لحادث سير    وزيرة الثقافة فى افتتاح هل هلالك: أتعهد بتحقيق العدالة الثقافية في كل المحافظات (فيديو وصور)    علي جمعة: الصلاة في الكنيسة جائزة شرعًا.. ونؤدي المغرب بها إذا دعانا إخواننا المسيحيون    عبدالرحيم علي: واشنطن تستهدف كسر إيران نوويا وعسكريا.. ولا رهان على باكستان والحل في صوت العقل لإنقاذ الشرق الأوسط    تحرير 628 مخالفة تموينية في حملات مكبرة بالإسماعيلية    إخماد حريق اندلع في عيادة طبيب أنف وأذن بالفيوم دون إصابات بشرية    رمضان 2026| «فوتشيني باللحمة المفرومة» طبق رئيسي مبتكر لعزومات الشهر الفضيل    عاجل- إسرائيل: عملياتنا العسكرية ضد إيران ستستمر أيامًا «لتحريرها من النظام»    سقطا من مكان مرتفع.. وفاة عاملين في حادثين بالقاهرة    الشوط الأول| بايرن ميونخ يتأخر أمام دورتموند في الدوري الألماني    رونالدو يقود هجوم النصر أمام الفيحاء    باسم سمرة: الجيل الجديد عنده ورق ودور العرض السينمائية اختفت    مروان عطية: مطلبتش أعدل عقدي.. والزمالك الأقوى في مصر بعد الأهلي    ارتفاع حصيلة قتلى تحطم طائرة عسكرية أثناء الهبوط في بوليفيا إلى 20 شخصا    الأزهر الشريف يرسم لوحة أخوّة عالمية على مائدة الإفطار    مجلس الكنائس العالمي يدين الهجمات العسكرية على إيران ويحذر من اتساع رقعة الصراع    الكشف على 379 وتحويل 23 حالة للجراحة في قافلة "طب الإسكندرية" بالظاهرية    ليدز ضد مان سيتي.. عمر مرموش يقود الهجوم فى غياب هالاند    وقف محاكمة المتهمين بواقعة مطاردة نجلي الفنانة زينة بكلب بالشيخ زايد    وزير الأوقاف يهنئ القارئ بلال سيف بفوزه بمسابقة القرآن في تنزانيا    قناة الحياة تنقل صلاة التراويح من مسجد الحسين.. بث مباشر    «فخر الدلتا» الحلقة 11.. أحمد يطلب المساعدة.. وفخر يغلق الهاتف    منظمة أوبك بلس تحدد مسار أسواق النفط في اجتماع غد بعد حرب أمريكا وإيران    الحرب على إيران | سعر الريال السعودي خلال تعاملات البنوك اليوم    الإسكندرية تشن حملات ب5 أحياء لإزالة التعديات واسترداد أراضي الدولة    الكهرباء: التغذية آمنة ومستقرة وخطط بديلة لمواجهة أي تطورات    عباس شومان: لا يعلم نهاية الإجرام العالمي إلا الله.. والسفهاء يقودون حربًا فكرية    القاهرة الإخبارية: تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي بعد رصد صواريخ إيرانية    وزير الرياضة يهنئ اتحاد الخماسي الحديث بذهبية وفضية مصر في كأس بافيل    موعد آذان المغرب.... تعرف على موعد اذان المغرب اليوم العاشر من رمضان السبت 28فبراير 2026 بتوقيت المنيا    تداول 46 ألف طن و814 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    تغريم المتهم بنشر شائعات ضد بدرية طلبة 20 ألف جنيه    أوقاف الإسكندرية تنظم مسابقة قرآنية لتعزيز القيم الإيمانية في شهر رمضان    «التعليم» تبدأ تشكيل لجان وضع أسئلة الثانوية العامة 2026 الشهر المقبل    الخارجية السعودية تخرج عن صمتها: إدانة حادة للهجمات الإيرانية "السافرة والجبانة" على الرياض والمنطقة الشرقية    نجل الرئيس الإيراني: والدي نجا من محاولة اغتيال دون إصابة    سط تريندات الحلويات الرمضانية.. هل الحلويات المنزلية هي الخيار الأفضل صحيا؟    لماذا اختيار يوم العاشر من رمضان كان مفتاحًا للنصر؟ الأوقاف توضح دور التخطيط العسكري والقوة الروحية    الداخلية تعلن مد مبادرة كلنا واحد بتخفيضات تصل ل 40%    الداخلية تعلن نتائج حملات أمنية موسعة لقطاع الأمن الاقتصادي وضبط آلاف القضايا    مواعيد مواجهات الجولة العاشرة بدوري عمومي سيدات كرة اليد اليوم    حسام حسن: هدفي في مرمى الشناوي "لا ينسى".. واللعب للزمالك يشرفني مثلما لعبت للأهلي    تنفيذ 10 قرارات إزالة تعديات بمساحة 800م2 فى كفر الشيخ    ازاي تحافظ على صحة جهازك الهضمي في رمضان؟    «147 جولة».. استنفار في «الصحة» لسرعة إنهاء المشروعات القومية بتوجيهات رئاسية    منال عوض: نسعى لتحسين مدخلات العنصر البشري في منظومة المحليات    الإنتاج الحربي يدخل عصر الحروب الذكية.. خطة رسمية لتطوير الأسلحة بالذكاء الاصطناعي    السفارة الأمريكية في قطر تفرض إجراءات البقاء في أماكن الإقامة لجميع موظفيها    حبس عاطل بتهمة الشروع في قتل موظف بالأميرية    فوز غادة البنا بمقعد شعبة الكهرباء في انتخابات مهندسي الإسماعيلية    عصام شعبان عبدالرحيم يهاجم حمو بيكا: كله ينزل تحت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشيخ يكتب: محمد عبد الله الخطيب يكتب: شمول النظام الإسلامى

أُنْزِلَ القرآن الكريم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متضمنًا نوعين من الأحكام.. النوع الأول منها هو أحكام العبادات، وتشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والصلاة والزكاة والحج، وتنظيم الأسرة من خطبة وزواج ونفقة وعدة وطلاق ونسب وحضانة وميراث ووصية. وقد جاءت السنة الشريفة -قولية كانت أو فعلية أو تقريرية- بتفصيلات ما أجمله القرآن الكريم من قواعد هذه الأحكام، ومن ثَمّ فهى ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان.
والنوع الثانى من هذه الأحكام هو أحكام المعاملات، وهى التى تحكم علاقة الفرد بغيره من الأفراد، وقد جاءت أحكام هذا النوع بقواعد عامة مجملة ومبادئ كلية من غير تعرُّض لتفصيلات أو جزئيات؛ ذلك أن مصالح الناس وعلاقاتهم تتغير بتغير حاجاتهم وبتغير الزمان والمكان؛ ولذلك اكتفت الشريعة الإسلامية بتحديد الإطار الخارجى لهذه العلاقات، وتركت الجزئيات والتفصيلات لتنظيم الأفراد حسب زمانهم ومكانهم؛ شريطة ألا تتعارض أو تخرج عن نطاق هذا الإطار المحدد.
وقد تضمنت هذه القواعد العامة تنظيم النواحى الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمع الإسلامى، كما شملت -وفقًا للتقسيمات الحديثة للقوانين الوضعية- أحكام القانون المدنى والقانون التجارى والدستورى، والقانون المالى والضريبى، وقانون المرافعات، وقانون العمل والإجراءات الجنائية وقانون العقوبات.
وقبل التعرض للقواعد العامة فى الشريعة الإسلامية للقوانين سالفة الذكر، يجمل البدء ببيان النظام الاجتماعى والاقتصادى فى المجتمع الإسلامى.
حق الملكية فى الإسلام:
جاءت مصادر التشريع الإسلامى بالقواعد والمبادئ التى كفلت حقوق الأفراد وحريتهم فى التملك للمنقول والعقار بقدر وسعهم، وأباحت لهم التصرف فيما يملكون؛ شريطة أن يكون هذا الملك والتصرف فى غير ما حرَّم الله، وسند ذلك من القرآن الكريم قوله عز وجل: "ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ"، "وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ"، "ولا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِى هِى أَحْسَنُ"، كما أن أحكام الزكاة والبيع والشفعة والوصية والهبة والوقف كل ذلك دليل على إباحة الإسلام حق الملكية للأفراد.
ولم تكتفِ شريعة الإسلام بإقرار الملكية الفردية وإنما حضَّت على كسبها، وذلك بالحث على العمل الذى هو المصدر الأول والأساسى فى كسبها وتوجبه على الأفراد، فيقول الحق تبارك وتعالى: "وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُون"، "فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِى الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ"، "هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ".
وقد جاء الإسلام بالنصوص التى كفلت صيانة هذا الحق وحمايته من أى اعتداء "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ"، "والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ".
وأوجب الإسلام البُعْد عن كسب الملكية عن الحرام والغش والخداع والإكراه والاستغلال والخديعة، فيقول عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وإذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ".
ويقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((من غشَّ أمتى فليس منِّى))، ((لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به))، ويقول: ((لا يحتكر إلا خاطئ))، ويقول: ((من دخل فى شىء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًّا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة))، كما حرَّم الإسلام استخدام الملكية أو استعمالها فى استغلال النفوذ الاجتماعى أو الاقتصادى أو السياسى، فيقول الحق جلَّ جلاله "ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا إلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ".
حق الفرد فى الملكية مُقيَّد بالمصلحة العامة:
الإسلام وإن أباح حق الملكية وصانه وحماه، إلا أنه لم يتركه طليقًا بلا قيود، فقيَّده ببعض القيود حتى لا يتعارض مع صالح الجماعة، فاستعمال صاحب الحق لحقِّه يجب ألا يضرّ الآخرين؛ وإلا حدَّ من حرية صاحب الحق آخذًا بقاعدة "لا ضَرَر ولا ضرار"؛ ولذلك تُقرِّر الشريعة حق الشنّة، أى شرب الإنسان ودوابه من عين الماء المملوكة لغيره وليس لمالكها أن يمنعها عنه، ويُروى فى هذا الشأن عن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أن قومًا ذهبوا إليه وأخبروه أنهم كانوا فى سفر، ووردوا ماء فطلبوا من أهله السماح لهم بالشرب منه والسقى لدوابِّهم فأبوا عليهم، فقال لهم عمر -رضى الله عنه- هلا وضعتم فيهم السلاح.
ويُروى عنه أيضًا أن الضَّحاك بن خليفة الأنصارى أراد أن يروى أرضه وكان لا يمكنه ذلك إلا عن طريق مرور الماء بأرض محمد بن مسلمة الذى أبى عليه ذلك، فشكا إلى عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- الذى سأل محمد بن مسلمة إجابة الضحاك إلى طلبه فرفض، فقال له عمر "والله ليمرَّنَّ ولو على بطنك"، وأمر الضحاك أن يمرّ به ففعل.
قيَّدت الشريعة أيضًا حق الملكية بالإرث؛ فليس للمُورِّث المالك أن يحابى بعض الورثة على حساب البعض الآخر، كما أنه لا يملك التصرف فى ماله كله بعد وفاته بالوصية لمن يشاء، بل لا يملك حق التصرف فيه إلا فى حدود الثلث.
وعلى المالك فى الإسلام مداومة استثمار ماله؛ وإلا كان فى هذا ضرر عليه وعلى المجتمع، وهذا القيد التكليفى ثابت من قول النبى -صلى الله عليه وسلم-: "ليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين"، وقد طبَّق عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- هذا القول على بلال بن الحارث المزنى، وكان النبى -صلى الله عليه وسلم- قد أعطاه جميع أرض العقيق، فلما جاء عمر -رضى الله عنه- قال له إن النبى -صلى الله عليه وسلم- لم يعطك لتحجز عن الناس، وإنما أقطعك لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته، وردّ الباقى، ثم قال خاطبًا فى الناس: "من أحيا أرضًا ميتة فهى له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنوات".
ومن حق ولى الأمر فى الإسلام التدخل فى تسعير السلع ومنع احتكارها أو بيعها بسعر أكثر من سعر المثل، ويجوز له أيضًا أن ينزع ملكية الأفراد للمنفعة العامة؛ شريطة أن يكون ذلك من متطلبات المصلحة العامة للمسلمين؛ ذلك أن المصلحة العامة مقدَّمة على المصلحة الخاصة، وذلك أسوة بما فعل عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- عند توسيع المسجد الحرام، ولكن يجب على ولى الأمر فى هذه الحالة تعويض الفرد المنزوع ملكيته تعويضًا عادلاً من بيت المال.
أوجب الإسلام أيضًا إنفاق المال فى سبله المشروعة وهى سدِّ حاجة المحتاج ومواساة البائس، ومدِّ يد العون للفقير، ومسح أحزان اليتيم، ووصل القريب، وتفريج كربة المكروب، والمساهمة فى أعمال البر، فيقول الخالق العليم: "لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ والْمَلائِكَةِ والْكِتَابِ والنَّبِيِّينَ وآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وفِى الرِّقَابِ"، "والَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ"، "لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ"، "إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِى القُرْبَى"، "مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْصُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس المؤمن الذى يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "أيّما أهل عرض أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله".
وليس للمسلم أن يتخلف عن تنفيذ ما أمر الله به فى هذا الشأن؛ لأن المال فى الأصل هو مال الله سبحانه وقد استخلفه الله عليه "وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى آتَاكُمْ"، "ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ولِلَّهِ"، "وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ"، "إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ".
التكافل الاجتماعى هو أساس المجتمع فى الإسلام:
إن الودَّ والبرَّ والتعاون والتراحم السابق الإشارة إليها ليس إلا صورة من صور التكافل الاجتماعى الإسلامى، وركيزة من ركائزه، والزكاة ليست إلا موردًا رئيسيًّا من موارد تمويل هذا التكافل الاجتماعى، فهى ليست متروكة لاختيار المسلم أو إحساسًا منه، وإنما هى فريضة من فرائض الإسلام وأحد أركانه، وللزكاة أوجه معينة فى توزيعها ولا يجوز الخروج عليها "إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِى الرِّقَابِ والْغَارِمِينَ وفِى سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، وقد فسَّر العلماء الغارمين بأنهم كل من تنزل بهم خسارة مالية؛ بسبب حريق أو سيل أو دَيْن فى غير معصية، وإذا كان المَدِين يملك مالاً ولكنه مستغرق بالدَّيْن فإنه يأخذ من أسهم الغارمين.
والتكافل الاجتماعى الإسلامى لا يقتصر على النواحى المادية؛ وإنما يشمل سائر النواحى الأدبية من حُبٍّ وعطفٍ وحسن معاملة وتعامل فى السرَّاء والضرَّاء، كما يشمل التكامل الاجتماعى والتكامل العلمى، فيجب على المسلم ألا يكتم علمه على الآخرين انفرادًا برئاسة علمية أو تمييزًا، وفى ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((من كتم عِلْمًا أَلْجَمَه الله بلجامٍ من نار يوم القيامة))، كما يشمل التكافل السياسى، ويدخل ذلك فى عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته))، ((المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم)).
ويشمل أيضًا التكافل الدفاعى "وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ"، "انفِرُوا خِفَافًا وثِقَالاً"، كما يشمل التكافل الجنائى وأن فى القسامة لأكبر دليل على ذلك.
كما يتضمَّن التكافل أيضًا الناحية الروحية كصلاة الجنازة؛ لأن الميت إذا مات وجب تكفينه والصلاة عليه، ثم دفنه فإن لم يَقُم أحد بذلك أثم المجتمع كله، ولقد كان لهذا التكافل الاجتماعى أثره فى عام الرمادة؛ عندما أصابت المجاعة جزيرة العرب، فتكافل المسلمون فى المشرق والمغرب لدفع غائلتها عن إخوانهم، وقد قال عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- بعد انتهائها: "لو أصاب الناس السّنة لأدخلت على كل أهل بيت مثلهم، فإن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم".
هذه هى أحكام الإسلام ونظمه الاجتماعية والاقتصادية التى وإن كان قد عَمِى عن إدراكها بعض المسلمين الذين يريدون الاصطباغ بالنظم الأجنبية فإن مفكرى الغرب وعلماءه الذين يجرى هؤلاء وراءهم لاهثين وقفوا مشدوهين بسموِّ الشريعة مبهورين بعظمتها؛ إذ يقول المستشرق ديورنت: "إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ؛ فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحى والإخلاص.. إلخ، ونجح نجاحًا لم يدانِه فيه أى مصلح آخر فى التاريخ كله، وقلَّ أن تجد إنسانًا غيره حقَّق كل ما كان يحلم به، وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدِّين"، ويقول: "وهو الذى أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعى والوحدة الاجتماعية، وحضَّهم على اتباع القواعد الصحيحة، وحرَّر عقولهم من كثير من الخرافات والأوهام ومن الظلم والقسوة".
ويقول المستشرق السويسرى يوهان لود فيل بروكسهارت: "إن المجتمع الإسلامى الصحيح هو مجتمع المحبَّة والتعاطف والصفاء فى ظلاله لا يعرف شيئًا يسمى العوز أو الحقد أو التنافر الطبقى، أن يحظى الفقير والضعيف والعاجز بعطف الأغنياء والأقوياء والقادرين، وبمعونتهم التى يبذلونها طواعية من غير ترفُّع ولا تعالٍ؛ مما يقضى تمام القضاء على تلك الفوارق الاجتماعية والصراعات النفسية التى تعانيها المجتمعات الأوروبية، وتهدِّد روابط الإنسان فيها بأفدح الأخطار".
هذا هو النظام الإسلامى الاجتماعى والاقتصادى الذى لو طبَّق المسلمون أسسه ومبادئه لما وُجِد بينهم جائع ولا عارٍ ولا خائف ولا جاهل ولا عاطل يعيش عالةً على غيره.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.