تحمل تصريحات جورج ميشيل، رئيس اللجنة النقابية للعاملين في تجارة وصناعة الذهب، حول نمو الطلب على شراء الذهب في مصر بمعدل يصل إلى 50% خلال أول 6 أشهر من 2023، بالمقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، دلالة واضحة على أن المصريين يعيشون حالة اضطراب وخوف من فقدان مدخراتهم؛ لذلك يتهربون من الاحتفاظ بالسيولة بالعملة المصرية (الجنيه)، والادخار عبر شراء الذهب أو الدولار؛ حيث يعزو ميشيل أسباب تكالب المصريين على شراء الذهب بالحرص على حفظ قيمة الأموال وكملاذ آمن للاستثمار في إشارة إلى عدم ثقة المصريين في عملتهم والتوقعات المستمرة بانخفاضها بعد أربع تعويمات سابقة أولها في نوفمبر 2016م ثم مارس 2022 وأكتوبر 2022 ثم يناير2023م؛ والتي أدت إلى تراجع قيمة الجنيه بنحو 75% من قيمته التي كان عليها في 2016م. وفي 2015 كان سعر جرام الذهب عيار "21" يساوي "263 جنيها فقط، لكنه ارتفع بشكل مذهل ليصل حاليا في اغسطس 2023م إلى "2150 جنيها"! ويتهم المصريون سياسات التعويم والإذعان لشروط صندوق النقد الدولي في تدهور مستويات المعيشة على نحو مؤلم يسحق جميع فئات المجتمع. وحسب الأرقام جاءت مصر على قائمة الدول العربية الأكثر إنفاقا على شراء الذهب، والسابعة عالميا خلال الربع الأول، بينما حلت ثالثة بعد السعودية والإمارات عربيا، وال12 عالميا خلال النصف الأول من 2023. وسجلت مشتريات المصريين من الذهب خلال النصف الأول من العام الحالي 2023 نحو 2.1 مليار دولار، مقابل 1.4 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي 2022 (+50%). وكشف التقرير الصادر عن مجلس الذهب العالمي أن كمية مشتريات المصريين خلال نفس الفترة بلغت حوالي 33.5 طنا، مقابل 23 طنا خلال نفس الفترة من العام الماضي (+46%). وكان المصريون قد أنقفوا نحو 986.6 مليون دولار على شراء الذهب خلال الربع الأول من العام الجاري، مقابل 737.1 مليون دولار خلال نفس الفترة من 2022 (+34%)، فيما بلغت المشتريات 16.2 طنا مقابل 12.2 طنا عام 2022 (+33%). ولمزيد من التدليل على أن هدف المصريين من شراء الذهب هو الادخار أو الاستثمار للحفاظ على قيمة أموالهم؛ أوضح ميشيل في تصريحات لصحيفة "العربي الجديد" اللندنية أن 90% من المشتريات كانت من نصيب "السبائك"، بينما سجلت المشغولات الذهبية نحو 10% فقط، لافتا إلى أن حوالي 7% من مشتريات المشغولات كانت بغرض الزينة وحفظ القيمة معا. وأضاف بأن أسواق الذهب في الوقت الحالي تعاني من حالة ركود تصل إلى 60% بالنسبة للمشغولات الذهبية، مع تراجع واضح في الإقبال على السبائك وذلك نتيجة تذبذب الأسعار مع ارتفاع سعر الذهب بخلاف ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام. وفي تفسيرات سابقة لميشيل في مايو 2023م، أوضح أن الخوف من تعويم جديد للدولار أحد أسباب الإقبال على شراء الذهب، كما أن ارتفاع أسعاره بنسب قياسية خلال فترة وجيزة، شجع الكثيرين على تحويل ما لديهم من سيولة بنكية للاستثمار في الذهب، بالإضافة إلى دخول بعض المستثمرين الجدد إلى أسواق الذهب كمستثمري القطاع العقاري. في إشارة إلى أن عقبات البناء وشلل القطاع المعماري أدى إلى ادخار المصريين أموالهم في الذهب أو الدولار. وحول تفسير التناقض في تصريحاته؛ إذ كيف ترتفع مشتريات المصريين للذهب بنسبة 50% معظمها كسبائك وفي الوقت نفسه يصاب السوق بركود يصل إلى 60%؟ أجاب ميشيل بأن السبب في ذلك هو "قرار إعفاء الذهب الوارد من الخارج من الرسوم الجمركية"، مشيرا إلى أن هذا القرار لم يؤثر على آليات السوق من حيث المعروض بشكل ملموس، إذ إن معظم الذين اشتروا الذهب من الخارج فعلوا بغرض حفظ القيمة، وبالتالي لم يتم عرضه في السوق، كما أن المشتريات الخارجية من الذهب أدت لتراجع الطلب على الذهب في السوق المحلي". وكان مجلس الوزراء قد وافق على مبادرة الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، لزيادة المعروض من الذهب في السوق المحلي عبر السماح للمصريين بالخارج بالدخول بكميات من الذهب دون تحصيل رسوم جمركية، والتي دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من 16 مايو الماضي. وأوضحت مصلحة الجمارك أن الذهب الوارد مع القادمين من الخارج للاستعمال الشخصي معفي تماما من أي رسوم، شريطة أن تكون الكميات غير مبالغ فيها، فيما يتم تحصيل 14% من قيمة التصنيع، والتي تقدر ب80 جنيها للجرام عيار 24 (11.2 جنيها للجرام) على الذهب الوارد للأغراض غير الشخصية. (الدولار= 30.85 جنيها). وبلغ حجم إنفاق المصريين على الذهب بنهاية 2022 نحو 2.2 مليار دولار على شراء الذهب، مقابل 1.97 مليار دولار عام 2021، بنسبة 11%، إذ بلغت الكميات التي جرى عليها الشراء نحو 38 طنا مقابل 34.1 طنا عام 2021، وفقا لتقرير صادر عن مجلس الذهب العالمي. وأظهرت بيانات المجلس التصديري لمواد البناء والحراريات والصناعات المعدنية ارتفاع قيمة صادرات الذهب والأحجار الكريمة بنهاية عام 2022 بنحو 45%، إذ سجلت قيمة الصادرات نحو 1.633 مليار دولار مقابل 1.126 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2021، فيما تراجعت خلال أول 5 أشهر من 2023، مسجلة 425 مليون دولار، مقابل 766 مليون دولار خلال 2022 (- 45%). وتستخرج مصر الذهب من حوالي 270 موقعا، لكن معظمه يتم الحصول عليه من منجم السكري، فيما يقدر حجم الإنتاج السنوي بنحو 15.8 طنا سنويا. ويبدي الخبير الاقتصادي ممدوح الولي ملاحظة مهمة حول سوق الذهب في مصر؛ حيث شهدت أسعار الذهب (عيار 21 قيراطا) -وهو الأكثر انتشارا في مصر- زيادة بنسبة 114% خلال العام الماضي (2022)، مرتفعا من 786 جنيها للجرام آخر عام 2021 إلى 1685 جنيها أواخر 2022، وواصل ارتفاعه خلال الثلث الأول من العام الحالي (2023) بنسبة 54% ليبلغ حوالي 2600 جنيه بنهاية أبريل/نيسان الماضي (2023). وحسب الولي، شجعت تلك الارتفاعات الكثيرين على شراء السبائك والعُملات الذهبية بقصد الادخار، وتحاشي المشغولات الذهبية التي تفقد "تكلفة الصناعة" عند البيع، فزاد الطلب وبقي العرض محدودا، ونظرا لأن الأسعار العالمية للذهب لم ترتفع بالقدر نفسه في تلك الفترة، فقد اتُّهم تجار الذهب بالمغالاة فى تسعيره، كما اتُّهم المشترون بتلك الأسعار العالية بالمضاربة في الذهب. ويضيف: «عالميا كان متوسط السعر العالمي للذهب قد ارتفع من 1790 دولارا للأوقية آخر عام 2021، إلى 1798 دولارا في آخر 2022، ثم إلى 1992 دولارا في نهاية أبريل/نيسان 2023م». ويتابع: «هنا تظهر المفارقة، إذ إن اتجاهات أسعار الذهب في مصر تختلف عن اتجاهات الأسعار العالمية خلال السنوات الماضية؛ ففي عام 2013 انخفضت الأسعار العالمية بنسبة 15.5%، بينما ارتفعت في مصر بنسبة 1%، وفي 2016 زادت الأسعار الدولية نحو 8% في حين زادت في مصر 59%، وفي 2020 زادت الأسعار العالمية 27% في حين لم تزد في مصر عن 21%، واقتربت نسبة الصعود بين الجانبين عام 2021، لكنها عادت فتباينت كثيرا العام الماضي بارتفاع ضئيل دوليا، وكبير محليا»! ويشرح الولي ذلك بقوله: «يفسر تجار الذهب في مصر الأمر بأن التسعير في بلدهم يتم من خلال ثلاثة عوامل رئيسية، وهي: سعر الأوقية عالميا، وسعر الصرف المحلي مقابل الدولار، والعرض والطلب المحلي. وعليه فإذا كان سعر الأوقية دوليا لم يشهد تغيرا كبيرا العام الماضي، فإن العاملين الآخرين قد شهدا محليا تغيرا واضحا، حيث ظهرت السوق السوداء منذ بدايات العام، وزادت حدتها بعد خروج أموال ساخنة بنحو 22 مليار دولار، ولم يفلح الخفض الرسمي لسعر الصرف مرتين خلال العام في إعادتها». ومن جانب آخر يستدل الولي ببيانات جهاز الإحصاء الرسمي تشير إلى انخفاض قيمة واردات الذهب العام الماضي إلى 317 مليون دولار مقابل 831 مليون دولار في العام الأسبق بنسبة تراجع 62%، في بلد بلغ عدد عقود الزواج به 880 ألفا عام 2021، يحتاج كل منها إلى هدية من الذهب للعروس حسب التقاليد. هذا الانخفاض في العرض حسب الولي أثّر على الأسعار خاصة مع اندفاع الكثيرين لاقتناء الذهب بغرض الادخار مع ارتفاع نسبة التضخم، الذي لم تعد معه عوائد الودائع المصرفية ذات جدوى، وزاد الوضع استفحالا لجوء بعض المستثمرين إلى تجميع الذهب لتصديره، والحصول على قيمته الدولارية في الخارج لاستخدامها في استيراد مستلزمات سلعية، وذلك بسبب تأخر البنوك في تدبير العملات الأجنبية للاستيراد. وارتفع جرام الذهب عيار "21" في مصر خلال السنوات الماضية ارتفاعات مذهلة لم تكن متوقعة؛ حيث بلغ سعر جرام الذهب (عيار 21) 263 جنيها عام 2015، وارتفع إلى 418 جنيها في 2016، وإلى 628 في 2017، ثم إلى 778 في 2020، وصولا إلى 1077 جنيها في 2022، ثم 2650 في إبريل 2023م ثم تراجع في يوليو إلى 2150جنيها. وبذلك فقد حقق الادخار في الذهب ارباحا هائلة للمدخرين في الوقت الذي خسر فيه المدخرون في الجنيه بسبب الانخفاض المستمر لقيمته وستبقى الأوضاع على هذه الحالة ما لم يتم وقف انهيار الجنيه وتعزيز قيمته حتى يسترد ثقة الناس فيه.