منذ انقلاب عسكر الانقلاب على الدكتور محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب لمصر ، كانت الإمارات حاضرة بقوة، وتستهدف التوغل الإستراتيجي بمصر، ضمن إستراتيجية طويلة المدى لتعميق دور الإمارات بالمنطقة واختزال قواها الحية في منظومة أبوظبي الإقليمية. وبعد انقلاب السفاح السيسي الدموي على الديمقراطية وتمكين العسكر من حكم مصر على غير إرادة شعبها، جاء رد الجميل للإمارات، ضمن سيناريو إخضاع مصر وتمتين التغول الإماراتي في أعماق مصر، من أجل الوصول لمعادلة إستراتيجية ، تعتمد الإمارات ووجودها السياسي والاقتصادي بمصر أمرا منتهيا لا يمكن الاستغناء عنها. وعبر بوابة الاستثمارات، جاء رد القروض والدعم المالي الإماراتي للانقلاب العسكري والذي أمن للسيسي نحو 100 مليار دولار، مصدرها الإمارات وبعض الشركاء من السعوديين، لجيوب السيسي وقادة الجيش المتورطين بالفساد والاستبداد وقتل المصريين، وتركزت استثمارات الإمارات على الاستححواذ على أصول القطاعات الحيوية الاقتصادية بمصر. ووفق تقديرات إستراتيحية، فلم تكن صفقة استحواذ أحد صناديق أبوظبي السيادية على حصص مؤثرة في خمس شركات مصرية مؤخرا بقيمة 1.8 مليار دولار، سوى استمرار للنهج الإماراتي بالاستثمار في مصر، الذي ارتفعت وتيرته منذ تولي الجيش السلطة في يوليو 2013، حيث بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية المباشرة الداخلة لمصر، خلال السنوات المالية الثمانية الماضية 9.2 مليار دولار، بمتوسط سنوي 1.15 مليار دولار. وتصدرت الإمارات قائمة أكبر المستثمرين العرب مصر. ولم يقتصر الأمر على الاستثمارات المباشرة، بل امتدت إلى استثمارات الحافظة غير المباشرة، حيث كانت من المشترين لأدوات الدين الحكومي المصري والأسهم من خلال البورصة المصرية، بقيمة بلغت 1.3 مليار دولار بالعام المالي 2019/2020، مقابل 872 مليون دولار بالعام المالي الأسبق، وذلك بخلاف مشتريات الشركات الإماراتية العاملة بمصر من أدوات الدين الحكومي. على سبيل المثال، بلغت مشتريات شركة "إعمار" العقارية بالعام الماضي من أذون الخزانة أكثر من 8 مليارات جنيه مصري، وبلغ رصيد بنك "الإمارات الوطني دبي – مصر" 12.6 مليار جنيه من أذون الخزانة بالعام الماضي، وبلغ رصيد بنك "أبوظبي التجاري" 10.8 مليار جنيه من أذون خزانة بالعام الماضي، إلى جانب مشتريات صناديق الاستثمار التي أنشأتها البنوك الإماراتية العاملة بمصر، من أذون وسندات الخزانة الحكومية والسندات الخاصة والأسهم. وامتدت الاستثمارات الإماراتية إلى مجالات المصارف والطاقة والعقار والاتصالات وإدارة الموانئ والتطوير الصناعي، والسياحة والصناعة والأدوية والمستشفيات ومعامل التحاليل الطبية والزراعة، والتعليم والتأمين والتأجير التمويلي والتمويل العقاري والشركات المالية وشركات الوساطة المالية. مع استمرار ترسيخ التواجد الإماراتي بتلك المجالات والدخول بمجالات جديدة مثل المقاولات وإنشاء محطات تحلية المياه، والدفع الإلكتروني والمناطق الاستثمارية وغيرها مع امتداد التعاون مع شركات مصرية مثلما حدث مع مجموعة "صبور" ومع رجل الأعمال نجيب ساويرس بالنشاط العقاري، والتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي ووزارة البيئة وغيرها من الجهات الحكومية. وقد حقق بنك "أبوظبي الإسلامي" عائدا على حقوق الملكية بالعام الماضي بنسبة 21%، من خلال أرباحه البالغة 1.47 مليار جنيه بالمقارنة لحقوق ملكيته البالغة 6.88 مليار جنيه، وشركة "إعمار مصر" العقارية قد حققت عائدا على حقوق الملكية بالعام الماضي بنسبة 18% من خلال الأرباح البالغة 4.1 مليار جنيه بالمقارنة لحقوق الملكية البالغة 22.3 مليار جنيه. كما حققت شركة "اتصالات مصر" أرباحا بلغت 9 مليارات جنيه بالعام الماضي قبل الضرائب، وبالعام الماضي أيضا حقق بنك "الإمارات الوطني دبي- مصر" أرباحا بقيمة 545 مليون جنيه، كما حقق بنك "أبوظبي التجاري" أرباحا بقيمة 491 مليون جنيه، في حين لا ينشر مصرفا "الخليج الأول" بمصر و"المشرق" بمصر قوائم أدائهما المالي. ولهذا تتخارج بعض الاستثمارات كما حدث مع إحدى شركات النفط، وتأجيل بنك الخليج الأول استحواذه على شركة هيرميس لحين استقرار الأوضاع الاقتصادية المضطربة حاليا، وتحين الصندوق السيادي بأبوظبي فرصة تراجع أسعار الأسهم بالبورصة المصرية، لشراء حصص بخمس شركات مقيدة بها، إلى جانب حاجة الجهات البائعة الشديدة للنقد الأجنبي. بالإضافة إلى الاستفادة من المساندة السياسية للاستثمارات الإماراتية، بعد مساندتها لتولي الجيش الانقلابي السلطة منتصف عام 2013 بالمنح والقروض ذات الشروط الميسرة، وتأجيل سداد أقساط تلك القروض أكثر من مرة، ولهذا سمحت السلطات المصرية ببيع نسبة 30% من شركة الإسكندرية للحاويات للمرة الأولى لبيع حصة من شركات الحاويات ذات الأرباح العالية، وبيع حصة بشركة الشرقية للدخان المحتكرة لنشاط إنتاج السجائر كان لشركة إماراتية. وكذلك السماح لبنك "الخليج الأول" بالاستحواذ على بنك عودة مؤخرا، رغم امتلاك الإمارات لخمس بنوك بمصر، وهو عدد لم يتكرر مع أية دولة أخرى، ثم السماح باستحوازها على نسبة 18% من أسهم "البنك التجاري الدولي" أكبر البنوك الخاصة بمصر والذي بلغت أرباحه بالعام الماضي 13.3 مليار جنيه. وكذلك التغاضي عن تعدد الاستحواذات الإماراتية على العديد من المستشفيات المصرية، ومنها "السلام الدولي" بمنطقة المعادي "والسلام الدولي" بمنطقة القطامية، و"كليوباترا" و"النيل بدراوي" و"القاهرة التخصصي" و"الشروق" و"الكاتب" و"مركز الإسكندرية للخدمات الطبية"، بخلاف سلاسل معامل التحاليل مثل "البرج المختبر" و"يوني لاب"، ومنح مجموعة ماجد الفطيم موافقة بإقامة منطقة استثمارية مؤخرا. ووفق تحقيق استقصائي ل"عربي بوست" فإن كثيرا من الشركات الإماراتية العاملة بمصر لا تنشر بياناتها المالية، مثلما يحدث من قبل شركة "اتصالات"، حيث يتحصل على بياناتها من خلال الشركة الأم، وكذلك شركة "موانئ دبي" وشركة مواصلات مصر للنقل الجماعي، وكارفور رغم تخطي عدد الفروع 45 فرعا. كما يتردد أن وزير الزراعة الذي تم الزج به إلى السجن قبل فترة، كان قد رفض منح شركة إماراتية أراضي بمساحات كبيرة، كذلك تعدد شركات الطاقة العاملة بمصر ومنها "دانا غاز" و"مبادلة" التي اشترت 10% من حقل "ظُهر" أكبر الحقول المصرية المنتجة للغاز الطبيعي، وشركة "دارجون أويل" وشركة "بترول أبوظبي"، "الوطنية"، "أدنوك"، و"النويس"، بخلاف نشاط تموين السيارات والطائرات بالوقود مثل شركة الإمارات مصر للمنتجات البترولية. تلك التغولات والاستحواذ ات من قبل الإماراتي تعمق السيطرة الإماراتية على القرار المصري، وتوجه دفة الاقتصاد والسياسة وفق المشروع الإماراتي، وهو ما يجعل مصر رهينة بيد الإمارات، والتي دخلت في تحالف إستراتيجي مع إسرائيل منذ توقيعها اتفاق إبراهام، حيث تقوم الإمارات بدور العراب لصالح إسرائيل. وكانت عدة دوائر غربية قد كشفت مؤخرا عن أن الشركات الإماراتية قد تقوم بدور الكيل لإسرائيل في كثير من مناطق العالم، وقد تمر من خلالها الاستحواذات الاقتصادية ، وهو الأمر القابل للتطبيق في مصر ، وهو ما ينذر بكوارث اقتصادية على المستويات الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية.