وزير العدل يقرر نقل قسم التصديقات إلى مقره الجديد بالسيدة زينب    ميلانيا ترامب تحث على الوحدة بعد عمليات إطلاق النار في مينيابوليس    وادي دجلة يفوز بثلاثية على الزمالك في دوري الكرة النسائية    الداخلية تكشف تفاصيل التهجم على منزل سيدة واختطاف طفليها بالبحيرة    تأجيل محاكمة المتهم بقتل زوجته لاعبة الجودو في الإسكندرية لجلسة الغد    The Sun: مصر ضمن أفضل 10 وجهات سياحية عالمية للزيارة في 2026    جامعة القناة تنظم قافلة للإصحاح البيئي بالتل الكبير بالإسماعيلية (صور)    مستوطنون يطلقون النار صوب منازل الفلسطينيين جنوب نابلس    زلزال بقوة 5.7 درجات يضرب سواحل إندونيسيا    لجان حصر «الإيجار القديم» تعلن الأماكن المؤجرة لغرض السكنى بمحافظة الوادي الجديد    وكيل الشباب بالدقهلية يشهد انطلاق القافلة الطبية للكشف الطبي والكود الطبي للرياضيين    مصلحة الجمارك المصرية تكشف عن حالة وحيدة تمنح المسافر حق الإعفاء الكامل من رسوم الهاتف المحمول عند دخوله البلاد    تعرف على اسعار الذهب اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 فى محال الصاغه بالمنيا    إعلام إسرائيلي: الولايات المتحدة ستعلن خلال أيام موعدا نهائيا لنزع سلاح حماس    محمد أبو زيد يوقع روايته عنكبوت في القلب بجناح دار الشروق في معرض الكتاب    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    الرئيس الجزائري يستقبل كبير مستشاري ترامب    رين يتمسك بمهاجمه ويرفض عرض الهلال لضمه رغم الإغراءات المالية    حلم الحركة يعود.. توجيهات رئاسية تخفف الألم عن ملايين الأسر    أسامة الدليل: مصر تفرض معادلة «فلسطينى مقابل فلسطينى» فى معبر رفح    مقتل 3 أشخاص وإصابة 25 في أوديسا بأوكرانيا جراء هجوم بمسيرات    «غنيم»: ندعم حظر وسائل التواصل للأطفال دون 15 عامًا لحمايتهم من العنف    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    ختام ناجح لتصفيات شمال أفريقيا المؤهلة لبطولة للمدارس    معرض الكتاب يناقش إشكاليات الترجمة الأدبية بين البولندية والعربية    أسعار البترول تواصل صعودها عالميًا.. وخام برنت يكسر حاجز ال 66 دولارًا للبرميل    للعام الثالث على التوالي.. طب عين شمس تحتفي بتخريج الطلاب الوافدين دفعة 2025 | صور    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    القصة الكاملة لفتاة قنا.. قرار جديد من جهات التحقيقات وتفاصيل مثيرة    رئيس الوزراء يتفقد مشروع إنشاء مُستشفى هليوبوليس الجديدة..وافتتاح مستشفى كليوباترا التجمع    علاج النسيان وعدم التركيز بالأعشاب الطبيعية    الأوقاف: تخصيص 30 مليون جنيه قروضًا حسنة بدون فوائد    جامعة أسيوط تشارك في مؤتمر حوادث السفن وسلامة البيئة البحرية بالإسكندرية    عاجل- رئيس الوزراء مستشفى هليوبوليس الجديدة: 42 ألف م2 و400 سرير لخدمة مليون مواطن    نائبا وزيري خارجية أمريكا وطاجيكستان يزوران المتحف المصري الكبير    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    التايكوندو يعلن تشكيل لجنة السلامة وإدارة المخاطر    غيوم ورياح مثيرة للأتربة.. تقلبات جوية فى محافظة بورسعيد.. فيديو وصور    تفاصيل اعترافات المتهم بقتل أم وأطفالها الثلاثة فى فيصل قبل الحكم.. فيديو    كشف ملابسات واقعة سرقة معدات موقع صرف صحي بالشرقية    اسكواش – رباعي مصري يحسم تأهله لنصف نهائي بطولة الأبطال    رئيس الاتحاد الإسباني: نهائي كأس العالم 2030 سيقام في إسبانيا    اندلاع حريق داخل مصنع إسفنج فى البدرشين    معرض الكتاب.. الشاعر الأردني "محمد جمال عمرو" ضيفا في جناح الطفل وحفل توقيع كتابه "أحلام صغيرة"    إطلاق «المكتبة العربية الرقمية» بالشراكة بين مركز أبوظبي للغة العربية    سعر طبق البيض بالقليوبية الثلاثاء 27 - 1 - 2026.. الأبيض ب117 جنيها    وكيل الأزهر: الوفاء لتراث أئمتنا لا يكون فقط بنشر نصوصهم وإنما بكيفية تقديمه وفهمه في سياقه التاريخي    بمشاركة 439 طالبًا.. جامعة أسيوط الأهلية تشهد انطلاق دورة للتربية العسكرية والوطنية    لطلاب الدمج.. تعرف على ضوابط ومواصفات امتحان الثانوية العامة 2026    الفريق أول عبد المجيد صقر يلتقي نائب وزير الخارجية الأمريكي    منع الزيارة عن الفنان سامح الصريطي وزوجته ترافقه داخل العناية المركزة    استشهاد 4 فلسطينيين بقصف للاحتلال الإسرائيلى شرق مدينة غزة    كامل الوزير: نتطلع لزيادة عدد المصانع الأمريكية بمصر في مختلف المجالات    شوبير يوضح موقف الأهلي من أزمة ناشئي بيراميدز    مصر تنافس على المركز الأول في صادرات الملابس بأفريقيا ب 3.4 مليار دولار    نيابة عن رئيس الوزراء.. خالد عبدالغفار يشارك في احتفال سفارة الهند بالذكرى ال77 لعيد الجمهورية    حين تفتح أبواب السماء.. 7 أسرار نبوية للدعاء المستجاب    أمين الفتوى بدار الإفتاء: المأذون شريك في الحفاظ على استقرار الأسر المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نص كلمة شيخ الأزهر في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
نشر في الوطن يوم 22 - 12 - 2015

حصلت "الوطن" على نص كلمة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، الذي حضره الرئيس عبدالفتاح السيسي، وجاء فيها:
في بدايةِ كَلمتي يُسعدني أن أتقدَّمَ إليكم سيادةَ الرَّئيسِ ولشعبِ مصرَ، والأُمَّتينِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ شُعوبًا وحُكَّامًا، بأَطيبِ التَّهاني بحُلولِ ذِكرَى مَولِدِ خَيرِ النَّاسِ وأَعظَمِهم، وأَرحَمِهم وأَنبَلِهم، سَيِّدِنا محمَّدٍ صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه، وعلى إِخوانِه منَ الأنبياءِ والمرسلينَ.
كما يَسُرُّني أن أَتقدَّمَ لإخوتِنا المسيحيِّينَ في مصرَ والعالَمِ كُلِّهِ: شَرقِهِ وغَربِهِ، بِأطيَبِ التَّهَانِي بذِكرى ميلادِ نَبيِّ المحبَّةِ والمودَّةِ والسَّلامِ، سيِّدِنا عيسى بنِ مَريمَ، سلامُ اللهِ وتَحيَّاتُه عليه، يَومَ وُلِدَ، ويَومَ يَموتُ، ويَومَ يُبعَثُ حَيًّا.
وإنَّهُ لَمِن بَشائرِ الخَيرِ، وعَلائمِ اليُمنِ وأَماراتِ الفَأْلِ الحَسَنِ: أَن نُوَدِّعَ عامَنا هذا، ونَستقبِلَ بعدَ أيَّامٍ مَعدوداتٍ، عامَنا الجديدَ في ظِلالِ هاتينِ المناسَبتينِ الكَريمتينِ، وما تَبعَثانِهِ في نُفوسِ المسلمينَ والمسيحيينَ مِن نَفَحاتِ الأَملِ في عامٍ جديدٍ، وغَدٍ مُشرِقٍ، حافِلٍ -بإذنِ اللهِ-بالإخاءِ، والوَلاءِ للوطنِ، وبَذلِ المزيدِ منَ الجُهدِ والعملِ والعَرَقِ، لترسيخ الاستقرارِ، وتَحقيقِ الخيرِ والنَّماءِ والتَّقَدُّمِ، والوُقوفِ في مواجَهَةِ الإرهابِ وجماعاتِ العُدوانِ المسَلَّحِ على البِلادِ والعِبادِ.
يَصعُبُ كَثيرًا، بل يَستَحيلُ، على المتَأمِّلِ في تاريخِ نَبيِّ الإسلامِ أن يُلِمَّ بسيرتِهِ العَطِرَةِ في جِلسَةٍ، أو مُحاضَرَةٍ واحدةٍ، أو يَعرِضَ لجانِبٍ واحدٍ من جَوانبِ عَظَمَتِه الإنسانيَّةِ والنَّبويَّةِ؛ وذلكَ لأنَّ حياةَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هي صورةٌ مُجَسَّدَةٌ للإنسانِ الكاملِ، والشَّخصيَّةِ العظيمةِ، في شَتَّى وُجوهِها وجَميعِ أَنحائِها، إذ تَفَرَّدَ تاريخُه صلى الله عليه وسلم بأنْ سُجِّلَ في كُتبِ التَّاريخِ والسِّيَرِ تَسجيلًا دَقيقًا، حتَّى لم تعُدْ تخفَى علينا خافيةٌ في طفولتِه أو شبابِه أو شمائلِه الخِلْقيةِ وصفاته الخُلُقيةِ، وأكادُ أقولُ: بل وكلّ حركَاتِه وسكناتِه، كلُّ ذلك سطره المؤرِّخون في أكثرَ مِن مائةِ بابٍ مِن أبوابِ السِّيرةِ والتاريخِ، سرَدُوا فيها أحوالَه، وأحصَوْا فيها أنماطَ سلوكِه وتصرُّفاتِه في العاداتِ والمعاملاتِ والعباداتِ، وهذا أمرٌ لم نعهَدْه في تاريخِ عظيمٍ مِن العظماءِ غيرِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقد كانَتْ هذه العظمةُ الواسعةُ، في هذه الشَّخصيةِ الواسعةِ، مصدرَ نورٍ وهدايةٍ للحَيارَى والتَّائهينَ، ومنبعَ قدوةٍ وأُسوةٍ لكلِّ مُستشرِفٍ لمعنًى من معاني الحقِّ والخيرِ والجمالِ.
ولقد جسَّدَتِ الذاتُ المحمَّديةُ "الأُسوةَ الصالحةَ والمنهجَ الأعلى للحياةِ الإنسانيةِ في جميعِ أطوارِها؛ لأنَّها جمَعَت بينَ الأخلاقِ العاليةِ، والعاداتِ الحسنةِ، والعواطفِ النَّبيلةِ المعتدلةِ، والنَّوازعِ العظيمةِ القويمةِ".
فالغنيُّ الثَّريُّ لا يَعدَمُ الأُسوةَ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهو يروحُ ويغدُو بقوافلِ التِّجارةِ بينَ الحجازِ والشامِ، والفقيرُ المُعدِمُ لا تفوتُه الأُسوةُ به صلى الله عليه وسلم بعد أن صدَعَ بأمرِ اللهِ وحَمَلَ رسالةَ الدِّينِ، وتخفَّفَ مِنَ الدُّنيا، حتَّى صحَّ مِن سيرتِه صلى الله عليه وسلم أنَّه خَرَجَ مِن الدنيا ولم يشبَعْ مِن خُبزِ الشَّعيرِ، وكذلكَ يتأسى به القائد منصرًا كان أو منهزمًا، وكذلكَ التاجرُ والعاملُ، وقُلْ مثلَ ذلك في المعلِّمِ والمتعلِّمِ والصَّغيرِ والشَّابِّ والكبيرِ والأبِ والزَّوجِ والصَّديقِ، واليتيمِ والمتألِّمِ والمهمومِ والمحزونِ والصَّحيحِ والمريضِ وغيرِهم.
فكلُّ هؤلاءِ وأمثالُهم يجِدونَ في سيرتِه صلى الله عليه وسلم القُدوةَ والأُسوةَ، أو التَّسليةَ والعَزاءَ، ويرونَ في شخصِه العظيمِ الأُنموذجَ والمثالَ.
ولا عجبَ في ذلكَ بعدَ أن اختارَه اللهُ مجمعَ الكمالاتِ الإنسانيةِ، والحقائقِ الإيمانيةِ، وقالَ فيه: "مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا" {النساء: 80}، وقال: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" {آل عمران: 31}، بل قال ما هو أبعدُ مِن ذلك: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ" {الفتح: 10}.
واليومَ، ونحنُ نَحتَفِلُ بمولِدِ هذا الرسولِ الكريمِ؛ نشعُرُ بأننا في أمَسِّ الحاجَةِ إلى تجديدِ حياتِنا في شَتَّى مَناحِيها: الشخصيَّةِ والاجتماعيَّةِ والإنسانيَّةِ، على هَدْيٍ مِن الأخلاقِ المحمديَّةِ، وأَن نلتَمِسَ في رياضِها عِلاجًا للأَزَماتِ التي تمرُّ بها أمتُنا العربيَّةُ والإسلاميَّةُ، وبَدَتْ سُحُبُها السَّوْداءُ تتجمَّعُ في الآفاقِ، وتُنذِرُ بأَوْخَم العواقِبِ.
ومَرَّةً أخرى: لا يَصلُحُ آخِرُ هذه الأمَّةِ إلا بما صَلَحَ به أولُها، وأولُ ما صَلَحَ به أمرُ الأمَّةِ هو تأسيسُ وَحدتِها على أساسٍ مِن الأُخوَّةِ الدينيةِ والوطنيةِ، كما هو مَسطورٌ في وثيقةِ المدينةِ المنوَّرةِ ودُستورِها.
ونحنُ نَعلَمُ أنَّ صاحِبَ هذه الذِّكرَى قد بُعِثَ في أمَّةٍ وثنيةٍ ممزقة ومُتفرِّقةٍ؛ أمةٌ مُمزقة في عقائدها، حيث اتخذَتْ كلُّ قبيلةٍ منها وَثَنًا خاصًّا تعبُدُه وتتميَّزُ به عن القبائلِ الأخرى، وأمةٌ مُتفرِّقةٌ في نِظامِها الاجتماعيِّ إلى طبقاتٍ تنظُرُ كلٌّ منها إلى الأخرى نظرةَ استعلاءٍ ممزوجٍ بالعَداءِ، وكذلك كانت مُتفرِّقةً في أمرِ حكمها ونظامِها، حيثُ لا حُكومةَ ولا قانونَ، بل عَصَبيَّةٌ قَبَليَّةٌ لا مَكانَ فيها لأُخُوَّةٍ في وطنٍ أو عَقيدةٍ أو عَيْشٍ مُشترَكٍ، اللهُمَّ إلا أُخوَّةَ القبيلةِ، وعقيدةَ الدَّمِ، ومَنطِقَ السَّطْوِ والغَلَبةِ.
هذه الأمَّةُ التائهةُ تحوَّلَتْ على يدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه بعدَ هِجرتِه للمدينةِ إلى مجتمعٍ مثاليٍّ يقتربُ مِن الجمهورياتِ المثاليَّةِ والمدنِ الفاضِلةِ التي داعَبَتْ أحلامَ الفلاسفةِ وأَخْيِلَتَهم، ومِن العجيبِ أن يَتِمَّ هذا التحوُّلُ مِنَ النَّقيضِ إلى النَّقيضِ في فترةٍ زمنيَّةٍ لم تَزِدْ على عَشْرِ سنينَ! ولم يمرَّ على هذه الأمَّةِ الوليدةِ تسعون عامًا حتى رفرفَتْ أعلامُها بالعدلِ والخيرِ والسلامِ على أقطارِ العالَمِ آنذاكَ مِن الأندلس غربًا إلى الصين شرقًا.
واليومَ، وبعدَ أن ضَعُفَتْ فيما بيننا أواصِرُ الوَحدةِ، وتقطَّعَتْ وشائِجُ الأُخوَّةِ في الدِّينِ وفي العُروبةِ، واستحكَمَتْ نَزَعاتُ العَصَبيَّةِ بين مَذاهِبَ وطوائفَ، طالما تآخَتْ على مَدَى أكثرَ مِن أربعةَ عَشَرَ قرنًا مِن الزمانِ، واستقرَّتْ على التفاهُمِ والتسامُحِ والاحترامِ المتبادَلِ، وبعد أن تنازَعْنا وصار بأسُنا بيننا، واستحَرَّ القتلُ على المذهبِ والطائفةِ والعِرْقِ؛ ليس أمامَنا -بعدَ كلِّ ذلكَ- إلَّا أن نَستَلْهِمَ سِيرةَ صاحِبِ الذِّكرى وهَدْيَه في القضاءِ على العَصَبيَّاتِ والتحزُّباتِ، والخروجِ مِن هذا المأزِقِ الذي لا ندري هل دَخَلْناهُ مُختارِينَ أو مجبورينَ، وبوَعْيٍ أو بدونِ وَعْيٍ؛ وذلكَ حتى لا يتحقَّقَ فينا الوعيد الإلهيُّ، في قولِه تعالى: "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" {الأنفال: 46}.
وقولهِ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الشَّريفِ: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا" قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ".
وانظُرُوا حَضَراتُكُم إلى هَذا التَّصويرِ النَّبويِّ الَّذي يَنطَبِقُ تَمامَ الانطِباقِ على أوضَاعِنا الرَّاهنةِ اليَومَ، فهُناكَ قَصعَةٌ فِيهَا طَعامٌ شَهيٌّ، وهُناكَ جائِعونَ مُتربِّصونَ بهذهِ القَصعَةِ، يَدعُو بَعضُهُم بَعضًا للانقِضَاضِ عليها واقتِسَامِهَا فِيمَا بَينَهُم. ولَو أنَّكَ تَرجَمتَ قَصعَةَ الطَّعامِ في الحديث الشريف بثَرَواتِ العربِ والمسلمينَ المادِّيةِ والفِكريَّةِ والبشريَّةِ لانطَبَقَت الصُّورةُ على واقِعِنا الآنَ تَمامَ الانطِبَاقِ.
نَعَم لَيسَ أمَامَنَا الآنَ إلَّا أَنْ نَقِفَ إلى جِوارِ دَعَواتِ الوَحْدَةِ والاتحادِ والتَّحالُفِ، وإلا أَنْ نَدعَمَها ونُؤازِرَها، فَهِيَ وَحْدَها -بعدَ اللهِ تَعَالى-الكَفِيلَةُ بإنقَاذِ أُمَّتِنا مِنْ أَزَمَاتِها الخانِقَةِ، هذهِ الأُمَّةُ التي يتوفَّرُ لهَا مِنْ مُقَوِّمَاتِ التَّحَالُفِ والاتحادِ ومصادرِ القوَّةِ ما لَمْ يتوفَّرْ لغيرها مِنْ دُوَلٍ اتَّحدتْ رَغْمَ تبايناتِ اللُّغَةِ والعِرقِ والمذهَبِ والطَّائفةِ، ولعلَّ مِنْ نَفَحاتِ صاحِبِ هذهِ الذِّكرى مَا أَلهمَ اللهُ بِهِ قَادَةَ العَرَبِ والمسلمينَ، وجمَعَ عَلَيهِ قُلُوبَهم مِنْ إعلانِ التَّحالُفِ الإسلاميِّ العَسكريِّ للتَّصَدي للإرهَابِ ولجَمَاعَاتِ العدوان المسلَّح، ونحنُ وإِنْ كُنَّا في الأزهرِ-سِيَادَةَ الرَّئيسِ- نُؤمنُ بضَرُورةِ التَّصَدِّي العَسكَريِّ والأمني لهذا الوَباءِ الَّذي ابتُلِيَت بِهِ الأُمَّةُ، ونُرَحِّبُ أَوْسَعَ التَّرْحِيبِ بِهذا التَّحَالُفِ الَّذِي نَسْألُ اللهَ تَعَالى أَنْ يَجْعَلَ عَلَى يَدَيْهِ نِهَايَةَ هَذا الْكَابوسِ الجَاثِمِ عَلَى صُدُورِ النَّاسِ فِي الشَّرْقِ والْغَرْبِ؛ فَإنَّ الأَزْهَرَ –إلى جانبِ ما بَذَلَه ويبذُلُه مِن جُهودٍ في هذا المجالِ- لا يمَلُّ مِن تَكرارِ نِدَائِه وَدَعْوَتِه لِتَحَالُفٍ عَرَبيٍّ إِسْلاميٍّ مِن أحرارِ العلماء والصادِقينَ مِن رِجالِ الفِكرِ، لِمُوَاجَهَةِ الإرهاب بنقض أفكاره، وتفكيك مقولاته فِي أَذْهَانِ ضَحَايَاهُ؛ لِإِيمَانِنَا بِأَنَّ العُدْوَانَ إِذا كَانَ يُواجَهُ بِالسِّلاحِ، فَإِنَّ الْفِكْرَ إِنَّما يُواجَهُ بِالحِوَارِ وَالحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
هذا وإنَّ الأزهر في دعوته لوحدة الأُمَّة واتِّحادها يعي جيدًا خصوصيات الأقطار العربية والإسلامية، وإنَّما يدعو إلى وحدة الأهداف العليا والمصالح المشتركة المبنية على التكامل والتشاور وتوحيد الجهود.
ولا يسعني في ختام كلمتي إلَّا أن أتذكر شهداء مصر الذين ضحَّوا بأرواحهم وأنفسهم، وقدّموا أغلى ما يمتلكون دفاعًا عن وطنهم وعن أهليهم، سائلًا المولى سبحانه أن يتقبلهم في عليا الجِنان، وأن يرزق أهلهم وذويهم الصبر والرضا بقضاء الله الذي لا رادّ لقضائه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.