من الصعوبة بمكان أن تجمع مفردتى «الدين» و«الفساد» فى جملة مفيدة. فالدين فى جوهره دعوة للإصلاح، وحرب على الفساد. يقول الله تعالى فى كتابه الكريم: «والله لا يحب الفساد»، ويقول: «إن الله لا يحب المفسدين». فالله تعالى لا يحب الفساد ولا المفسدين. ولست أدرى كيف يركّب البعض مفردتى الدين والفساد فى أذهانهم، فتجدهم يجعلون الدين نفسه موضوعاً للفساد. ولست بحاجة إلى تذكيرك برشوة «إفطار الصائمين» على مأدبة بلغت تكلفتها 14 ألف جنيه، والحصول على رحلات حج سياحى قيمة الرحلة الواحدة 70 ألف ريال، والتى جاءت ضمن قائمة الرشاوى التى ذكر بيان النيابة العامة أن وزير الزراعة السابق «صلاح هلال» حصل عليها فى تلك القضية الشهيرة. دعك من هذا وتعال إلى وزارة يُفترض فيها العمل لخدمة الدين والمسلمين، وهى وزارة الأوقاف. لعلك قرأت التقرير الذى نشرته جريدة «الوطن» حول المخالفات المالية داخل هذه الوزارة. من بين ما جاء فى هذا التقرير أن الوزارة فتحت حسابات خاصة فى بنوك تجارية دون سند قانونى قيمتها 274.3 مليون جنيه، وكشف أيضاً أن الوزير وقّع على صرف مكافآت تجاوزت الخمسة ملايين من الجنيهات، بالإضافة إلى حوافز إثابة بلغت نسبتها 150% لحرسه الخاص وسائقيه، بالإضافة إلى مخالفات أخرى أحيل من يريد الاطلاع على تفاصيلها إلى موقع جريدة الوطن. الوزير من طرفه لم يرد أو يعلق على الكلام المنشور، وعموماً العهدة فيما اشتمل عليه من معلومات على إدارة التفتيش بوزارة المالية. لست أثبت على الوزير أنه جاء بما ورد فى التقرير، فتلك مسئولية القضاء، لكننى أتساءل عن مسئوليته، كوزير أوقاف، عن إهدار ولو جنيه واحد فى غير ما يرضى الله. كيف وهو الرجل الذى ينطق لسانه بما قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، كيف وهو واحد من الممثلين للإسلام الرسمى للدولة، كيف وهو الذى يشرف على إنفاق مال المسلمين فيما ينفع المسلمين، وليس فيما ينفع حرسه وسائقيه وأعضاء مكتبه وحوارييه؟ الوزير مسئول حتى ولو كان المهدر جنيهاً واحداً، وهو أولى من غيره بأن يعطى القدوة والمثل فى المحافظة على مال الغلابة! لقد سمعت وزير الأوقاف يتحدث أكثر من مرة بخطاب حاد ولهجة قاطعة عن جماعة الإخوان التى تتاجر بالدين، ويرخّص فى سبيل القضاء على كل متاجر بالدين استخدام ما هو ممكن من أدوات. ومؤكد أن كثيرين اقتنعوا بكلامه فى هذا السياق، فليس أسوأ من أن يتاجر الإنسان بدينه، ويخلط المقدس بمطامع الدنيا، والسؤال الذى أريد أن أسمع من الوزير إجابة عليه الآن هو: ما الحكم الشرعى على من يجعل من الدين نفسه موضوعاً للفساد؟ هل يفوق إثمه إثم من يجعل الدين وسيلة للتجارة أم يعادله؟ دعونا نقرب الفكرة أكثر ونسأل: ما رأى الوزير فى «وزير» يمنح نجله وزوجته رحلتى حج على نفقة الوزارة التى يتسلطن على كرسيها؟.. الحجة كده تبقى نافعة يا شيخ؟!