منذ رحيله قبل خمس سنوات، وابتسامته الرائقة لا تفارق مخيلتى. كان يضحك ما وسعه، هارباً من أحزانه المزمنة، وأوجاعه المفرطة، التى امتدت من غرف الفقراء الضيقة المقبضة إلى شرايينه. عرفته مؤخراً فمر كطيف جميل فى حياتى المترعة بالهموم. تزاملنا فى رحلة خارج مصر لأيام، وتقابلنا على بعض مقاهى القاهرة لساعات، لكنه حفر علامة فى قلبى وعقلى، فعزمت على صداقته حتى آخر العمر، وآمنت بأن بساطته الآسرة تنطوى على عمق إنسانى سحيق، وطبع أصيل، وقدرة فائقة على فرز البشر، وتصنيف الأفكار والرؤى. إلا أن صاحبى الجميل رحل دون أن يودعنى أو أودعه، بل لم أكن بجانبه وهو يكابد الألم وينتظر الرحيل، لأننى انشغلت عن مقابلته أو زيارته أو مهاتفته لبضعة أسابيع، وكان جهلى بالغيب يصور لى أن هذا الانقطاع ليس سوى لحظة عابرة فى زمان صداقتنا الغضة، ستنزوى فى أركان النسيان، ليعود تواصلنا من جديد. رحل الباحث الاجتماعى القدير محمد حاكم بعد معاناة قصيرة مع مرض عضال، ومعاناة طويلة مع أحلامه، التى كانت دوماً عصية على الترويض. أغمض عينيه وفى رأسه عشرات الأفكار التى كان ينوى أن يفتح لها نافذة على دنيا الواقع، فتنتقل من التخيل إلى التحقق، لكن القدر لم يمهله، وخطفته المنية من الأمانى، ليترك لنا قليلاً من كثير، كان بوسعه أن يبذره أمام عيوننا وأفهامنا، لو كان قد درب نفسه على الدأب، وعود جسده على أن يلتصق طويلاً بالمنضدة، وآمن بالحكمة الأثيرة التى أطلقها نجيب محفوظ وطبقها، والتى تقول إن «جل العبقرية يقوم على بذل الجهد». كانت مناقشاتنا، على قِصر أيامها، تدور حول هذه المعانى، فكنت ألومه على ظلمه لطاقته العقلية، وأطلب منه أن ينخرط أكثر فى عوالم الكتابة، وكان يعدنى بأن يعكف على ما يشغل رأسه، ويمنحه الفرصة كى يولد على صفحات الورق، وبين حنايا السطور. وأهدانى ذات مرة عدداً من دورية كان يصدرها «السيديج» الفرنسى، يحوى دراسة له، وقال لى وعيونه تلمع فى ضوء الحجرة الشفيف، الذى تهديه إليها شمس الأصيل الذابلة: «هو العدد الأخير لدىّ، فحافظ عليه». وهرعت إلى البيت لأرى «حاكم» على الورق، فتُجلى عيناى باحثاً قديراً، وكاتباً كبيراً، وأنا ألتهم السطور، العامرة بالمعانى. وما إن انتهيت من قراءة البحث حتى هاتفته لألومه على حرماننا من أمثال هذه الأبحاث، وتراخيه فى مواجهة سلطة الزمن وسطوته. وحكى لى عن رسالته للماجستير، التى تدور حول الريف والمدينة بمصر فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، واحتفائه واحتفاله بزمن محمد على، صانع مصر الحديثة، وقال لى وهو يهز رأسه بإيماءات من يقين: «سترى هذه الرسالة قريباً فى كتاب». وتحقق له ما أراد، حين صدر كتابه «أيام محمد على» عن المجلس الأعلى للثقافة، لكنه لم ينعم بإمعان النظر طويلاً فى غلاف كتابه وسطوره، كما يفعل كل الكتّاب كلما تدفع إليهم المطابع بأبنائها الجدد، ولم أظفر أنا باصطياد لحظة كهذه فى عيون حاكم وملامحه، فقد كان يحزم أمتعته البسيطة لرحلته الأخيرة، بينما أنا غافل عنه، تائه فى شوارع مفتوحة على الغربة والضياع، متوهماً أن الوقت ملك يمينى، وطوع بنانى، وسيتيح لى حين أريد أن أرى «حاكم»، ونتناقش معاً حول كتابه الأول والأخير، كما تناقشنا حول مقاله الأسبوعى فى صحيفة «الدستور». لكن «حاكم» عوّض قلة الكتابة بكثرة الحركة، مؤمناً بأن هذه لا تقل عن تلك، فانتمى فى ميعة الصبا إلى الحركة الطلابية المصرية، وناضل بين صفوفها من أجل حياة أفضل. وأثناء حياته العملية تنقل بين جريدة «الأهالى» والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، وكان كثيرون يعدّونه التلميذ النجيب للأستاذ السيد يس، ثم انخرط فى التعاون مع «السيديج» فى برنامج بحثى، حضرت بعضاً من محاضراته وجلساته، عن القضايا الحيوية التى تعيشها مصر فى الوقت الراهن، مثل «الإصلاح الدستورى» و«الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامى»، علاوة على «مناهج البحث فى العلوم الاجتماعية». وبالإضافة إلى هذا كان «حاكم» يعد برنامجاً تليفزيونياً ناجحاً، ويحلم بأن يفعل الكثير ليحصد وطنه الحياة التى تليق به، ويظفر هو برضاء أكثر عن نفسه، يزيد من اتساقه الداخلى، وسلامة طويته، وتطابق كلامه مع أفعاله. ما سيبقيه الزمن من «حاكم»، إلى جانب كتابه المهم وبحثه الفريد، هو إخلاصه لوطنه، وحبه للناس، وإيثاره الجميع على نفسه، وكرمه اللافت، وابتسامته المشرقة، التى لا تفارق شفتيه، وآثار أقدامه التى كانت تدب فى وسط المدينة بثقة متناهية، وإقبال شديد على الحياة الدنيا، لكنه ظفر بحياة أفضل فى رحاب ذى الجلال، هناك.. حيث الخلود، والرحمة والعدل والسلام والسكينة، التى كان «حاكم» يحلم بأن يجدها بين الآدميين المتعبين، لكنه مضى كدفقة من نسيم عليل، وترك كل شىء وراء ظهره، كما سنفعل جميعاً، حين تحين لحظة الخلاص والحرية الأبدية.