الضربة الحديدية، نتنياهو يقر خطة الهجوم الإسرائيلي على إيران    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    فيديو.. وزير الطيران يكشف تفاصيل إلغاء كارت الجوازات للقادمين والمغادرين نهاية يناير الجاري    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 5 يناير 2026    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    بعد إثارتها الجدل بسبب محمد عبد المنصف، من هي إيمان الزيدي؟    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشرق الأوسط فى انتظار «ربيع العلم»
نشر في الوطن يوم 21 - 03 - 2014

الشرق الأوسط غنى بالموارد البشرية والطبيعية، لكن العديد من بلدانه فى حاجة إلى تحولات ثقافية وعلمية حتى تصل إلى المستويات العالمية فى مجالات التعليم والبحث العلمى والإنتاجية الاقتصادية. وهناك بعض المؤسسات التى نجحت فى إحداث تأثير إيجابى، وهذا يشعل الأمل لبداية «ربيع العلم» فى المنطقة.
قد تكون نتائج الانتفاضات فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير واضحة حتى الآن، ولكن ما هو واضح أن تحولا سياسيا قد حدث، وأن المواطنين فى بلدان مثل مصر وتونس لن يسمحوا بالعودة إلى الحكم الشمولى؛ فهذه الشعوب لم تعد فقط قادرة على الخروج للشوارع وإسقاط الحكومات، لكنها أيضا لن تقبل بأوضاع اقتصادية وتعليمية متدهورة؛ فهم يرون العالم من خلال مواقع التواصل الاجتماعى والإنترنت، ويتساءلون: لماذا فشلوا فى تحقيق ما حققه نظراؤهم فى كوريا الجنوبية أو الصين؟
قد يجادل بعض الخبراء بأن الديمقراطية،
هى فقط ما ينبغى أن يكون الناتج لهذه الانتفاضات، لكن التحولات الثقافية والعلمية على نفس القدر من الأهمية؛ فهى ضرورية لتحقيق التنمية ودعم الدبلوماسية. ويجب أن نتذكر أن تطور الحضارة الغربية كان خلال «عصر التنوير» الذى سبق تحقق الديمقراطية الحديثة، وكل من التنوير والديمقراطية سبقا شكل الحكم والنظام الاجتماعى الحاليين فى الدول الغربية.
لقد كنت مهتماً على مدى عقود -سواء على المستوى الشخصى أو بصفتى الرسمية- بهذه القضايا فى الشرق الأوسط وتأثيرها على قضية إتاحة العلم لغير القادرين وما يرتبط بذلك من دور برامج المساعدات ونشر العلم فى الدول النامية. وفى نوفمبر 2009، كُلفت بأن أكون أول مبعوث علمى للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، وسرعان ما بدأت مهمتى بزيارة عدة بلدان فى المنطقة، هى: مصر، البلد الأكثر سكاناً فى العالم العربى (85 مليون نسمة) التى يبلغ فيها نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى (GDP) 6500 دولار، وتركيا (80 مليون نسمة) التى يبلغ فيها نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى 15 ألف دولار، وقطر (2 مليون نسمة، يمثل تعداد القطريين نحو 300 ألف مواطن فقط) التى يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى فيها 100 ألف دولار. وتظهر الإحصاءات «كما هو مبين فى الشكل أسفل الصفحة» تعداد السكان ونصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى لهذه البلدان، بالإضافة إلى كل من إيران (تقريبا نفس عدد سكان مصر) وكوريا الجنوبية التى حققت تقدماً علمياً ملحوظاً فى العقود الماضية ويتمتع بمعدل أعلى بكثير من مصر من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى.
خلال هذه الزيارات، عقدت اجتماعات مع شرائح عريضة شملت المسئولين الحكوميين (رؤساء الدول ورؤساء الوزراء والوزراء وبعض أعضاء البرلمان)، وأعضاء من قطاع التعليم (المعلمين والطلاب وأساتذة الجامعات)، ومؤسسات التعليم العالى والبحث العلمى (من الجامعات الخاصة والحكومية)، وأعضاء من القطاع الخاص (من الاقتصاديين والصناعيين والكتاب والناشرين) وبعض ممثلى وسائل الإعلام. وقد كشفت هذه الزيارات عن حجم مأساة التعليم والعلوم فى المنطقة، فكلاهما (العلم والتعليم) متخلف بالمعايير الدولية، وعواقب هذه الحقيقة كانت جلية فى تقرير التنمية البشرية فى العالم العربى لعام 2003، الذى أُعد تحت رعاية البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة. والأرقام تتحدث عن نفسها؛ فمثلاً بينما تنفق كل من كوريا الجنوبية وإسرائيل 4٪ و5٪ من الناتج المحلى الإجمالى على «البحث والتطوير» والتعليم على التوالى، تنفق مصر على البند الأول 0٫4٪ من الناتج المحلى الإجمالى فقط، مع ملاحظة أن نصيب الفرد فى مصر من هذا الناتج الإجمالى لا يزيد على 6500 دولار مقابل 30 ألف دولار فى كل من كوريا الجنوبية وإسرائيل. المثير للدهشة أن الأوضاع الحالية فى مصر الآن تتناقض بشكل كبير مع مستوى المدارس والجامعات الجيد فى الستينات من القرن الماضى، وقد استفدت شخصياً من هذا النظام بالحصول على تعليم ممتاز فى مصر فى تلك الفترة.
فى الشرق الأوسط، تتصدر إسرائيل اليوم الساحة العلمية، وجزء كبير من ناتجها المحلى الإجمالى تقوده الأبحاث العلمية المتطورة. وبشكل عام، تُظهر مؤشرات النشر والاقتباس تحسناً مشجعاً فى المنطقة على مدى العقد الماضى (الشكل2). ومع ذلك، فإن الإنجاز العلمى للعرب والإيرانيين أو الأتراك يظل متواضعاً أمام إنجازات إسرائيل والغرب. ومن الطبيعى أن نسأل لماذا لم ينتج العلماء -فى مجموعهم- فى هذه الدول مقارنة بنظرائهم فى الغرب والدول الصاعدة فى الشرق؟ الأسباب عديدة، منها الأمية التى ورثناها من حقبة الاستعمار، وسوء الحكم والقيود المفروضة على التفكير الحر خلال أكثر من خمسين عاماً مضت، واستمرار تدهور التعليم الأساسى بسبب السياسات غير الفعالة فى التعامل مع تضخم أعداد الطلاب. لكن بعيداً عن الأسباب التى قادتنا إلى الوضع الراهن، من المهم أن نفهم ما يجرى عمله الآن لتغيير هذا الوضع. والواقع أن ما يجرى يختلف من بلد لآخر، وسوف أسوق هنا أربعة أمثلة لدول متجاورة جغرافياً ويجمعها الإسلام كدين وثقافة لأغلبية مواطنيها:
قطر
فى الخليج، عملت سابقاً فى مجلس إدارة مؤسسة قطر لما يقرب من 10 سنوات، وهى الفترة التى شهدت ميلاد تجربة جديدة فى التعليم الجامعى؛ تمثلت فى نقل نظم الجامعات الغربية ومناهجها للدوحة بهدف تقديم تعليم متطور لطلاب المنطقة. اليوم، يوجد فى قطر العديد من الجامعات ذات السمعة الطيبة، التى ترعاها مؤسسة قطر مثل جامعة «كارنيجى مللون» للحاسب الآلى والعلوم البيولوجية، وكلية طب «وايل كورنيل» وجامعة «جورج تاون» المتخصصة فى الشئون الدولية والاقتصاد. هذه الجامعات وغيرها تمنح طلابها درجات علمية فى الدوحة ولكن تحمل الأختام الأم فى بيتسبرج ونيويورك وواشنطن. هذه التجربة كانت مكلفة جداً للدوحة، لكنها ناجحة أيضا؛ لأنها جلبت معها ثقافة جديدة للتعلم ووضعت معايير جديدة فى مجال التعليم. فى الوقت الراهن تخدم هذه المؤسسات عدداً محدوداً نسبياً من السكان، ولكن مع مرور الوقت ستُمنح فرص لعدد أكبر من الطلاب للاستفادة من هذه التجربة، وذلك لأن الحكومة القطرية قد خصصت بالفعل المساحة والأموال اللازمة لاستمرار تجربة المؤسسة.
تركيا
على مستوى الدراسات العليا، هناك مؤسستان، إحداهما فى تركيا والثانية فى المملكة العربية السعودية، تقدمان مستوى مختلفاً ومميزاً من التعليم وقادرتان على تحقيق إنجازات علمية من خلال وسائل مختلفة. أولى هاتين المؤسستين هى مدينة العلوم، المعروفة ب«بيلكنت»، التى كانت أول جامعة خاصة فى تركيا، وخلال عمرها الذى يمتد لثلاثين عاما قدمت «بيلكنت» نفسها كمؤسسة رائدة فى مجال التعليم الجامعى والبحث العلمى، ويتم تصنيفها كواحدة من أفضل المؤسسات التعليمية فى «أوراسيا» أو مجموعة الدول التى تقع أراضيها على كل من قارتى آسيا وأوروبا. وأثناء زيارتى ل«بيلكنت»، انبهرت بالمستوى العالمى لأعضاء هيئة التدريس فيها وثقافة المكان والطموح الموجود هناك لتحقيق أعلى مستوى علمى ممكن. وتملك تركيا الموارد البشرية اللازمة و«بيلكنت» قادرة على اجتذاب أفضل الطلبة وأعضاء هيئة التدريس.
السعودية
أما المؤسسة الثانية التى تركز على البحث والتطوير فى المنطقة فهى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا «KAUST» فى السعودية. خصصت السعودية أكثر من 10 مليارات دولار لهذا المشروع، ومعظم الأساتذة يأتون من خارج المملكة، وعلى وجه اليقين سوف تكون هناك نتائج ملموسة لبحوث الجامعة فى السنوات المقبلة، فى مجالات متنوعة ومهمة، ما سيخلق فرصاً جديدة، لكن التحدى الحقيقى هو كيفية نشر هذه الثقافة العلمية الجديدة فى جميع أنحاء المملكة، بما يتجاوز أسوار جامعة الملك عبدالله، وكيفية جعل هذه الثقافة جذابة للطلاب والباحثين السعوديين بما يضمن استمرار واستدامة هذا النوع من المشروعات.
مصر
فى مصر، كان المسار مختلفاً وقد كنت شخصياً مخططاً لهذا المسار منذ أكثر من 10 سنوات. فى عام 1999 أطلعت الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك على التصور الأساسى لمشروع طموح للنهضة العلمية، لكن توقف هذا المشروع لأسباب سياسية. ثم تم إحياؤه بعد ثورة يناير 2011، وصدر مرسوم من الحكومة المصرية بالبدء فيه كمشروع وطنى للنهضة العلمية، وأطلق عليه «مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا»، وتم بالفعل افتتاح المدينة فى نوفمبر من عام 2011 على حرم جامعى يقع على مشارف القاهرة.
المشروع القومى له نواحٍ فريدة ومتعددة؛ فهو أولاً وبشكل غير مسبوق فى مصر قد تم دعمه بتمويل من الحكومة وتبرعات المواطنين، ثانياً: سُنت قوانين خاصة للمدينة فى عام 2012 تسمح باستقلال إدارتها من قِبَل مجلس الأمناء الذى يضم خمسة من الحائزين جائزة نوبل، ثالثاً: تضم المدينة ثلاثة مكونات أو هيئات فرعية متكاملة، هى الجامعة ومعاهد الأبحاث وهرم التكنولوجيا، هذا وقد تم تصميم التصور العام للمدينة بحيث يقدم مستوى عالمياً فى التعليم والبحث العلمى والإنجازات الصناعية. كان الهدف من هذا المشروع الطموح هو بناء قاعدة علمية حديثة مع قطاع صناعى متقدم، وبنفس القدر من الأهمية: الحد من هجرة العقول الوطنية فى مجالات العلوم والهندسة المتقدمة.
الغرض الرئيسى من الجامعة هو جذب الطلاب الموهوبين من جميع أنحاء البلاد وتوفير مناهج أكاديمية فريدة من نوعها صُممت خصيصاً لتوفير المعرفة فى المجالات المتطورة من العلوم والهندسة لهؤلاء الطلاب. هذا المفهوم الجديد كان خروجاً عن المفاهيم السائدة فى المؤسسات التقليدية التى تفصل الجدران بين تخصصاتها، إن الطلاب فى «مدينة زويل» لديهم الفرصة للتعلم والاستفادة من نظام متعدد التخصصات. وفى هذا العام تقدم 6 آلاف طالب للالتحاق بالجامعة تم قبول 300 طالب منهم فقط، أى بنسبة 5٪، وهو ما يماثل معدلات القبول فى جامعتى «هارفارد» و«ييل».
المكون الثانى للمدينة هو معاهد الأبحاث التى استضافت مراكز فى طليعة العلوم والهندسة، وتعطى الأولوية للبحوث التى تخدم الاحتياجات الوطنية لمصر. نطاق البحوث واسع، من العلوم الطبية الحيوية -التى تعتبر مهمة للتخفيف من حدة الأمراض المتوطنة فى البلاد- إلى البحث والتطوير فى مجالات مثل الطاقة الشمسية وهو مصدر بديل ووفير فى مصر. فى الوقت الحاضر، لدينا سبعة مراكز للأبحاث فى الفيزياء الأساسية وعلوم المواد وتكنولوجيا النانو والتصوير والعلوم الطبية الحيوية وغيرها.. أما المكون الثالث فهو «هرم التكنولوجيا» الذى يهدف إلى نقل نتائج أبحاث معاهد البحوث إلى التطبيقات الصناعية وإطلاق حاضنات أعمال واجتذاب شركات دولية كبرى للعمل والاستثمار.
هذه المراكز المتميزة فى المنطقة لديها القدرة على إحداث نقلة نوعية فى حالة العلم والثقافة. ومع ذلك، فإن الدول الغنية بالكوادر البشرية، ولكنها تعانى سوء إدارة وارتفاعاً فى الأمية، تحتاج لتغييرات ثورية أخرى، أولها وأكثرها أهمية: القضاء على الأمية وبناء رأس المال البشرى بمشاركة المرأة فى منظومة العمل. ويقوم نظام التعليم الحالى فى هذه الدول على التلقين والحفظ مع التركيز على الكم وليس الكيف. والآن يجب أن يتم تبنى نظام آخر يهدف إلى تشجيع التفكير الحر والإبداعى.
ثانياً: من الضرورى إصلاح الدساتير لتضمن حرية الفكر وحماية البحث العلمى من التدخل السياسى والنزاعات الدينية، كما يجب أن تُلزم الدساتير الحكومات برفع ميزانية البحث والتطوير على الأقل إلى 1٪ من الناتج المحلى الإجمالى وتخفيض الإجراءات البيروقراطية من خلال إصلاح القوانين واللوائح التى تعيق ولا تعين.
ثالثا: ضرورة الإصلاح الثقافى، وهو الأكثر صعوبة على الأرجح؛ فبعد عقود من الحكم السيئ والصراعات الدينية، هناك حاجة ماسة لإحداث تغيير فى التفكير، ينقلنا من التعصب إلى التسامح مع الآخرين والإنصات للرأى الآخر، أو ببساطة فهم فضائل «التعددية». ودون نظام تعليم سليم ومراكز استنارة متميزة، فإن الأمل فى تحقيق هذه التغييرات سيخفت بفضل المناورات السياسية والنزاعات الدينية.
مصر كانت ولا تزال قائدة العالم العربى، وثورتها المقبلة فى التعليم والثقافة ستؤدى إلى إطلاق تحولات كبرى فى الدول العربية الأخرى. وعلى الرغم من تراجع هذا الدور القيادى خلال العقود الثلاثة الماضية تحت حكم «مبارك»، فإن مصر ما زالت تمتلك التاريخ والأساس، ناهيك عن عدد السكان والمؤسسات العريقة، لاستعادة القوة الدافعة لإحداث التحولات اللازمة. واليوم مصر موطن الأزهر الشريف (وهو أقدم من جامعتى أكسفورد وكامبريدج) وجامعة القاهرة (وهى مركز للتنوير ليس فقط فى مصر ولكن أيضا فى العالم العربى كله). وبالتالى فإن التغيير وإعادة البناء هما أمران حقيقيان وليسا خيالاً.
الشرق الأوسط، بكل ما يملك من موارد، ليس أقل قدرة على التنمية من دول جنوب شرق آسيا؛ فرأس المال البشرى متاح، خصوصا أن نحو 70٪ من سكان دوله تقل أعمارهم عن 30 عاماً، كما أن المنطقة غنية بالموارد الطبيعية وتتمتع بمناخ معتدل، والناس بحكم ثقافتهم ودودون ويميلون إلى العمل بالتجارة. ويمكن معالجة أوجه القصور الثلاثة التى حددها تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2003 (وهى: نقص الحرية والمعرفة والفجوة بين الجنسين) من خلال إصلاح التعليم ونظام الحكم، على النحو الذى أوضحته سالفاً. ويجب أن تتجاوز إصلاحات التعليم والبحث العلمى سياسات الترقيع الفاشلة التى تم اتباعها فى الفترات السابقة، كما يجب أن تدعم الدولة التفكير الإبداعى والابتكار، فضلاً عن البحث الذى يحركه الفضول الإنسانى، وعلاوة على ذلك، يجب أن تغرس مفهوم المواطنة فى قلوب الناس، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون وجود تقدير لقيمة المناقشات الحرة، والعمل بروح الفريق واحترام التعددية.
الصحوة العربية حقيقة واقعة، لكن الصراعات السياسية فى المنطقة تحجب إمكاناتها. هنا، أيضاً، يمكن للتعليم والعلم أن يلعبا دوراً رئيسياً فى الدبلوماسية وتسريع عملية السلام. فبمجرد أن يحقق العرب إنجازات علمية عالمية من خلال عمليات التحول التعليمية والثقافية، وعندما تدرك دول، مثل إسرائيل، إمكانات وأهمية هذه الإنجازات، فإن كل القوى المتصارعة سوف تبحث عن العقلانية والجدية من أجل الحلول الدبلوماسية والسلام الشامل والعادل، وبالتالى توجه طاقات المنطقة نحو التنمية البشرية والاقتصادية.
والأمل الآن معقود على أن تدعم الصحوة السياسية صحوة أخرى ألا وهى «ربيع العلم» وأن تجتاح هذه الصحوة الشرق الأوسط وتُمكن شعوبه من بناء مجتمع المعرفة.
إن اكتساب المعرفة هو مفهوم من صميم نسيج الدين الإسلامى وكان قاعدة لانطلاق ونجاح إمبراطوريته منذ عدة قرون. ولكن لاستعادة هذه المكانة فى عالم اليوم، يجب أن يعود هذا المفهوم مرة أخرى لأبناء الأمة، ليغير الثقافة السائدة ويشكل مستقبلاً جديداً وواعداً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.