صوت عالي، صدر عن باب الغرفة وهو يفتحه بحذر شديد. هل استيقظ والداه؟ توقف برهة محاولًا الإنصات إلى "السيمفونية" التي تخرج من أنوف النائمين، فربما قد مر صوت الباب عبر أركان الطرقة المظلمة إلى آذانهم ، ولكنه انتظر قليلًا حتى سمع اللحن الذي اعتاده فارتاحت ملامح وجهه قليلًا، وحرك قدماه إلى الأمام ومشى بهدوء إلى باب الشقة، فتح الباب وخرج. ربما تستعصي العناوين على ذاكرته التي لم تتعدى الخامسة عشر سنة، كما استعصى علية الزمان ومنع عنه صوته منذ الصغر، ذلك الالتهاب الحاد في أحباله الصوتية امتد إلى ما أبعد من ذلك ومنع عنه صراخ الطفولة، وما بعدها ولكن العنوان الذي يبغاه هو العنوان الوحيد الذي حفظه بإرادته، منطقة شعبية مختفية وراء أبراج وعمارات الحي الراقي التي يسكن به. "أنا شوفت مولانا يا ولاد ال.. هو قالي هيجيلي يوم مولد النبي ويديلي هدية أنتو أيه فهمكوا أنتوا يا شوية مساطيل !" ويخترق سكون المكان، ضحكات عالية متتالية، وتعليقات ساخرة ممن تجمعوا حول رجل كبير السن يرتدي جلبابًا ثقيلًا فضفاضًا وقفطانًا غاليًا وعمامة بيضاء ملفوفة على رأسه بطريقة خاطئة، كانت العطفة متفرعة من حارة ضيقة وأخرها مسدود، وقد اختفت بين العمارات ودخان الحشيش المنبعث من "جوزة" تتنقل بين أيدي عم إسماعيل ومن تجمعوا حوله، كان جسده نحيلًا، وبرز في ظهره حدبة لا تختفي مع جلوسة أو وقوفة، وشاربة الأبيض ينسدل على فمه فلا تراه، بينما يغطي السواد أسفل عينيه التي بدت، وكأن أحدًا ضغط عليهما فاتجها إلى الداخل!. "آه يا ولاد ال.. أنتوا بتتريقوا عليا أنا، طيب بكرة لما يقولي فين طريق الجنة تعرفوا قيمتي يا شوية غنم !" لم يبد على أحد الاهتمام بسباب عم إسماعيل أو كلامه وكأنهم تعودوا منه على تلك "السلطنة" كل ليلة، وانهمكوا في تجهيز الفحم والحشيش، بينما يكتم عم إسماعيل غضبه بدخان "الجوزة"، وبدا مقتنعًا بما يقول وهو يسحب نفسًا عميقًا و يلقي بجذوع الشجر في النار المشتعلة أمامه لينعم بدفئها هو ومن تجمع حوله أو كما يحب أن يطلق عليهم "أوباش الزرايب"!. طوى الفتى قدمه، سريعًا وندرة المتواجدين بالمنطقة جعلها تبدو كمدينة أشباح، في تلك الليلة الغاضبة في برودتها، انتظر قليلًا حتى عاد المخدر ليعبث برأس الأوباش فانهمكوا في نوبة ضحك هيستيرية رجت أنحاء المكان، واقترب من عم إسماعيل الذي غمض عينيه، وغفا للحظات كعادته بعد انتهاء سبعة أحجار وأفاق عندما اقترب منه الفتى، "جبت الورقة والقلم؟". وهز الفتى رأسه إيجابًا، فتساند عليه عم إسماعيل محاولًا تثبيت قامته على الأرض بصعوبه، والتقط عصاه وسار معه بعيدًا عن الأوباش الذين لم ينتبهوا لذهاب عم إسماعيل، وإنما انتبهوا للفتى الذي اعتادوا على احترامه، نظرًا لأنه كان ينفق معظم مصروفه على شراء الطعام والحشيش لهم كل يوم بعد انتهاء اليوم الدراسي، أما يوم العطلة فكان يتسلل خارج البيت ليلًا دون علم والداه، ويذهب إلى عم إسماعيل بناءً على طلبه؛ ليكتب له ما يحكيه فعم إسماعيل لايقرأ ولا يكتب ويطمع أن يعرف الناس ما رأه في حياته، خاصة ذلك الوعد الغامض المتعلق بظهور سيدي إبراهيم الدسوقي له في رؤيا منذ خمسة عشر عامًا يعده فيها بالظهور له وإعطائه هدية، فكان الفتى هو وسيلته ليكتب أشعارًا إلى الدسوقي يحكي له عما رأه في حياته طمعًا في استعجال الهدية!، ولم يكن الفتي ليبدي اعتراضًا فلا يوجد عمل يمنعه أو أصدقاء يلهونه، فكان عم إسماعيل والأوباش هم أصدقائه وبلا شك هم أفضل من غرفته التي تحوم حولها هالات الكأبة والحزن. لدى وصولهما إلى ذلك المخزن الضخم، امتدت أصابع عم إسماعيل ببطء إلى باب المخزن، وضغط عليه بطريقة خاصة عند المقبض، وكأنها الطريقة السرية لفتح الباب، "مواتير الخردة وهياكل السيارات الهائلة" وضعت علي بعضها، وكأنها تحاول اللحاق بارتفاع سقف المخزن الشاهق الذي أجهزت عليه العتمة لحين بعث وقع الأقدام اضطرابا في نفوس المتواجدين بالمكان لشدة اتساعه. تبدو تصرفات الفتى تلقائية، فالأمر يقوم به كل يوم تقريبًا، وحفظ تفاصيل المخزن وإن كان يفضل ألا يبتعد عن تلك الزاوية التي جلس فيها عم إسماعيل أمام النار المشتعلة و ترك الماء يغلي ليصنع كوبًا من الشاي الثقيل بجوار فرشة على الأرض ينام عليها، وكرسي كان قد أحضره كي يجلس عليه الفتى ليكتب ما يمليه عليه،"هو الدور دة مش ناوي يخلص أنا عارف". يهمس عم إسماعيل لنفسه، وهو ينظر إلى لوحة الشطرنج ويتمعن في الحركة القادمة.. هل أصبح الملك في خطر الآن؟هل يحرك الفيل إلى تلك الخانة، ويريح قلبه ويقتل ملك الفتى، أم أن تلك الخطوة قد تجلب إلى صفوفه الخطر؟. مد أصابعه إلى الفيل، وتوقف قبل أن يحركه ربما تسرب إليه بعض من الارتباك، الذي أصاب الفيل فعاد عن قراره وتراجع بجسمه إلى الخلف، وهو ينفخ في الهواء ضيقًا، بينما لاحظ الابتسامة المعتادة على وجه الفتى، "بقى ياض يا ضلالي أنا أعلمهالك وأنت توقفني في خطوة أربع أشهر!". منذ أربعة أشهر، بدأ دور الشطرنج هذا بينه وبين الفتى وعم إسماعيل يتردد في الخطوة التالية فيقوم عن اللعبة مستاءً ويخرج سنة الأفيون من تحت الفرشة، ويضعها تحت لسانه ويجلس على الفرشة في انتظار أن يسخن فحم "الجوزة". يمر بعض الوقت وعصارة الأفيون تسري إلى رأسه حتى ينظر عم إسماعيل إلى المدى الذي سكنه خواء لا نهاية له، ويشعر بالحياة تنبعث من جدران المخزن، وتبعث في جسده ورأسه ذلك الدفئ اللذيذ، وتمر لحظات ينتظر فيها الفتي هطول أمطار الشعر المعتادة من عم إسماعيل الذي يحاول إبقاء الفحم مشتعلًا وباقي الوقت لا يشعر به وهو يعصر الأفيون في فمه ويتلوه بأنفاس عميقة من "الجوزة". لم يغير انتباه الفتى إلى تأخر الوقت من الموقف في شيء، فعم إسماعيل لم يقل شيئًا بعد، وهو أمر غريب فقد اعتاد على إلقاء الشعر فور قيامه عن دور الشطرنج الذي لا ينتهي، ولكن اليوم بدا الأمر غريبًا، وشعر الفتى ببعض القلق. تنقشع الغيوم التي غطت نظر عم إسماعيل عن أصداء تناديه وتجعله يقف دون مساعدة من الفتى على غير العادة، تتساقط أمامه أفكار من ذاكرة حاول طمس معالمها، فأنحنت أمامه الرغبة وأصبح شاردًا. أليس هذا وجه أبيه، لا يعرف إنه لا يتذكر إلا صوته هذا هو النذر اليسير الذي أنعمت به ذاكرته عليه تنفيذًا لاتفاقهما، فأصبح سيل الوجوه أشباح تحوم حوله ولا يعرف سبيلًا لصرفها. يتخلل صوت متحرك سكون برأسه، إنه يأتي من خارج المخزن ضحكات، نعم إنه يعلمها، ويعلم أصحابها الأوباش، ولكنه لا يريد أحدًا الآن فكثير من الأصوات تؤلم هدوءه، ولهذا كان الفتى الأبكم هو رفيق دربه الغامض. الخدر الذي حل به جعل من الصعب عليه التفريق بين الوقوف والجلوس، فيمشي قليلًا إلى الركن القريب من مجلسه وكأنه يبحث عن مرآة يشاهد فيها وجهه، وطبعا حلقت تلك الرغبة بعيدًا ولم ترهق تفكيره كثيرًا بفضل الانتشاء الذي يشعر بة، تراخت أمامه وهو يقترب من فرشته ثم سقط عليها محاولًا عدم الاستسلام لنوبة النوم التي تلاحق جفونه. دقات الوقت تحاصر تكهنات الفتى، وهو يحاول عدم الاحتكاك بعم إسماعيل في تلك الحالة، كما طلب منه سابقًا، أن يقترب منه الفتى فتنساب الأطياف أمام عم إسماعيل ويتفتت الظلام عن نور تزداد شدته كلما اقترب ولا يراه الفتى، يطلب "الجوزة" من الفتى ويسحب نفسًا طويلًا فينساب الدخان من أنفة ويبدده النور القادم من آخر المخزن. هل أشرقت الشمس باكرًا، لا يبدو الأمر كذلك فالفجر لم يؤذن بعد، إذن من أين أتت هذة الهالة الساطعة، وكأنها سحب تكتلت فوق مدينة أرهقها الظلام طويلًا فانتفضت من شدة الوهج ودبت في عروقها الحياة، لا لقد سطعت في قلب عم إسماعيل وحدة هو الذي تمتع بها وحيدًا كما كان حاله دائمًا، ربما كانت الوحدة في تلك الحالة أمرًا حميدًا، فقد تملك عقله شغف عميق وأعماه الوهج عن العتمة التي أحتلت حياته منذ أمد، وكان هنا عندما رأى ما أراد وتمني، وأنغرست في أعماق كيانه أسمي درجات الانتشاء والرضا، وصار بإمكانه أن يرسم على وجهه الابتسامة أخيرًا. "سيدي الدسوقي" ينطقها عم إسماعيل بلهفة، حيث أفلت "الجوزة" من يده، ربما كان هذا هو الوقت الذي سقط فيه الفتى مغشيًا عليه، أو هذا ما استنتجه عندما فاق وقام من الأرض مقتربًا من عم إسماعيل الذي غطس في نوم عميق. أشرقت الشمس على الفتى وحده، ولم تشرق على عم إسماعيل، يجلس الفتي بين عم إسماعيل ولوحة الشطرنج دون أن يبدو عليه قلق من غيابه عن فراشة اليوم، زاده منظر عم إسماعيل حزنًا و فضولًا تجاوز الشهور العشر التي عرف فيها هذا العالم الغريب، وامتدت يده ليتناول بها قطعة من الأفيون أسفل الفرشة، ويضعها تحت لسانه يبتلع مرارته حتى سرت الدقائق إلى رأسه رشيقة مرحة، وغمر الدفئ جسده، وكنست النشوة عن رأسه الافتراضات والاحتملات وشظايا حزن ويبقى الشطرنج شاهدًا على الألطاف الصامتة لتلك الليلة. تاهت نظراته في لوحة الشطرنج طويلًا جدًا دون أن يتحرك، حتى تيبس جسده، فانتفض تركيزه فجأة، ومد أصابعه إلى لوحة الشطرنج ونقل الفيل لخطواته وترددت في رأسه كلمة "كش ملك"، وابتسم الفتى عند سماعه صوت عم إسماعيل يحادثه في رأسه "هاجيلك قريب وأجيبلك هدية".