الذهب يتراجع بأكثر من 1% بفعل جني الأرباح    الضفة.. إصابة فتى فلسطيني برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي    طريق مصر.. مصطفى غربال حكمًا لمباراة مالى والسنغال فى أمم أفريقيا    الأهلي يواصل تدريباته وأفشة يبدأ المشاركة تدريجيا    شاهد مجانًا.. بث مباشر مباراة برشلونة وأتلتيك بلباو اليوم في كأس السوبر الإسباني    مباراة برشلونة وأتلتيك بلباو مجانًا.. القنوات الناقلة وموعد اللقاء اليوم    مصرع طفل دهسا أسفل عجلات سيارة في سمالوط بالمنيا    النيابة تطلب تقرير الصفة التشريحية لجثة شاب لقى مصرعه على يد صديقه بحدائق القبة    محافظ أسيوط يختتم جولاته لتهنئة الأقباط بعيد الميلاد المجيد (صور)    برلين: من الصعب المضي قدما في العملية السياسية الخاصة بأوكرانيا بدون واشنطن    محمد صلاح بين اختبار كوت ديفوار وقمة ليفربول وأرسنال    تعديل موعد مباراة المصري وكهرباء الإسماعيلية في كأس عاصمة مصر    الأهلي يواصل تدريباته وأفشة يبدأ المشاركة تدريجيًا    الأنباء السورية: "قسد" تستهدف نقاط الجيش في الشيخ مقصود والأشرفية    محافظ قنا يشارك أقباط قوص فرحتهم بعيد الميلاد ويؤكد وحدة المصريين    الموت يفجع الفنان وائل علي    تحت شعار «صناع الهوية».. وزارة الثقافة تكرم رموز العمل الثقافي في مصر    «العائلة».. كلمة السر فى حياة «كوكب الشرق»    وكيل صحة الدقهلية يتابع توافر الأدوية والمستلزمات الطبية خلال أعياد الميلاد    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    ننشر الأسماء.. وزارة التضامن تغلق 80 دار رعاية مخالفة وغير مرخصة في 18 شهرًا    نجم الجزائر يعتذر لمشجع الكونغو الديمقراطية    عاجل.. سلامة الغذاء تسحب عبوات لبن نستلة من الأسواق    كنوز تعبر القارات: المتحف المصري بالقاهرة ورسالة التراث إلى العالم    الغرفة التجارية: 10 شركات تسيطر على موانئ العالم والاقتصاد البحري    احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق فى القدس.. ونتنياهو يدعو لضبط النفس    مشاورات مصرية عمانية في القاهرة    محافظ القليوبية ومدير أمن القليوبية يقدمان التهنئة بعيد الميلاد المجيد بمطرانية شبين القناطر    1000 رحلة يوميا و1.2 مليون راكب.. السكة الحديد تكشف أرقام التشغيل على مستوى الجمهورية    ضبط 2.5 طن نشا مجهولة المصدر بمصنع بشبين القناطر بمحافظة القليوبية    محافظ أسوان يوزع كروت تهنئة الرئيس والهدايا على الأطفال بمختلف الكنائس    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    تموين المنوفية: ضبط 8000 لتر سولار مدعم محظور تداوله بالسادات    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    لقاء الخميسى: لا يوجد ما يستدعى القتال.. السلام يعم المنزل    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    محافظ كفرالشيخ: التشغيل التجريبي لمجزر دسوق تمهيدًا لافتتاحه    النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج الإدمان بالقليوبية    إصابة 22 عاملًا بحادث انقلاب ميكروباص عمال في البحيرة    اقتصاديات الصحة تدرج 59 دواء جديدا وتضيف 29 خدمة خلال 2025    وزارة الصحة ترفع كفاءة الخدمات التشخيصية من خلال تطوير منظومة الأشعة التشخيصية    قرارات جمهورية قوية خلال ساعات.. اعرف التفاصيل    حريق يلتهم سيارة نقل ثقيل دون إصابات على الطريق الصحراوى بالإسكندرية    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    أسعار اللحوم في الأسواق المصرية اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    هل يسيطر «الروبوت» فى 2026 ؟!    أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء 7 يناير 2026    بدعوة من نتنياهو| إسرائيل تعلن عن زيارة لمرتقبة ل رئيس إقليم أرض الصومال    البيت الأبيض: ترامب لا يستبعد الخيار العسكري لضم «جرينلاند»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بعد ذكرها في مسلسل "طاقة نور".. "الوطن" تعيد نشر قصة عبدالحميد شتا
نشر في الوطن يوم 04 - 06 - 2017

في الحلقة التاسعة من مسلسل "طاقة نور"، ذُكرت قصة الشاب عبدالحميد شتا، الذي توفي في 13 يوليو عام 2003، بعد أن ألقى نفسه من كوبري قصر النيل، بعدما رفضت وزارة التجارة الخارجية تعيينه بدعوى أنه "غير لائق اجتماعياً"، رغم اجتيازه جميع امتحانات التقدم بنجاح.
وبتاريخ 3 يونيو عام 2015، نشرت "الوطن" قصة عبدالحميد شتا، وتعيد نشرها بعد ذكرها في حلقة المسلسل..
يظهر منزل أسرة عبدالحميد شتا بقرية «ميت الفرماوى» مغايرة للمشهد العام للمبانى هناك، حيث تتشكل البنايات من الطوب الحجرى والأحمر، مطلية بالألوان الزاهية، إلا ذلك البيت الصغير يبقى وحيداً فى نهاية شارع ضيق، ما زالت جدرانه على هيئتها الأولى من الطين اللبن، لا يزينه أى طلاء، يتشكل من طابقين أعلاهما غير مسقوف، وباب خشبى قديم يصدر أزيزاً مزعجاً حين تهم السيدة العجوز التى تسكن المنزل وحيدة بفتحه، وتظهر من خلفه «علية عريشة» والدة «عبدالحميد» بجلبابها الأسود، ووجهها الذى لم تترك فيه التجاعيد جزءاً دون علامة، بعدما بلغت من العمر أرذله.
«علية» السيدة العجوز الوحيدة، والدة الشاب الذى نُشر قبل 13 عاماً أنه انتحر ملقياً بنفسه من أعلى كوبرى قصر النيل فى 13 يوليو عام 2003 عبدالحميد شتا، بعدما رفضت وزارة التجارة الخارجية تعيينه بدعوى أنه «غير لائق اجتماعياً»، رغم اجتيازه جميع امتحانات التقدم بنجاح، حتى خرجت وزارة الخارجية قبل أيام ببيان تحاول فيه تبرئة ساحتها، على لسان مصدر دبلوماسى يقول: «الشاب لم يكن من بين المتقدمين لامتحانات وزارة الخارجية آنذاك»، وإنها غير مسئولة عن تلك الامتحانات التى تقيمها وزارة التجارة الخارجية لشغل مناصب دبلوماسية «ممثلاً تجارياً»، فيما دأبت قديماً لجنة امتحانات «التجارة الخارجية» على إلقاء المسئولية على الجهات الأمنية مؤكدة أنه رفض أمنياً.
«الوطن» التقت أسرة عبدالحميد فى قرية «ميت الفرماوى» التابعة لميت غمر بمحافظة الدقهلية، لكنهم بعد 13 عاماً خرجوا عن صمتهم بحديث مختلف عما نشر عبر تلك السنوات، عن مقتل نجلهم، رافضين الاعتراف بما تناقلته الصحف والإعلام عن قصة «انتحاره»: «ابنى اتقتل ما انتحرش» تقول الأم الثكلى رفضاً لكل ما قيل عن انتحاره، وأشارت إلى أن هناك من زج به من أعلى الكوبرى: «خانوه وقتلوه عشان ياخدوا مكانه». عينا «علية» لم تجفا من الدموع كلما حضرت سيرته: «من حزنى عليه.. عبدالحميد ما كانش شوية»، الحزن على الابن ينهش قلبها، فالسيدة التى تعيش وحيدة بعد رحيل زوجها «على شتا» حزناً على نجله: «أبوه مات بعده، فضل كل يوم يروح التُرب لحد ما نظره راح وبعدها ما استحملش ومات»، وسافر نجلها الأصغر «رضا» لدراسة الطب فى ألمانيا تحقيقاً لحلم «عبدالحميد»، والابن الأكبر يعيش بعيداً عنها وسط الزراعات فى نهاية القرية.
صورة «عبدالحميد» بسمرة وجهه وبدلته الزرقاء تزين حائط الغرفة الضيقة، التى ظلت السيدة العجوز تمسح بأطراف جلبابها التراب من على مقاعدها القديمة فى محاولة بائسة لإخفاء ملامح الفقر الذى يحط على المنزل، تمحو الأتربة ولسانها لا يتوقف عن ذكر عبدالحميد: «طول عمره طالع من الأوائل ولا عمره جاب ملحق»، تجلس لتستريح برهة، وتعاود الدعاء: «منهم لله اللى خانوه كان نازل فرحان يتصور ويقولى فى التليفون أنا نجحت وخلاص هتعين فى الخارجية يا اما.. موتوه وقتلوا فرحتنا بيه».
ما زالت تتذكر «علية» لقاءهم الأخير، لملم حقيبته وودعها وقال لها: «فاضلى 3 أيام على آخر امتحان هروح أذاكرهم فى مصر ولما هخلص هاجى»، هنا تعاود البكاء وتقول: «مكدبش ولدى ورجع بس رجع شايلينه فى كفنه»، وتصف حال والده قبل وفاته: «كان أبوه زى الخوخة الزهرية.. وراح هو كمان فى رجليه راح بعد ما راح الغالى».
تصلى السيدة العجوز بجوار صورته وحين تنتهى: «بصلى هنا عشان أقوله أنا على عهدك، وبصلى ومش بفوت فرض يا عبدالحميد»، تشير إلى شهادات التقدير التى يضج بها حائط الغرفة وتحفظ ما بها عن ظهر قلب: «ديه كانت من كلية الاقتصاد وديه من الثانوية العامة وديه بعد ما اتخرج».
[FirstQuote]
تدخل «علية» الغرفة المجاورة، تفتح دولاباً خشبياً قديماً، يظهر بداخله وشاح برتقالى اللون ممهور ب «كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. يوم التفوق»، الكثير من المجلدات والكتب، وأبحاث كثيرة، ورغم ما مر عليها ولكنها تحتفظ برونقها: «كل شوية بخرجهم وبنضفهم عشان يفضلوا زى ما هما.. حاجة من ريحته». تصعد «أم سيد» كما يناديها جيرانها الدرج الطينى، متكئة على الحائط الترابى، حتى تصل الطابق الثانى، الذى تظهر فيه العصافير التى حطت موضع الطيور التى كانت تربيها، تتجه نحو باب خشبى قديم تفتح قفله الصدئ، وتدخل الغرفة: «ديه غرفة عبدالحميد»، تمسك ببعض الأكياس الملقاة على الأرض وتفتحها وتخرج ما بها «تى شيرت برتقالى اللون باسم كلية الاقتصاد والعلوم السياسية»، وعلى الحائط معلقة بدلة قديمة وتقول: «اشتراها عشان يروح بيها أول يوم ليه فى الشغل قبل ما يقتلوه»، وفى نهاية الغرفة سرير خشب متهالك ومرآة صغيرة.
تخرج «علية» من الغرفة تستقر على قفص خشبى صغير بجوار باب غرفة الابن الراحل، وتقول إن إيمان نجلها القوى لا يدفع أبداً للانتحار: «ماكانش يهون عليه نفسه يموت كافر.. لو كان بيشحت مش هيرمى نفسه فى البحر»، وتستطرد: «اللى كان بيصلى فرض ربنا عمره ما ينتحر»، تتذكر كلماته مع كل صلاة ينادى على أشقائه ويرفض أن يأكل قبل أن يصطحبهم إلى المسجد.
لم يكن عبدالحميد، حسب رواية والدته، يدخر جهداً فى أى عمل، فحين كان يأتى فى إجازة الصيف كان يعمل مع والده «أجرى» فى الحقل، فى تشكيل الطوب اللبن قبل نقله إلى الأفران: «ماكانتش نفسه عالية، كان بيشتغل أى شغلانة تجيب فلوس، يدخل بالبدلة يقوله أبوه تيجى تشيل معايا الطوب يا عبدالحميد؟ يقوله ماشى يابا يقلع ويروح».
تلتقط السيدة العجوز أنفاسها وتستكمل ذكرياتها مع «عبدالحميد»، ووقوفه بجانب شقيقه الأصغر رضا: «كان يشتغل ب100 جنيه ويبعتهاله، يقوله اتعلم يا رضا عشان عايزين يبقى بينا دكتور»، ولم يخذله «رضا» فظل يتفوق فى كلية الطب حتى سافر لبعثة لدراسة الطب فى ألمانيا.
تحكى «أم سيد» قصته التى بدأت منذ حصوله على مجموع فى الثانوية العامة لم يؤهله لدخول كلية الاقتصاد، ولكن لم يفقد الأمل فدخل كلية التربية بجامعة الزقازيق: «ما كانتش عاجباه ومرضاش يروحها» وأعاد الدراسة فى الثانوية حتى حصل على المجموع المناسب، فترك التربية واتجه إلى القاهرة ليدرس ويعيش هناك: «قالى ياما كلية الزقازيق عفشة أنا هسافر أدرس وأعيش فى مصر»، وكان يزور أهله كل يوم خميس ويعود للقاهرة الجمعة ليلاً: «ما كانش بياخد قرش من أبوه، كان يخلص الكلية ويطلع يشتغل فى القاهرة ويبعت كمان فلوس لأخوه اللى فى طب عشان يصرف عليه».
تقول «علية» إن عبدالحميد تخرج واستكمل عمله فى البحث العلمى بالكلية، وحين أعلنت وزارة التجارة الخارجية عن حاجتها‏ لموظفين فى التمثيل التجارى‏، سارع لتقديم أوراقه، وظل طيلة عام كامل يؤدى امتحانات، حتى تم اختياره ضمن 43‏ متقدماً فقط لشغل هذه الوظيفة المميزة: «وقبل ما يستلم وظيفته بيومين مات قتلوه اللى أشوف فيهم قدرة ربنا بحق جاه النبى».
[SecondQuote]
اختفى الشاب 3 أيام حتى دق باب المنزل، فتحت السيدة الباب وجدت خفيراً يخبرها برسالة من عمدة القرية: «فيه جدع اسمه عبدالحميد لقوه ميت فى القناطر الخيرية»، ذهب الرجال وأحضروه فى كفنه. على بعد كيلومتر واحد من منزل العائلة، وداخل بيت بسيط ذى 3 غرف من الطوب الأحمر، إحداها فقط هى ما يغطى سقفها جريد النخل وعوارض خشبية، وبداخلها يعيش سيد الأخ الأكبر لعبدالحميد، ومدرس فى إحدى مدارس القرية، ليكشف ل«الوطن» عن روايات ووقائع جديدة حول وفاة شقيقه عبدالحميد شتا، ودلائل وأدلة يعتبرها دامغة يطالب من خلالها بإعادة فتح التحقيق فى قضية مقتل شقيقه.
تغيرت ملامح حياة أسرته كاملة بعد وفاة عبدالحميد، فاقتصرت حياة سيد على علاقاته بتلامذته وعمله فقط، لا يتطرق إلى الحديث فى الأمور العامة ولا سياسة البلد، الخوف ظل يحاصرهم فى كل مكان، ويقول إن من قتلوا شقيقه حاولوا قتله هو أيضاً حينما حاول التحدث عن قتل شقيقه فى التليفزيون، ويؤكد أن عصر مبارك وما كان به من ظلم جعله يرفض الحديث عن مقتل شقيقه ولكن الآن كل مبتغاه إظهار الحقيقة كاملة.
كانت الصدمة تفوق الوصف، يقول «سيد»: «كنا أسرة عادية تعيش على التقوى والإسلام والورع، حياتنا اقتصرت على التعليم والمسجد والتفوق العلمى وحب الوطن، كنا مثاليين إلى حد كبير».
رغم فقر الأب ولكن استطاع تنشئة أبنائه الثلاثة على التفوق والنجاح، وكان ذلك فى صميم تفكيرهم وتكوينهم، حيث التفوق العلمى هدف للأسرة البسيطة، وتمكن أبناء تلك الأسرة من الحصول على المراكز الأولى فى معظم المراحل التعليمية، حسب رواية سيد، ويقول: «عبدالحميد كان من الأوائل وأنا كنت الأول على الثانوية العامة وعلى كلية الآداب، وأخونا الأصغر ضياء جراح عظام فى ألمانيا، وكان أبونا بيعلمنا نذاكر ونبقى كويسين علشان نخدم بلدنا»، كان عبدالحميد أكثرهم تفوقاً فكان دائماً يصرح برغبته فى أن يكون «حاجة كويسة»، وعقب تخرجه مباشرة فى الكلية ظل ملتصقاً بها لعمل أبحاث ودراسات، وبعد فترة قصيرة أخبر الأسرة أنه على وشك الالتحاق بالسلك الدبلوماسى بعدما دخل اختبار وزارة التجارة الخارجية المعلن عنه.
ويضيف «سيد»: «هو كان معرفنا إنه مقدم فى الخارجية، ووقتها كان معاه موبايل، وقالنا إن زملاءه بيهنوه من خلال رسايل على تليفونه، وقالنا النتيجة اتعرفت وأنا نجحت ورايح أستلم شغلى».
«اتوصوا ببعض أنا مش قادر أتكلم»، كانت تلك آخر كلمات عبدالحميد التى قالها خلال مهاتفته الأخيرة لزوجة أخيه الأكبر سيد، بصوت يملؤه الخوف والارتباك، قبل ساعات قليلة من وفاته، لهجة دفعت «سيد» لأن يؤكد أنه كان حينها مكبلاً أو مقيداً ويتعرض لتهديد من قاتليه، مشيراً إلى أنه قبل المكالمة بيوم واحد كان بين أسرته وأخبرهم بنجاحه فى اختبارات وزارة الخارجية بعد تلقيه رسائل تهنئة على هاتفه المحمول، نافياً ما رُوى من انتحاره كنتيجة لفشله فى اختبارات وزارة الخارجية، مؤكداً نجاحه فى الاختبارات وأنه تعرض للقتل ولم يتوف منتحراً، مستدلاً بأقوال جيرانه فى بين السرايات الذين أكدوا خروجه من شقته بملابس غير التى عثر عليها بعد الحادث، قائلاً: «جيرانه لما سألوا رضا وقالوا له كان لابس إيه لما طلعتوه من الميه، قالهم كان لابس كذا، قالوا لا ده كان لابس لبس تانى غير ده»، قائلاً إن شقيقه كان تقياً ومتديناً، وإنه لا يمكن أن يكون مصيره الانتحار، وإنه عقب الحادث بقرابة شهرين التقى أحد الرجال الصالحين فى القرية بوالدته وأخبرها بأنه شاهد «عبدالحميد» فى الرؤيا وهو مرتدٍ رداء إمام مسجد وذاهب ليخطب فى مسجد الرسول.
ويستدل «سيد» بتوجه شقيقه «عبدالحميد» فى نفس يوم الحادث إلى المطبعة التى تتولى طبع رسالته لتقديمها إلى الأساتذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ليطالبها بالانتهاء من طبع الرسالة فى أقرب وقت، متابعاً: «عبدالحميد فى نفس يوم وفاته، راح المطبعة الساعة 3 العصر لواحد اسمه ضياء ولما ملقاش ضياء ده كتبله ورقة وسابهاله، قاله أرجو إنهاء طباعة الرسالة فى مدة لا تزيد على 24 ساعة، وكانت دى آخر كلمة كتبها»، مستنكراً أن يكتب هذه الرسالة شخص مكتئب ويجهز للانتحار فى نفس اليوم، وأنه لو كان مكتئباً لما تعجل طبع رسالته لتسليمها إلى الأساتذة.
وأشار إلى أنه ليس من المنطق أن ينتحر شقيقه لمجرد رفضه فى وزارة الخارجية، وليس منطقياً أن ترفض وزارة الخارجية شقيقه بعد اجتيازه ونجاحه فى كل الاختبارات وحصوله على المراكز الأولى، لافتاً إلى أن شقيقه كان متديناً ومؤمناً بقضاء الله وقدره، وذلك بشهادة كل من يعرفه، وأنه كان شخصية قوية ويمكنه تعويض وظيفة فى الخارجية، قائلاً: «وظيفة إيه اللى ينتحر بسببها، تغور الوظيفة، هو بشخصيته يجيب وظيفة وينجح أكتر من المكان ده، ده كان بيتكلم فى الوقت المناسب ولما بيتكلم بيقول أفصح كلام»، متهماً مسئول لجنة الاختبارات فى وزارة الخارجية وقتها بالتورط فى حادث وفاة عبدالحميد، متابعاً: «لما رئيس لجنة الاختبارات يعين ابن أخوه مكان عبدالحميد والنتيجة تتغير ويتحط اسم ابن أخوه بدل أخويا وهو أصلا خريج آداب وسقط أصلاً فى التصفيات الأولى يبقى الحكاية فيها إنَّ».
[ThirdQuote]
يرفض «سيد» الرواية التى نشرتها جميع الصحف التى نقلت الحادث عن انتحاره لفشله فى امتحانات الخارجية بوزارة الخارجية، مستنكراً ما أشيع عن سبب رفضه أنه غير لائق اجتماعياً أو أمنياً، مشيراً إلى أنها «حيل تم نشرها للتشويش على حادث قتل أخيه»، متابعاً: «ولو كان أمنياً يقولوا لنا مين فى عيلتنا عمل مشكلة ولاّ عليه قضية، احنا من الدرجة الأولى أسرة ما حدش سمع عنها وأعمامى وأخوالى من الدرجة التانية مقاولين مش عليهم غبار، وأولاد أعمام أمى من الدرجة التالتة مفيش حد ليه سابقة»، متسائلاً من صاحب المصلحة من موت عبدالحميد؟ ويشير «سيد» إلى وضع اسم ابن شقيق أحد مسئولى لجنة الاختبارات مكان «عبدالحميد» يوم وفاته، بعد مسح اسم عبدالحميد ب«الكوريكتر» بعدما خرج نفس الشخص من التصفيات الأولى للاختبارات، ويشير إلى ما يؤكد شكوكه تجاه ذلك الشخص وهو نقل ذلك المسئول إلى رومانيا بعد وفاة عبدالحميد وهو ما يعتبره دليلاً على وجود «كوسة» فى التعيينات التى تمت وقتها.
ويروى «سيد» أن أسرته كانت مراقبة إبان الحادث مباشرة، وأن جميع من حول «عبدالحميد» كانوا ينفون حادث انتحاره إلا أنه حينما يقترح مناقشة الحادث رسمياً، يتراجع الجميع ويخشى من تبعاته ومن بطش الجهات السيادية، قائلاً: «أنا نفسى اتضربت بالموتوسيكل بتاعى 3 مرات، وكان بيتقالى نصاً ديه قرصة ودن علشان تعرف تسكت ومتحصلش أخوك».
كان يتمنى وقتها «سيد» مواجهة أى مسئول ولكن: «ماكنتش فيه وسيلة بتقدر تقول بيها الحقيقة، لأن وقتها كان مبارك فى الحكم». شقيق والدته «محمد مصطفى عريشة» الجالس إلى جواره هو الآخر لديه قناعة بأن «عبدالحميد» لم ينتحر، وهى قناعة لدى أهل القرية كلها، حسب روايته، يقول إن الجميع كان يعرفه عن قرب، كان يعرف أنه متمسك بالأمل، وليست الوظيفة المرموقة هى التى يقتل نفسه من أجلها: «عبدالحميد كان عارف دينه كويس ومكنش بيفوت فرض فى الجامع».
خال عبدالحميد «عريشة»، يتحسر على الشاب الذى كانوا يعتبرونه عمود العائلة، يشير إلى المنزل الذى تقبع فيه شقيقته وحدها، يحاول من آن إلى آخر تصبيرها، ويقول إنه رغم مرور الوقت والزمن، لكن أسرتهم لن تتخلى عن حلم الوقت الذى تظهر فيه الحقيقة: «إحنا آه فقرا بس تارنا مش بننساه.. وتارنا مع اللى قتل عبدالحميد هناخده هناخده».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.