شهدت علاقة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والدولة انعطافات حادة كثيرة، خلال السبع سنوات التي تولى فيها "الطيب" المنصب، فالشيخ الذي بدأ قيادته لأقدم مؤسسة دينية إسلامية من قلب السلطة، حيث كان عضواً بارزاً بلجنة السياسات بالحزب الوطني، تخلى عن حزبه ورحب بثورة 25 يناير بعد تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، وصحبها بحالة من التقارب الشديد مع الإخوان الإرهابية -رغم كونه عدواً شرساً وعاتياً لجماعة الإخوان خلال توليه منصب رئيس الجامعة- حيث بلغت ذروة علاقته بالجماعة باستقبال المرشد العام للجماعة ومدحه أفكارهم، وهو المدح الذى جعل منه إرهابيي الجماعة شعاراً لعملهم على الأرض ودعوتهم للجماعة، ثم مدح رئيسهم بقوله "مصر باتت تنعم بالأمن والاستقرار بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي"، إلا أن "الجماعة" كافأت شيخ الأزهر بالدعوة لإقالته. الإمام الأكبر استقبل مرشد "الإخوان" وأشاد بحكم "الجماعة".. وفي "30 يونيو" يعجز عن توحيد المشيخة مع الدولة وفى 30 يونيو 2013 عاد شيخ الأزهر لأحضان الدولة ومؤسساتها الصلبة ودعم الثورة بشكل كامل، ووقف مع الدولة والرئيس عبدالفتاح السيسي، إلا أن قيادات المشيخة كان لها رأي آخر، حيث أصدر محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، بياناً وصف فيه 30 يونيو ب"الانقلاب". وفي 14 أغسطس تخلى شيخ الأزهر عن الدولة فأعلن رفضه فض اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين، وقرر العزلة في الأقصر فور الفض، وساوى بين الدولة والجماعات المتطرفة وأكد عدم علمه بالفض، ودعا للحوار بين "الفريقين"، كما دعا الدكتور حسن الشافعي رئيس المكتب الفني لشيخ الأزهر، الدول للتدخل في مصر لنصرة "مظلومي الإخوان". تتوالى أزمات الدكتور أحمد الطيب مع الدولة، التي تشير إلى خلاف شديد لم يخرج على الساحة بينهما، منها موقف الأزهر من "داعش"، حيث رفض تكفير التنظيم، معتبراً إياهم فرقة ضالة لكنها ليست خارج الإسلام، إلا أنه حارب النظام السوري من خلال الهجوم على الشيعة والعلويين، حيث أقحم "الإمام" الدولة فى أزمات ومواقف أخرى نتيجة عدم وجود رؤية حقيقية للأزهر. قضية إلغاء الطلاق الشفوي كانت القنبلة الكبرى بين الدولة والأزهر، وذلك حينما دعا رئيس الجمهورية، شيخ الأزهر للتجديد في مسألة واحدة ملحة تؤرق المجتمع المصري وهي الطلاق الشفوي، مطالباً باعتماد الطلاق الموثق فقط، فانتفضت هيئة كبار العلماء لرد الصاع صاعين لرئاسة الجمهورية بعد تعدد مطالب الرئيس بالتجديد الديني ورفضت الهيئة إلغاء الطلاق الشفوي بشكل قاطع في بيان ناري هاجم الدولة وطالبها بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بدلاً من مطالبة الأزهر بالتجديد، ثم اكتشف الجميع بعد ذلك أن اللجنة العلمية التي شكلتها الهيئة لبحث الطلاق الشفوي كانت قد انتهت لضرورة إلغاء الطلاق الشفهي، وكشف عن ذلك الدكتور حامد أبوطالب، عضو مجمع البحوث الإسلامية واللجنة الشرعية والفقهية التي شكلتها المشيخة، لبحث الأزمة، الأمر الذي يشير إلى أن موقف مشيخة الأزهر و"كبار العلماء" المؤيد ل"الطلاق الشفهي" سياسي، وليس دينياً، كذلك اكتشف الجميع أن الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر، كان قد أيَّد إلغاء الطلاق الشفوي قبل اجتماع الهيئة بأيام، ثم جاء بيان الهيئة ليدعى بحزم إجماع الأمة وعلماء الهيئة على حرمة إلغاء الطلاق الشفهي ليستمر الصراع حول الطلاق الشفهي وليحلل البعض الأمر بأنه موقف سياسي للمشيخة وليس دينياً. "الطيب" يعتزل ويتبرأ من تحرك الدولة ضد "الاعتصامات المسلحة".. وقيادات المؤسسة تهاجم التجديد وترفض الاقتراب من التراث "تجديد الخطاب الديني" سبب رئيسي لتوتر العلاقات بين الدولة والأزهر، حيث دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي شيخ الأزهر أكثر من 10 مرات، في مناسبات عديدة، إلى ثورة دينية، وتجديد الفكر وتطوير الخطاب بما يتناسب مع العصر الحالي ومعطياته، وتنقية التراث والرد على الأفكار المتطرفة، ولكن الأزهر ظل رهيناً لتراث محدود بمعطيات الماضي وأبعاده، ولم تترك المشيخة أحداً يتحرك في ملف تجديد الخطاب إلا واجهته وأجهضت تحركاته، بل هاجم الدكتور محمود مهنا، عضو هيئة كبار العلماء، دعوات التجديد في تصريحات له قائلاً: "الخطاب الديني في مصر لا يحتاج لتجديد". وهاجم "الطيب" دعوات تنقيح التراث، وقال خلال لقائه ببرنامج "الإمام الطيب": "لا يجب التهجم على التراث الإسلامي، لأن التراث الإسلامي يوضح أحكاماً فقهية كثيرة، وهناك من يحاول الهجوم على التراث الإسلامي بحجة تجديد الخطاب الديني". وقال الدكتور محمد مهنا، عضو المكتب الفني للإمام الأكبر، في كلمته باحتفال الجامع الأزهر بالمولد النبوي العام الماضي: "الدين ليس خطاباً لكي نجدده، كما يريد دعاة تجديده وإنما معاملة". رئاسة جامعة الأزهر حملت شكلاً من أشكال الخلاف بين الدولة والمشيخة، حيث رفضت الدولة كل مرشحي "الطيب" لتولي الجامعة بعد استقالة عبدالحي عزب بعد حكم قضائي بخروجه على المعاش في سن 60 عاماً، حيث رفضت الرئاسة أكثر من 5 مرشحين لرئاسة الجماعة كان 3 منهم تابعين لتنظيم الإخوان، وهو ما اضطر المشيخة لوضع قائمين بالأعمال متتالين لمدة أكثر من عام ونصف حتى الآن. "فهمي": على المشيخة مراجعة نفسها في نقاط عدة.. و"أبوحامد": القيادات الحالية صارت مع الفكر المتطرف والجامد وقال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية: "في البداية كان هناك تجاذب وتباين في بعض الرؤى، لكن قضية الطلاق الشفهي كانت الطامة لخروج القضية للعلن، وحملت علامات استفهام، خاصة فيما يتعلق بكلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي للإمام الأكبر: (سأحاججك أمام الله)، فطبيعة العلاقة بين الدولة والأزهر لا تحتاج لتقريب وجهات النظر، بل تحتاج لتوضيح رؤى داخل المشيخة ذاتها، فعليهم أن يراجعوا أنفسهم، خاصة أن هناك مشايخ أزهرية انضمت لرؤية الدولة، ورسائل المشيخة بأنها المؤسسة العصية على التغيير والتدخل بتطوير المناهج الأزهرية غير مقبول، كذلك هناك أحاديث حول اختراق الإخوان للمشيخة". وقال النائب محمد أبوحامد: "القيادات الحالية صارت مع الفكر المتطرف والجامد فالقائمون على عمل مشيخة الأزهر لديهم تصور أنهم دولة داخل الدولة، وهذا فكر شاذ لا يمكن الاعتماد عليه في ملفات مهمة للدولة".