فضيحة جديدة، مندوب بريطانيا لدى "الناتو" أقام عشيقته في مقر الإقامة الرسمي للحلف    وول ستريت جورنال: البنتاجون يستعد لنشر حاملة طائرات إضافية في الشرق الأوسط    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «4»    ضمن قائمة تضم 3 مدربين، ترشيح مدرب عربي شهير لقيادة مارسيليا الفرنسي    بعد أخطاء "إكسيل شيت"، وكيل تعليم المنوفية يحسم مصير تعديل نتيجة الشهادة الإعدادية    عصام عطية يكتب: وباء المؤلفين.. الأدب يحتضر    روما تقر مشروع قانون للهجرة يتضمن فرض حصار بحري على سفن المهاجرين    بورصة الذهب تستهل تعاملات الخميس بتراجع 30 دولارًا للأوقية    بايرن ميونخ يقصي لايبزج ويصعد لنصف نهائي كأس ألمانيا    زكريا أبوحرام يكتب: الكل يريد تشكيل الوزارة    السيطرة على حريق داخل مدرسة خاصة بدمنهور دون إصابات    المؤبد وغرامة 500 ألف جنيه لتاجر الكيف بشبرا الخيمة    بعد التغيير الوزاري.. ماذا ينتظر المصريون من الحكومة الجديدة؟    رمسيس الثاني يعود إلى عرشه بالمنيا.. انتهاء أعمال الترميم والتركيب    آذان الفجر الساعه 5:11 ص.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026 فى المنيا    حكم الولادة القيصرية خوفا من الألم.. ضوابط فقهية تحسم الجدل    لا أحب الحلوى كثيرا.. ميلانيا ترامب تحتفل بعيد الحب مع أطفال يتلقون العلاج    بخلاف ما تنظره هيئة المفوضين، 1700 طعن قضائي جديد للمطالبة بإلغاء تعديلات قانون الإيجار القديم    مبيدات إسرائيلية تنذر بكارثة زراعية فى سوريا    الداخلية تضبط مدير نادٍ صحي بدون ترخيص لممارسة أعمال منافية للآداب بالجيزة    الداخلية تكشف ملابسات فيديو السير عكس الاتجاه بطريق سريع بالقاهرة    زيلينسكي: لم نتلقَ ردا من روسيا على مقترح الهدنة في قطاع الطاقة    الزمالك يقرر استمرار معسكره في الإسماعيلية حتى نهاية مواجهة سيراميكا كليوباترا    مصطفى كامل يهنئ جيهان زكي بتولي وزارة الثقافة وضياء رشوان بوزارة الإعلام    الجارديان: على أوروبا ترسيخ تكافؤ الفرص الاقتصادية لمواجهة ضغوط ترامب    الخماسية الدولية للأمم المتحدة تحذر من التصعيد في السودان وتدعو لحماية المدنيين    الأنبا إبراهيم إسحق يشارك في قداس افتتاح اليوبيل الفرنسيسكاني    625 مستفيد من قافلة الرمد المجانية في دمياط    شوقي غريب: عودة عمر جابر وأحمد فتوح تمنح الزمالك قوة إضافية    اليوم.. انطلاق مهرجان برلين السينمائى ال76 بمسابقة دولية قوية    مجلس الوزراء: البعد الاجتماعي حاضر لضمان حماية المواطنين أثناء تنفيذ الإصلاح الاقتصادي    لتحديد نسبه.. النيابة تستعجل تحليل الDNA للطفل المخطوف منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية    اتحاد منتجي الدواجن معترضًا على استيراد مجزئات الدواجن: لا يمكن التحقق من ذبحها بالشريعة الإسلامية    حلمي طولان: إمام عاشور أفضل لاعب في مصر    وزير الخارجية إلى أديس أبابا لرئاسة وفد مصر باجتماعات الاتحاد الأفريقي    خلال لقاء "جسر التواصل".. "الوكيل": تطوير التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال والسياحة فرصة لإعادة صياغة مستقبل الإسكندرية    ضبط مدير محطة تموين سيارات يتلاعب في معايير الوقود بمطروح    «صرف الإسكندرية»: خدمات الشركة ستشمل 100% من المدينة.. ونسبة الشكاوى ستصل نسبتها إلى «صفر %»    خالد عكاشة: تقدير الرأي العام للوزراء الراحلين عن مناصبهم شهادة نجاح.. والحكومة الجديدة أمامها مسئوليات محددة    متحدث الصحة: إطلاق عيادات متخصصة لعلاج إدمان الألعاب الإلكترونية    مهرجان القاهرة السينمائي يهنئ الدكتورة جيهان زكي بتوليها وزارة الثقافة    السيسي أعدَّ مبكرا للإطاحة بعبد المجيد صقر .. تغيير وزيرالدفاع بنكهة إماراتية    طارق يحيى: ناصر ماهر فايق مع بيراميدز عشان ضامن فلوسه    الاحتراف الأوروبي ينهي رحلة أليو ديانج مع الأهلي.. وحسم جدل الزمالك    لاتسيو يتأهل لنصف نهائي كأس إيطاليا بركلات الترجيح أمام بولونيا    لقاء الخميسي عن أزمتها الأخيرة: كنا عائلة مستورة والستر اتشال في لحظة بسبب جوازة عشان يعلمنا درس    نقابة الموسيقيين برئاسة مصطفى كامل تهنئ الدكتورة جيهان زكي بتولي وزارة الثقافة    محافظ بني سويف: نعمل بروح الفريق مع أعضاء البرلمان لخدمة المواطنين    قرار جديد ضد عاطل متهم بالتحرش بطالبة في الطريق العام بأكتوبر    أحمد موسى: الحكومة الجديدة مكلفة باستكمال مسيرة التنمية    نائب وزير الصحة يتفقد مستشفى المبرة وعيادات التأمين الصحي بأسيوط.. يوجه بسرعة مناظرة الحالات    جامعة الفيوم تكرم الفائزين في مسابقة القرآن الكريم من العاملين وأبنائهم    محافظ الشرقية يُهنئ الطلاب الحاصلين على مراكز متقدمة في مسابقة تنمية القدرات    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 11فبراير 2026 فى المنيا    بنك العينات الحيوية بتيدور بلهارس يحصل على أول اعتماد رسمي في مصر    الأزهر يحسم الجدل حول والدي النبي صلى الله عليه وسلم: جميع آبائه وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم    متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام    الآن بث مباشر.. الأهلي يصطدم بالإسماعيلي في كلاسيكو مشتعل بالدوري المصري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«العناد» أطول الرؤساء حكماً لمصر
عناد «السادات» انتهى ب«الاغتيال».. وعناد «مبارك» انتهى به إلى السجن.. فإلى أين سيصل عناد الرئيس «مرسى» به وبمصر؟
نشر في الوطن يوم 27 - 12 - 2012

ما السبب الذى جعل «العناد» هو أكثر الأوصاف ارتباطاً برؤساء مصر فى نظر العالم؟
لقد جعلت أزمات الدستور الأخيرة «عناد» الرئيس محمد مرسى يدخل التاريخ، تماما كما دخل من قبله «عناد» الرئيس مبارك، ومن قبلهما «عناد» السادات.
كان كل عناد «رئاسى» من الحكام الثلاثة يحمل طابعاًَ مميزاً، خاصاً، ومرتبطاً بالظروف التى أدت إلى تكوينه فى نفسية الرئيس، ومرتبطاً فى الوقت نفسه ب«العناد» الذى كان يميز المحيطين به، أو المحكومين منه.
عناد «مرسى» وصل إلى قمته، مثلا، فى مواجهة القضاة والإعلاميين والشعب الرافض لدستوره، وهى نفس القمة التى وصل إليها عناد «مبارك» أمام المتظاهرين، الذين كانوا يطالبون بسقوطه فى ثورة يناير، وهى أيضاً القمة التى تشبث بها «السادات» فى عشرات المواقف فى حياته، ليحفر بها اسمه فى التاريخ بيد، ويحفر بها قبره باليد الأخرى.
هل نحن شعب لا يصلح معه إلا «العناد» جالساً على كرسى الحكم، أم أن «العناد» هو الذى يكسر لنا أعناق الحكام؟
ما نعرفه على الأقل هو أن عناد الرؤساء المصريين لا يولد بجلوسهم على كرسى الحكم، لكن السلطة هى التى تظهره واضحا للعيان. لم يكن عناد الرئيس مرسى مثلا منفصلا عن عناده عندما كان عضوا فى جماعة الإخوان المسلمين، كما تكشف قراءة «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» لشخصية الرئيس فى ضوء تصرفاته وقراراته الأخيرة، وهى القراءة التى أوردها تقرير حمل عنوان «لماذا لا يتراجع الرئيس مرسى؟».
كانت مواقف وقرارات الرئيس مرسى خلال وجوده فى الجماعة، تكشف من وجهة نظر التقرير أن عناده لم يكن خافيا على أحد، حتى إن اختار البعض أن يغمضوا أعينهم عنه، قال التقرير: «إن تاريخ مرسى السياسى يشير إلى أنه ليس الشخص الذى يؤمن بالحلول الوسط، فقبل انتخابه رئيسا لمصر، كان دور محمد مرسى فى قلب مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان يدفع الجماعة فى اتجاه أكثر تشددا فكريا، فى الوقت الذى يخلص فيه الجماعة من الأفراد الذين يختلفون مع اتجاهاته».
«فى ذلك الإطار، قاد مرسى جهود الإخوان فى 2007 لصياغة مسوَّدة برنامج الحزب، الذى يطالب بقصر منصب الرئيس على الرجال المسلمين، وإنشاء مجلس من علماء المسلمين لإقرار القوانين حسب توافقها مع أحكام الشريعة. وعندما أبدى شباب الإخوان اعتراضهم على هذه التحفظات، استبعدهم مرسى بمنتهى الحزم، وترك بعضهم الإخوان بعدها بفترة قصيرة».
«وبعدها بعامين، عندما دعا محمد حبيب وعبدالمنعم أبوالفتوح، وكلاهما من كبار قيادات الإخوان، لإجراءات سياسية أكثر انفتاحا فى قلب مكتب الإرشاد التنفيذى، كانت النتيجة أن تخلص مرسى منهما أيضاً».
وكان «عناد» مرسى هو طريقه للتقدم فى صفوف الجماعة كما يواصل التقرير: «وعلى الرغم من أن طريقة مرسى المتشددة قد استبعدت الإخوان المسلمين الذين كانوا يريدون أن تركز الجماعة على الدعوة، والقيام بدورها فى الخدمات الاجتماعية، فإنها أثارت إعجاب قادة الجماعة الذين كانوا يريدون للمنظمة أن تلعب دورا سياسيا أكثر، وهم من عرف فى الجماعة باسم القطبيين، أو أبناء (سيد قطب)، نظرا لانتمائهم لآراء سيد قطب وتفسيراته السياسية للإسلام، هؤلاء الذين تبنوا سياسات مرسى التى ترفض التعددية، وكلفته بمزيد من المسئوليات السياسية الأكثر أهمية».
نفس العناد الذى جعل مرسى فيما بعد يتعامل مع أشد أجهزة نظام «مبارك» عنادا، وهو جهاز أمن الدولة: «مثلا فى 2007، كلف القطبيون مرسى بالتعامل مع جهاز أمن الدولة القمعى فى عهد مبارك، واثقين على ما يبدو من أن تشدده الفكرى وأسلوبه الحاد تجاه من هم خارج جماعته لن يجعلاه يرضخ أمام أى شىء. وقال محمد حبيب فى لقاء فى مارس 2011: «إن أمن الدولة تحب أن تكون لديها نقطة اتصال تحظى بثقة العديد من الإخوان، وقام العديد من كبار قادة الإخوان بتزكيته»، وفى هذا الإطار تفاوض مرسى على مشاركة الإخوان فى انتخابات 2010 البرلمانية، وتحدى النظام بسحب مرشحى الإخوان من الجولة الثانية فى الانتخابات احتجاجا على تلاعب النظام، وقام مرسى أيضاً بتمثيل جماعة الإخوان فى اللقاء الذى جمعهم مع نائب الرئيس الأسبق «عمر سليمان» خلال الثورة، لينضم إلى باقى من حضروا اللقاء ورفضوا إنهاء الاعتصامات حتى يستقيل مبارك، وقال مرسى وقتها: «إن موقفنا هو مع الشعب، على الرئيس أن يتنحى، هذا هو فصل الخطاب».
واتخذ عناد مرسى منحًى آخر عندما أصبح رئيسا لأول حزب سياسى للإخوان، وهو حزب الحرية والعدالة، يقول التقرير: «وبعد رحيل مبارك فى 2011، قام مكتب الإرشاد بتعيين مرسى رئيسا لحزب الحرية والعدالة، ومن هذا المنصب عمل مرسى على أن يحظى الحزب الذى تكوّن حديثا بدعم واسع من كوادر الإخوان، ولكن فى ربيع 2011 نجح مرسى فى الضغط لاستبعاد شباب الإخوان الذين أرادوا أن تظل الجماعة بعيدا عن الانتخابات والسياسة». وقال «إسلام لطفى»، أحد شباب الإخوان: «إن هناك من يرون أنفسهم مثل فرسان أو حماة المعبد، إن مرسى يهتم كثيرا بالنظام أكثر مما يهتم بالناس».
ويواصل تقرير «معهد واشنطن»: «وخلال رئاسته لحزب الحرية والعدالة، بدا أن أسلوب مرسى الذى لا يعرف الحلول الوسط أسلوبا حيويا جدا للحزب الوليد، صحيح أن الحزب قام فى البداية بتشكيل تحالف سياسى مع 40 حزبا وتيارا آخر، إلا أن مرسى أصر وبعناد على أن مرشحى حزب الحرية والعدالة ينافسون على 40% من المقاعد التى ينافس عليها التحالف، وانهار التحالف نتيجة لذلك، ولكن حزب الحرية والعدالة فاز ب77% من مقاعد البرلمان، بنسبة 47% من الأغلبية البرلمانية».
«وبالطبع، فإن الرئيس مرسى حاول أن يبدو أكثر انفتاحا على الخارج خلال حملته الرئاسية القصيرة، لذلك وقبل أسبوع من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، التقى مرسى بعدد من شباب الثورة ووجوه المعارضة البارزة من غير الإسلاميين، وقدم وعودا بالحكم بالمشاركة لا بالمغالبة، بما فى ذلك إمكانية تعيين نائب قبطى أو نائبة لرئيس الجمهورية، إلا أن مرسى رفض الوفاء بوعده، وأحاط نفسه بمستشارين على صلات بالإخوان، مشكلا حكومته من الإخوان، ومن الموظفين ممن ليست لهم توجهات أيديولوجية».
ومن «معهد واشنطن» الأمريكى إلى مجلة «دير شبيجل» الألمانية، ظل العناد ملازما لرئيس حزب الحرية والعدالة الذى أصبح رئيسا لمصر، قالت: «لا يبدو أن فهم الرئيس مرسى للسياسة فيه مكان للحلول الوسط والتفاهمات التى تمثل جزءا طبيعيا من العمل السياسى، خاصة فى القرارات بعيدة المدى مثل التى تواجهها مصر مع أزمة الدستور. يرى مرسى الديمقراطية على أنها تغليب لرأى الأغلبية على حساب السماح للشعب ككل بالمشاركة فى الحكم. عقليته تنظر إلى الأمور بمنطق (أن الرابح يأخذ كل شىء)، الأمر الذى جعله يتجاهل أن احترام الأقلية هو جزء من نجاح حكم الأغلبية».
وواصلت وكالة «رويترز» عن الرئيس «مرسى»: «إن من يعرفون تاريخ مرسى كقائد سياسى فى جماعة الإخوان المسلمين، يعرفون أن شخصيته قد تكون عاملا فى الأزمة الحالية، إن مرسى رجل عنيد، ليس معروفا عنه أنه يستجيب للأشخاص الذين يختلف معهم، يضاف إلى ذلك أن مرسى لا يعتمد إلا على الإخوان، بسبب عدم ثقته فى إدارته نفسها التى ظل جزء كبير منها قائما بعد سقوط مبارك».
وتواصل «رويترز»: «إن النتيجة النهائية لعناد الرئيس مرسى هى أنه أصبح رئيسا معزولا، ظهر ذلك عندما حاصر المتظاهرون قصر الاتحادية اعتراضا على الدستور الجديد. شعر مرسى أنه لا يمكنه الاعتماد على وزارة الداخلية لحمايته، وعجز عن تأمين دستة من مقرات الإخوان من الاعتداءات المتكررة عليها فى الأسابيع الأخيرة، فاستدعى أعضاء جماعة الإخوان ليكونوا دروعا بشرية تحمى قصر الرئاسة لأنه لا يمكنه أن يثق فى الدولة، إنه معزول».
هل تكون «عزلة» الرئيس مرسى إذن سببا فى «عزله» من المنصب الذى وصل إليه؟ إن عناد مرسى يجعله لا يستمع إلا للآراء التى يريد أن يستمع إليها، ولا يستقبل المعلومات من أطراف أخرى غير جماعته. هل هناك فارق كبير إذن بينه وبين الرئيس مبارك الذى عزل نفسه فى سنواته الأخيرة عن نبض ومطالب الناس، محاصرا نفسه ب«جماعة» من أصحاب المصالح الذين لا يسمعون سوى صوت أنفسهم، ليقوده عناده فى النهاية إلى السقوط؟
ربما كانت قراءة عناد مبارك، التى قدمها «روبرت ريد» فى صحيفة «هافنجتون بوست الأمريكية»، هى الأفضل، حيث حاول فيها أن يقرأ اللحظات التى حوّل فيها العناد مبارك من بطل حرب إلى مجرم وراء القضبان.
لقد كان عناد مبارك نتيجة طبيعية ومنطقية لجموده، للتحجر الذى عرف به فى عقله وحكمه وتصرفاته وسياساته، يقول «روبرت ريد»: «لقد اعتبر العالم أن شخصية مبارك الباهتة تغييرا مرحباً به، بدلا من الكاريزما المدمرة التى كانت تميز (عبدالناصر) و(السادات). لكن بمرور التجارب والوقت، بدأ العالم يدرك أن مبارك يجسد فكرة «بقاء الحال على ما هو عليه»، كأنه تمثال أبوالهول الذى لا ينوى أن يتزحزح عن موقفه، حالة من الجمود والتحجر التام التى أدت إلى أن تتجمد مصر كلها فى مكانها، يتصارع شعبها من أجل الطعام والكساء».
كان عناد مبارك يدفعه للتحجر فى مكانه فى الوقت الذى تغلى فيه الأرض من تحت قدميه: «وكان هذا العناد هو الذى جعله لا يشعر بغليان الغضب الشعبى، خاصة أنه أحاط نفسه فقط بمن يعيدون عليه ما يريد سماعه، كان قائدا سابقا للطيران، معروفاً بطبيعته القتالية والعنيدة، وهى الطبيعة التى جعلته يتخذ أحيانا خطوات بطيئة نحو الديمقراطية خلال حكمه، ثم يتراجع نحو الديكتاتورية من جديد، حتى انفجرت الاحتجاجات الشعبية بشكل متواصل ضده».
وعندما كان مبارك يرعى مصالح الولايات المتحدة كان عناده موضع ترحيب؛ كانت البرقيات التى كشفت عنها تسريبات وثائق «ويكيليكس» من الخارجية الأمريكية، تطلق على عناده أوصاف مثل: «الواقعية، والحنكة المجربة، والحذر الذى يمثل جزءا من شخصيته، والطبيعة المحافظة».
ومبارك نفسه لم يكن ليعرف عناده، أو يعترف به حتى لو رآه العالم كله، يقول «روبرت ريد»: «إن مبارك كان ينظر إلى نفسه على أنه شخص صلب لكنه عادل، يؤمن الاحتياجات الأساسية لشعبه، ومن المقبول تماما بالنسبة له أن يعانى البعض من أجل تجنب وقوع المجتمع ككل فى فوضى».
«تجنب المجتمع الفوضى من وجهة نظر مبارك، لكنه هو تجمد فى مكانه، كان يمنح مكاسب محدودة للمعارضة، ويفتح أبوابا ضيقة للديمقراطية فى كل مرة يضغط عليه الشعب فيها، ثم تمسك بصمته أمام الغضب الشعبى المتزايد ضد توريث السلطة لابنه (جمال). وعندما اندلعت الثورة ضده فى يناير 2011، اكتفى بالقول بأنه لن يرشح نفسه لفترة جديدة، وظل متمسكاً بمنصبه، مبرراً ذلك بعدم رغبته فى أن يقع المجتمع فى فوضى».
أما الرئيس «السادات»، فكانت أى فوضى فى المجتمع تدفعه لمزيد من العناد.
لاحظت صحيفة «هيرالد تريبيون» الأمريكية، فى مقال نشرته وقت توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، أنه فى كل مرة كان الضغط الشعبى يتزايد فيها على الرئيس السادات داخليا، كان هو يرفض الاستسلام لهذا الضغط، ويتجه للتحرك بقوة على الساحة الدولية، حتى إن بعض المراقبين كانوا يرون أن تحرك السادات الجرىء فى توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، كان ردا على الانتفاضة الشعبية التى اندلعت ضده احتجاجا على رفعه لأسعار السلع الأساسية.
«كان المصريون غاضبين من تحرك السادات، لكنه لم يفكر فى تهدئة غضبهم، بل صمم على أن السبب فى اشتعال الأوضاع الداخلية فى البلاد هو أن مصر ظلت لثلاثين عاما تعانى تحت خط الفقر، وهى مضطرة للإبقاء على جيشها كأكبر جيش فى الشرق الأوسط بسبب التهديد الإسرائيلى، لذلك اتخذ قراره ضد الجميع بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، قالها بحس أبوى، وبلهجة عاطفية كعادته فى كل خطاباته، وإن كان المراقبون يرون أن السادات لا يمكن أن يتخذ أى خطوة إلا إذا كان قد درسها وخطط لها جيدا».
وواصلت ال«تريبيون»: «عندما تذكر اسم الرئيس السادات أمام المصريين، فإنهم يذكرون فورا مثلا شعبيا عندهم يقول: (المنوفى لا يلوفى)، لأن ذكاء أبناء المنوفية، الذين ينتمى السادات إليهم، وحدة ذهنهم، وصلابة طباعهم، كلها أمور لا تجعلك قادرا على مناورتهم أو التلاعب بهم».
«لم يكن الناس يتصورون حجم صلابة وعناد السادات فى بداية الأمر، بدأ حكمه والناس ينظرون إليه على أنه سياسى من الدرجة الثانية، أمضى سنوات طويلة قابعا فى السكون والصمت قبل أن يستغل كل موقف وضعته الظروف أمامه ليحوله ببراعة لصالحه».
«لقد كان السادات يعرف أنه يتولى الحكم بعد أشهر زعيم عربى يتمتع بالحضور والكاريزما فى نظر الكل، كان يعرف أيضاً أن معظم الناس تسمع اسمه فتقول: «أنور من؟»، والواقع أنه حتى النخبة القريبة من (عبدالناصر) كانت تنظر للسادات بنوع من الاستخفاف، وكان صغار الموظفين فى بداية حكمه يتصورون أنه مجرد نكرة، يمكن إقصاؤه من منصبه بأقل مجهود بمجرد أن تستقر الأمور بعد وفاة عبدالناصر، ولكن فاجأ السادات المجتمع كله بصلابته، وقدرته على المواجهة، والتحدى، وعلى اتخاذ قرارات حاسمة تصل إلى حد العنف لو لزم الأمر، خاصة أمام كل الانقلابات والضربات التى كانت تخطط ضده، التى انتهت بتصفية كل مراكز القوى التى كانت قائمة فى عهد عبدالناصر، وبالسادات معلناً أنه لن يسمح لمصر بأن تنزلق من جديد إلى هوة الدولة البوليسية».
لكن عناد السادات، وصلابته فى المواجهة، وقدرته على ضرب من يواجهه، انتهت بالاغتيال.
وكانت نهاية عناد مبارك أمام شعبه هى سجن بلا هيبة، وعلاج بلا شفقة، وحياة بلا كرامة.
فإلى أين سيصل عناد الرئيس مرسى به وبنا؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.