"وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى".. هو المصطفى، الحبيب، النبي الشفيع، خير الخلق وخاتم الخليقة، محمد صلى الله عليه وسلم، الذي اهتدت بنوره الدنيا والأمم. في بحثي عن مشاهدة فيلم في إحدى السهرات وجدت أمامي فيلمًا بعنوان "محمد رسول الله"، شدّني الاسم وتوقعت أن تكون القصة كالمعتاد: إنتاج ضعيف وسيرة تُروى، وحينما رأيت أنه إنتاج إيراني، اختلف توقعي إلى خطايا النهج الشيعي؛ فقد يجسدون النبي بصورة بشرية، وهذا غير مقبول، لكني شرعت في المشاهدة للتقييم. فاجأتني الساعات الثلاث للفيلم بإنتاج سينمائي يتفوق على هوليوود؛ مؤثرات بصرية وزاوية مختلفة لقصة النبي، فقد اختار المؤلف إظهار معاناته وبركته منذ يوم مولده حتى بعثته رسولًا. فيلم شيق لا تمل من ساعاته، بل تتمنى عدم انتهائه. نقاط رئيسية فارقة جعلت قصة الفيلم مميزة عن أي عمل إنتاجي آخر رصد حياة النبي. كانت أولى الزوايا رصد ما قبل النبوة، النبي رضيعًا، وكيف اختار الله له مرضعته السيدة حليمة السعدية، التي كان لها نصيب كبير من القصة، بعد أول معاناة له من عمه أبي لهب الذي رفض أن ترضعه خادمة زوجته. بعدها رصد الفيلم معاناة النبي في التنقل وبعده عن مكة بواسطة جده، فقد أصبح هدفًا لليهود، فهو الطفل المبارك الذي أضاءت السماء بنوره، نور يشبه ما أضاء حينما تجلى الله لموسى في سيناء. كانت بدايتهم في البحث عن طفل ولد في ذلك اليوم من عام الفيل لإطفاء نوره الذي سيطغى حتى نهاية الأرض. ويرتكز الفيلم على علاقته بأمه التي أخذت نصيبًا كبيرًا من البطولة، حتى وُضعت صورتها على بوستر الفيلم. لحظات الفراق طفلًا للحماية من أخطار المطاردة، ولحظات الاجتماع القليلة معه، ومعاناتها في إيجاد مرضعة وبحثها عنه، التي انتهت بموتها في حضنه بالمدينة المنورة، ومرضه بحمى الفراق، ومداواة عمه له. يبدأ الفيلم من اختيار اسمه "محمد"، الذي أوحي به لجده عند أستار الكعبة، واستنكرته قريش، فقد كانت العادة تسمية المواليد بأسماء الأصنام للتبرك. وتتركز أحداثه بشكل أكبر في فترة طفولة النبي حتى شبابه، وملاحقته من قبل الكفار واليهود، وحربه لتحرير العبيد، وهدم الأوثان، وتوزيع الخيرات في مناطق مختلفة. كنت أظن أني أعرف الرسول مما أسمعه من خطب في وطني، إلا أني علمت بعد مشاهدتي أني لم أعرف عنه شيئًا قط. "عرفته حق المعرفة"، كان ذلك تعليقًا من أحد مشاهدي الفيلم على اليوتيوب، لخص ما يمكن أن أكتبه عن ذلك العمل العظيم، فليت كل شركات الإنتاج والجهات المنتجة في مصر تتابع الفيلم وتحاول بلورة إنتاجات ولو مشابهة. فالكارثة قد تكون في منافستنا لأنفسنا دون النظر إلى سوق الإنتاج الخارجي، الذي يزداد تفوقًا رغم امتلاكنا إمكانيات أكبر، لكن بسبب مكابرتنا عن التعلم والتطوير، واعتمادنا على المثل الشائع: "يموت المعلم ولا يتعلم".