محافظة القليوبية تحيي ذكرى العاشر من رمضان بمسجد ناصر ببنها    الهيئة العامة للاستعلامات تناشد وسائل الإعلام الأجنبية الرجوع إلى البيانات الرسمية    الحرب على إيران تدفع الذهب إلى قفزات تاريخية.. زيادة جديدة في التعاملات المسائية    "المقاومة الإسلامية في العراق": نفذنا 16 عملية بعشرات المسيّرات على قواعد العدو في العراق والمنطقة    دونجا يشارك في خسارة جديدة للنجمة بالدوري السعودي    الأهلي يكشف سبب رفض العرض السويدي لرحيل المغربي أشرف داري عن الفريق    نابولي يعود للانتصارات بالفوز على هيلاس فيورنا في +90    «مناعة» الحلقة 11 | صدمة جديدة تعصف ب هند صبري.. وتعرض شقيقها لحادث سير    وزيرة الثقافة فى افتتاح هل هلالك: أتعهد بتحقيق العدالة الثقافية في كل المحافظات (فيديو وصور)    علي جمعة: الصلاة في الكنيسة جائزة شرعًا.. ونؤدي المغرب بها إذا دعانا إخواننا المسيحيون    عبدالرحيم علي: واشنطن تستهدف كسر إيران نوويا وعسكريا.. ولا رهان على باكستان والحل في صوت العقل لإنقاذ الشرق الأوسط    تحرير 628 مخالفة تموينية في حملات مكبرة بالإسماعيلية    إخماد حريق اندلع في عيادة طبيب أنف وأذن بالفيوم دون إصابات بشرية    رمضان 2026| «فوتشيني باللحمة المفرومة» طبق رئيسي مبتكر لعزومات الشهر الفضيل    عاجل- إسرائيل: عملياتنا العسكرية ضد إيران ستستمر أيامًا «لتحريرها من النظام»    سقطا من مكان مرتفع.. وفاة عاملين في حادثين بالقاهرة    الشوط الأول| بايرن ميونخ يتأخر أمام دورتموند في الدوري الألماني    رونالدو يقود هجوم النصر أمام الفيحاء    باسم سمرة: الجيل الجديد عنده ورق ودور العرض السينمائية اختفت    مروان عطية: مطلبتش أعدل عقدي.. والزمالك الأقوى في مصر بعد الأهلي    ارتفاع حصيلة قتلى تحطم طائرة عسكرية أثناء الهبوط في بوليفيا إلى 20 شخصا    الأزهر الشريف يرسم لوحة أخوّة عالمية على مائدة الإفطار    مجلس الكنائس العالمي يدين الهجمات العسكرية على إيران ويحذر من اتساع رقعة الصراع    الكشف على 379 وتحويل 23 حالة للجراحة في قافلة "طب الإسكندرية" بالظاهرية    ليدز ضد مان سيتي.. عمر مرموش يقود الهجوم فى غياب هالاند    وقف محاكمة المتهمين بواقعة مطاردة نجلي الفنانة زينة بكلب بالشيخ زايد    وزير الأوقاف يهنئ القارئ بلال سيف بفوزه بمسابقة القرآن في تنزانيا    قناة الحياة تنقل صلاة التراويح من مسجد الحسين.. بث مباشر    «فخر الدلتا» الحلقة 11.. أحمد يطلب المساعدة.. وفخر يغلق الهاتف    منظمة أوبك بلس تحدد مسار أسواق النفط في اجتماع غد بعد حرب أمريكا وإيران    الحرب على إيران | سعر الريال السعودي خلال تعاملات البنوك اليوم    الإسكندرية تشن حملات ب5 أحياء لإزالة التعديات واسترداد أراضي الدولة    الكهرباء: التغذية آمنة ومستقرة وخطط بديلة لمواجهة أي تطورات    عباس شومان: لا يعلم نهاية الإجرام العالمي إلا الله.. والسفهاء يقودون حربًا فكرية    القاهرة الإخبارية: تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي بعد رصد صواريخ إيرانية    وزير الرياضة يهنئ اتحاد الخماسي الحديث بذهبية وفضية مصر في كأس بافيل    موعد آذان المغرب.... تعرف على موعد اذان المغرب اليوم العاشر من رمضان السبت 28فبراير 2026 بتوقيت المنيا    تداول 46 ألف طن و814 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    تغريم المتهم بنشر شائعات ضد بدرية طلبة 20 ألف جنيه    أوقاف الإسكندرية تنظم مسابقة قرآنية لتعزيز القيم الإيمانية في شهر رمضان    «التعليم» تبدأ تشكيل لجان وضع أسئلة الثانوية العامة 2026 الشهر المقبل    الخارجية السعودية تخرج عن صمتها: إدانة حادة للهجمات الإيرانية "السافرة والجبانة" على الرياض والمنطقة الشرقية    نجل الرئيس الإيراني: والدي نجا من محاولة اغتيال دون إصابة    سط تريندات الحلويات الرمضانية.. هل الحلويات المنزلية هي الخيار الأفضل صحيا؟    لماذا اختيار يوم العاشر من رمضان كان مفتاحًا للنصر؟ الأوقاف توضح دور التخطيط العسكري والقوة الروحية    الداخلية تعلن مد مبادرة كلنا واحد بتخفيضات تصل ل 40%    الداخلية تعلن نتائج حملات أمنية موسعة لقطاع الأمن الاقتصادي وضبط آلاف القضايا    مواعيد مواجهات الجولة العاشرة بدوري عمومي سيدات كرة اليد اليوم    حسام حسن: هدفي في مرمى الشناوي "لا ينسى".. واللعب للزمالك يشرفني مثلما لعبت للأهلي    تنفيذ 10 قرارات إزالة تعديات بمساحة 800م2 فى كفر الشيخ    ازاي تحافظ على صحة جهازك الهضمي في رمضان؟    «147 جولة».. استنفار في «الصحة» لسرعة إنهاء المشروعات القومية بتوجيهات رئاسية    منال عوض: نسعى لتحسين مدخلات العنصر البشري في منظومة المحليات    الإنتاج الحربي يدخل عصر الحروب الذكية.. خطة رسمية لتطوير الأسلحة بالذكاء الاصطناعي    السفارة الأمريكية في قطر تفرض إجراءات البقاء في أماكن الإقامة لجميع موظفيها    حبس عاطل بتهمة الشروع في قتل موظف بالأميرية    فوز غادة البنا بمقعد شعبة الكهرباء في انتخابات مهندسي الإسماعيلية    عصام شعبان عبدالرحيم يهاجم حمو بيكا: كله ينزل تحت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ الإسلام في الأندلس
نشر في الفجر يوم 03 - 09 - 2015

دخل الإسلام إلى الأندلس من (92ه / 711م إلى 95ه / 714م)، وأهلها في سخط عارم ضد حكامها القوط النصارى الثلاثيين؛ بينما كان معظمهم تابع لمذاهب مسيحية موحدة، مضطهدة من طرف الكنيسة الحاكمة. وهكذا انضموا إلى الإسلام عن طواعية وحماس، لدرجة أن بعض المفكرين الأسبان المعاصرين نعتوا الفتح الإسلامي للأندلس، بثورة إسلامية في الغرب [1].
وهكذا دخلت منطقة لا تقل مساحتها عن 700,000 كيلومتر مربع، دارا لإسلام طواعيةً، تضم معظم شبه الجزيرة الأندلسية، سوى منطقة جبلية في الشمال الغربي، كما تضم قسمًا مهمًا من فرنسا، أو الأرض الكبيرة، كما سمّاها قدماء المسلمين؛ فتكوّن مع السنين شعب أندلسي جديد، مسلم العقيدة، عربي اللغة، له خصوصياته، متأصل في بلده. ولم يكن ذلك الفتح الإسلامي غزو أمة لأخرى، وإجبارها على دين ولغة، لم ترتضيهما؛ بل الشعب الأندلسي نفسه اختار الإسلام دينًا، والعربية لغةً حضارةً، ورحّب بالفاتحين المسلمين الأوائل ترحيب المقهور بالمنقذ.
الدولة الأموية في الأندلس
انضمّت الأندلس أول الفتح الإسلامي إلى ولاية المغرب في الدولة الإسلامية، وعاصمتها القيروان، (في تونس اليوم). ثم أصبحت ولايةً قائمةً بنفسها، وعاصمتها إشبيلية. ثم انفصلت الأندلس عن الدولة العباسية في المشرق سنة (138ه /756م) تحت زعامة عبد الرحمن الداخل الأموي، الذي أسس دولةً أمويةً في الغرب، واتخذ قرطبة عاصمته.
وصلت الأندلس الأموية أوجهًا أيام عبد الرحمن الناصر (300 - 350ه / 912 - 961م)، لكن مساحتها نزلت إلى 440,000 كيلومترًا مربعًا بعد أن فقد المسلمون "أربونة" و"قرقشونة"، وكل الأرض الكبيرة، و"بمبلونة"، و"برشلونة"، و"برغش"، و"ليون"، و"أبيط"، وكل "جليقية"، و"سمورة"، وغيرها من مدن شمال غربي الجزيرة الأندلسية، تحت ضغط الفلول النصرانية، التي تنظمت في دويلات متحالفة ضد الوجود الإسلامي ودولته، أهمها "قشتالة"، و"نبارة"، و"ليون".
الأندلس في عهد ملوك الطوائف
بدأ الضعف يسري في الدولة الأموية بعد وفاة المنصور بن أبي عامر، حاجب هشام الثاني المؤيد حفيد الناصر، إلى أن انهارت سنة (422ه / 1021م) وانقرضت؛ فتجزأت الأندلس بين ملوك الطوائف، وصل عددهم إلى 23 ملكاً. فاغتنمت الدول النصرانية هذه التجزئة، وأخذت تحتلّ مدن الإسلام الواحدة تلو الأخرى، أهمها "طركونة"، و"براغة"، و"قلمرية"، و"مجريط"، وخاصةً "طليطلة" سنة 478ه (1085م).
الأندلس في عهد المرابطين
فاستنجد الأندلسيون بأمير المسلمين بالمغرب يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، الذي استجاب لهم، وهزم النصارى في معركة الزلاقة، سنة 479ه (1086م)، ثم قضى على ملوك الطوائف، وضم الأندلس إلى المغرب؛ لكن أرضًا شاسعةً بما فيها "طليطلة" ظلت تحت حكم النصارى، وتقلصت مساحة الأندلس الإسلامية إلى 250,000 كيلومترًا مربعًا.
الأندلس في عهد الموحدين
ولما ضعفت الدولة المرابطية، تجزأت الأندلس مرةً ثانيةً إلى طوائف؛ فاستنجد الأندلسيون بدولة الموحدين المغاربة، فأنجدوهم سنة (540ه / 1145م)، وضموا الأندلس للمغرب الموحدي، بعد أن ضاعت مناطق أخرى ومدن أهمها "سرقسطة" سنة (512ه / 1118م). ثم انهزمت الدولة الموحدية على يد النصارى في معركة العقاب سنة (609ه / 1212م)، فانقسمت المقاومة الشعبية ضد الجيوش النصرانية الغازية بين ابن هود، وابن الأحمر. لكن لم يستطع أحدهما إنقاذ قرطبة من السقوط في يد النصارى في (23/10/633ه - 29/6/1236م).
الأندلس في عهد ابن الأحمر
وبعد وفاة ابن هود سنة (635ه / 1237م)، تابع ابن الأحمر مجهوده في توحيد الأندلس الإسلامية واتخذ "غرناطة" عاصمةً له. ولم يتوقف الزحف النصراني على الأراضي الأندلسية بسقوط "قرطبة"؛ بل احتل الأراغونيون النصارى "بلنسية" سنة (626ه / 1238م) ثم "شاطبة" ومنطقتها. واستسلمت "مرسية"، آخر معاقل شرقي الأندلس، للنصارى القشتاليين سنة (640ه / 1243م)؛ فاستنجد الأندلسيون بالمغاربة، ولكن المغرب كان فريسة حروب أهلية، لم يتمكن معها من إنجادهم هذه المرة.
ثم استنجدوا بالدولة الحفصية "بتونس" دون جدوى؛ فتابع ابن الأحمر مقاومته للنصارى، الذين حاصروا "غرناطة" نفسها سنة (643ه / 1244م). فآثر مصانعتهم، وقدم الطاعة لملك "قشتالة"، وقبل أن يؤدي له جزيةً سنويةً، وأن يكون حليفةً في كل حروبه، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي. وسلم ابن الأحمر لقشتالة جيان ومنطقتها، ثم ساعدها على احتلال المناطق التي اعترفوا له بها، وأفظع ما حدث في ذلك، إعانته لها على غزو مدينة "إشبيلية" سنة (645ه / 1241م) ومنطقة غربي الأندلس[2].
وقضى ابن الأحمر، مؤسس الدولة النصرية، ما تبقى من حياته في توطيد مملكته وتنظيمها، وتوطين المهاجرين، إلى أن توفي سنة (671ه / 1272م) عن 76 سنةً. وقد تقلصت دولة الأندلس في أقل من قرن إلى 30,000 كيلومترًا مربعًا، وهي المناطق التي تضم اليوم ولايات مالقة وغرناطة والمرية، وأقسامًا من ولايات قادس وقرطبة وجيان. وهي مناطق جبلية غير قابلة للزراعة، جعلت منها العبقرية الأندلسية مركزًا حضاريًا لا يضاهي، زراعةً، وصناعةً، ومناعةً.
الأندلس .. نحو السقوط
أدت هذه الأحداث المأساوية إلى تغير جذري في الأمة الأندلسية؛ فكلما احتل النصارى أراض إسلاميةً، هاجرت الطبقة المثقفة، وأهل الصناعات والحرف، إلى ما تبقى من الأراضي الإسلامية في مملكة "غرناطة". وبقي عامة الشعب تحت حكم النصارى، وكان الأندلسيون يسمون المتخلفين عن الهجرة من المسلمين (بالمدجنين) وقد نظم هؤلاء أنفسهم في جماعات إسلامية؛ بينما أصبحوا أقليةً في عقر دارهم، إذ أتى الغزاة بمهاجرين نصارى لتعمير أراضيهم. وقد حافظ المدجنون على دينهم في ظروف صعبة تشبه العبودية. وضعفت مع السنين اللغة العربية بينهم، وأصبحوا يكتبون كتبهم ورسائلهم باللغة الأعجمية، وهي لغة قشتالية، أو كتلانية، أو أراغونية، مكتوبةً بالحروف العربية.
أما سكّان مملكة "غرناطة" فكان عددهم يساوي على صغر رقعتها، وعدد سكان ما تبقى من الجزيرة الأندلسية، وكانوا جميعًا مسلمين، إذ لم تبق بينهم أقليات نصرانية، كما أن اللغة الأعجمية اندثرت بينهم، وأصبحت اللغة العربية بلهجتها الأندلسية هي لغتهم الوحيدة. وأصبحت مملكة "غرناطة" ملجأ الأندلسيين المدجنين وغيرهم، تستقبل كل سنة عددًا كبيرًا منهم ومن المجاهدين المغاربة.
الأندلس في عهد أبي عبد الله محمد الفقيه
حاول نصارى قشتالة غدر غرناطة واحتلالها فور وفاة ابن الأحمر، الذي أوصى ابنه وولي عهده أبو عبد الله محمد الفقيه بالتشبث بالمغاربة والتحالف معهم. وكان المغرب قد استعاد شيئًا من قوته تحت الدولة المرينية. فاستنجد أبو عبد الله بالسلطان أبي يوسف المنصور المريني، الذي انتقل من عاصمته فاس إلى الأندلس على رأس جيش مغربي كثيف وألحق بالنصارى أشنع الهزائم سنة (674ه / 1275م)، ثم انتقل مرةً ثانيةً سنة (677ه / 1278م)، وثالثةً سنة 678ه، ورابعةً سنة 684ه، حيث تُوفي بالجزيرة الخضراء. ولم يقاوم المغاربة النصارى فقط؛ بل غدر السلطان أبي عبد الله كذلك، وأسسوا مشيخة الغزاة في "غرناطة" برئاسة شيخ من بني مرين لتنظيم المتطوعين المغاربة.
وتابع السلطان أبو يعقوب سياسة والده، وواجه هو الآخر بصبر جيوش النصارى، وغدر السلطان النصري. فانتقل إلى الأندلس مدافعًا عنها سنة 690ه. وتابع السلطان أبو عبد الله الفقيه جهاده ضد النصارى، بعد أن أفاق من غلطته، واستغفر عن زلاته إلى أن توفي سنة (701ه / 1302م) فاضطربت الدولة بعده، وتكالب عليها النصارى حتى كادوا أن يتغلبوا عليها.
الأندلس في عهد أبي الوليد إسماعيل
وانتقل الحكم سنة (713ه / 1314م) إلى أبي الوليد إسماعيل من غير فرع ابن الأحمر، مؤسس الدولة. فوطد الدولة وأقر التحالف مع المغرب، وأراغون، ضد قشتالة، إلى أن أغتيل سنة 725ه. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد، الذي اُضْطُرّ إلى الاستنجاد بالمغاربة ضد النصارى، فجاز السلطان أبو الحسن المريني إلى الأندلس، ونجح في تحرير جبل طارق من يد النصارى سنة 733ه (1333م). لكن السلطان أبو عبد الله اغتيل بعد هذا النصر.
الأندلس في عهد أبي الحجاج يوسف وخلفائه
فخلفه أخوه أبو الحجاج يوسف، فأحسن السيرة، وكان من أشهر وزرائه لسان الدين ابن الخطيب. ولما شد عليه النصارى، استنجد بالسلطان أبي الحسن الذي أرسل جيشًا تحت قيادة ابنه أبي مالك سنة 740ه، فانهزم وقتل. فانتقل السلطان المغربي بنفسه، فهزمه النصارى في موقعة نهر سلادو في جمادى الأولى سنة (741ه / 1740م)، فوقع معسكره في يد الأعداء، وذُبح أبناؤه. وكانت هذه آخر مرة جاز المغاربة فيها البحر إلى الأندلس. وابتدأ النصارى يحتلون المواقع الإسلامية الواحدة تلو الأخرى.
واضطربت أوضاع غرناطة بعد تلك الهزيمة؛ لكن مشاكل قشتالة الداخلية شغلتها عن الاستفادة من فوزها. وزاد الاضطراب بعد مقتل أبو الحجاج يوسف سنة 755ه، إلى أن استقر الوضع لابنه أبي عبد الله الغني بالله بعد سنة 763ه. فاجتهد في الدفاع الهجومي ضد قشتالة، والتعاهد مع المغرب وأراغون، والبناء والتشييد. وتابع ابنه أبو الحجاج يوسف سياسته. لكن بعد تولي ابنه أبو عبد الله محمد بن يوسف سنة (797ه / 1394م)، ومن بعده يوسف بن يوسف، عادت قشتالة النصرانية إلى الإغارة على الأندلس التي قاومت دون مساندة ترجى من المغرب، حتى احتلت انتقيرة سنة (812ه / 1409م).
وزادت الأوضاع سوءًا بعد أن خلف السلطان يوسف ابنه أبو عبد الله الأيسر سنة (820ه / 1417م)؛ فكثرت الثورات وتدخلت قشتالة في إضرامها. وفي سنة (831ه / 1428م)، خُلِعَ السلطان الأيسر بعد أن عجز عن الدفاع عن وادي آش، ثم أعيد بعد فتن تدخلت فيها قشتالة وبنو سراج، إلى أن خلع سنة (845ه / 1441م) من طرف أبو عبد الله محمد الأحنف الذي رد غزوات النصارى إلى أن توفي سنة 863ه (1458م)، وخلفه الأمير سعد بن محمد.
وفي هذه السنين المضطربة، المليئة فتنًا داخليةً، وحروبًا متواصلةً مع النصارى، استنزفت مملكة غرناطة قواها، وضاعت منها قلاع ومدن متعددة. وأدى تفكك الأسرة المالكة الكامل، وتشتت الطبقة المثقفة والحاكمة، وعدم ورع الكثير، من التعاون مع العدو النصراني القشتالي ضد خصمه المسلم، إلى سقوط غرناطة، بعد جهاد طويل متواصل دام قرابة القرنين. وهذه المرة توحدت القوى النصرانية في إرادتها للقضاء على الإسلام في الأندلس؛ بينما لم يتمكن المغيث المغربي من عبور البحر، خاصةً بعد أن احتل النصارى للمرة الثانية جبل طارق سنة (867ه / 1462م)، وأحكموا قبضتهم على المضيق.
ففي سنة (865ه / 1463م) ثار أبو الحسن علي على والده الأمير سعد وخلعه، ودخل في حروب مع أخيه أبو عبد الله محمد الزغل الذي استغاث بالقشتاليين. فانقسمت المملكة الصغيرة، إذ استقر الزغل في مقالة وما جاورها بمساندة القشتاليين، وبقي أبو الحسن في غرناطة؛ بينما توحدت مملكتا أراغون وقشتالة النصرانيتان بزواج فرديناند أراغون وايزابيلا قشتالة سنة (879ه / 1474م). وحاول أبو الحسن سنة 883ه تجديد الهدنة مع قشتالة وأراغون المتحدتين، فوافق النصارى شرط أن يعترف بطاعتهم، ويؤدي الجزية لهم. وعند رفضه اشتعلت الحرب من جديد بين غرناطة والنصارى.
أبو عبد الله الصغير ابن الأحمر
وكان أبو الحسن أسير ملذاته وهواه. فتزوج فتاةً نصرانيةً اسمها ثريا، وهي ابنة قائد قشتالي اسمه سانشودي سوليس، وولد منها سعد ونصر، وأهمل ابنة عمه وولديها منه أبي عبد الله محمد (الريشيكو) وأبي الحجاج يوسف، ثم اعتقلهم في برج قمارش بقصر الحمراء؛ فعندما فروا من السجن، اغتنم النصارى الفرصة لإشعال حرب أهلية بين أبي عبد الله ووالده، واحتلال المزيد من الأراضي الإسلامية. فأغاروا على حامية غرناطة في محرم سنة (887ه / 1482م) واحتلوها، ثم زحفوا على لوشة فردهم أبو الحسن، لكن أهل غرناطة عزلوه وبايعوا ابنه أبي عبد الله.
ثم هاجم النصارى الزغل في مالقة في صفر سنة (888ه / 1483م)؛ فهزمهم وردهم عنها. وحاول أبو عبد الله استرجاع بعض الحصون من يد النصارى؛ فوقع في قبضتهم خارج قلعة اللسانة. فاغتنم الملك فرناندو والملكة ايزابيلا تلك الفرصة لإذكاء الحرب الأهلية، بين أبي عبد الله وعمه الزغل، الذي بايعه أهل غرناطة بعد سقوط أبي عبد الله في الأسر. فوقع أبو عبد الله معهما معاهدةً سريةً يتعهد فيها بالولاء لهما، ودفع جزيةً سنويةً، وترك ابنه رهينةً لديهما، مقابل مساعدتهما له على استرجاع ملكه. فأفرجوا عنه في شوال سنة (890ه / أوائل 9/1485م)، وتابعوا غزوهم لمدن وقرى مملكة غرناطة، أهمها مدينة رندة في (5/890ه - 4/1485م).
واشتعلت الحرب الأهلية في قاعدة غرناطة نفسها، يدعو فيها الزغل إلى الجهاد ضد النصارى؛ بينما يعتقد أبو عبد الله أن السلامة في المفاوضات السلمية، اتفق بعدها المتحاربان على اقتسام المملكة بينهما، يختص فيها أبو عبد الله بغرناطة ومالقة والمرية والمنكب، ويختص الزغل بالمناطق الشرقية؛ لكن النصارى تابعوا تقدمهم، فاحتلوا لوشة في (5/891ه - 5/1486م) وأسروا أبا عبد الله مرةً ثانيةً، ثم أطلقوا سراحه في شوال من نفس السنة، وأمدوه بالعدة والرجال ليحارب عمه. وركزوا بعد ذلك على احتلال الأراضي التي بيد الزغل المرابض في وادي آش، بينما تظاهروا بمسالمة الأراضي الموالية لأبي عبد الله. فاحتلوا بلش مالقة في( 5/892ه - 4/1487م)، ثم مالقة في أواخر شعبان عام (892ه / أغسطس عام 1487م) بعد مقاومة مستميتة. فأمر الطاغية باسترقاق جميع أهلها الذين نجوا من القتل. ثم احتل النصارى باقي أراضي الزغل، ودخلوا عاصمته، وادي آش، في أوائل (2/895ه - 12/1489م)، وهاجر الزغل إلى تلمسان بالجزائر.
معاهدة الخزي وسقوط غرناطة
ولم يبق على النصارى للقضاء على دولة الإسلام في الأندلس، سوى الاستيلاء على ما بيد أبي عبد الله. ففي أوائل (2/895ه - 1/1490م) أرسل فرناندو سفارةً إلى أبي عبد الله يطلب منه الاستسلام. وبعد رفضه، تهيأت غرناطة لحصار طويل، وخرج إليها الطاغية في جيش ضخم في ربيع سنة (895ه / 1490م) فهاجم مرج غرناطة؛ ولكن ثورة أهل البشرات وتحرير بعض معاقلها كأندرش، أرغمته على الرجوع. ثم عاد بجيش ضخم إلى حاضرة غرناطة ووصلها في (6/896ه - 4/1491م)، وبنى قربها مدينة "سانتافي"، ثم أحكم حولها الحصار. وبعد أن يئس الغرناطيون من إمكانية الدفاع، ابتدأت المفاوضات التي انتهت بتوقيع معاهدة الاستسلام بتاريخ (21/1/890ه - 25/11/1491م).
تضمنت هذه الوثيقة 27 مادةً، تحدد أولاها ضرورة تسليم غرناطة قبل 25/1/1492م للملكين الكاثوليكيين، وتضمن المواد الأخرى حقوق المسلمين الأندلسيين بعد دخولهم في حكم النصارى؛ واحترام دينهم وعاداتهم؛ وعدم مصادرة أسلحتهم؛ وعدم إجبارهم على وضع شارات خاصة؛ وعدم استخدامهم دون رغبتهم؛ واحترام مساجدهم وعلمائهم؛ وضمان الحكم بينهم بالشريعة الإسلامية؛ وضمان الأوقاف الإسلامية وإدارتها بيد فقهائهم؛ وعدم إرغام أحدمنهم على اعتناق النصرانية؛ والحفاظ على امتيازات قوادهم، الخ.
وقد ذيلت المعاهدة بتأكيد من الملكين الكاثوليكيين، ضامنين بدينهما وشرفهما القيام بكل ما يحتويه العقد. ثم ذيلت بتأكيد جديد موقع من ولي العهد، وسائر عظماء المملكة الأسبانية، باحترام المعاهدة من الآن وإلى الأبد. وفي نفس اليوم الذي وقعت فيه معاهدة تسليم غرناطة، أبرمت معاهدةً أخرى سريةً، يضمن فيها الطاغية وزوجه حقوق وامتيازات، ومنح السلطان أبي عبد الله وأفراد أسرته وحاشيته حق ملكية أبدية لمنطقة البشرات حول أندرش وعذرة، ومنحة قدرها ثلاثون ألف جنيه قشتالي، وأن يحتفظ بأملاك أبيه أبي الحسن، الخ [3].
وقرر السلطان أبو عبد الله ورجاله تسليم غرناطة قبل التاريخ المتفق عليه، بعد أن خاف من غضب شعب غرناطة، فاتفق أن يكون التسليم بتاريخ 2/1/1492م. وهكذا سُلِّمَتْ الحاضرةُ الإسلامية بقصورها، وأرباضها، ومساجدها، وأسواقها، ومدارسها، وأهلها، للعدو الحاقد في يوم مشؤوم، وصفه القشتاليون في كتبهم وصفًا دقيقًا.
واستلم الكاردينال مندوسة مفاتيح الحمراء من يد الوزير ابن كماشة. وكان أول عمل قام به الكاردينال عند دخول الحمراء هو نصب الصليب فوق أعلى أبراجها، ترتيل صلاة "الحمد" الكاثوليكية. وانتقل أبو عبد الله وأهله، بعد أن أكد ولاءه للملكين الكاثوليكيين، إلى أندرش حيث كان مقامه إلى حين.
وهكذا انقرضت دولة الإسلام في الأندلس، وابتدأت محنة الأندلسيين العظمى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.