أتفهم شعور مرسى وأبنائه وإخوانه بالغضب وبالدهشة والإحساس بالظلم. عمر مرسى لا يرى فى فضيحة توظيفه بالشركة القابضة للمطارات سوى حلقة من سلسلة الهجوم على والده الرئيس. حسنا هذا الشبل من ذاك الأسد (مع الاعتذار للأسد). فخطيئة مرسى وجماعته وحكومته وشلته أنهم قرروا منذ اللحظة الأولى أن يقارنوا أنفسهم بمبارك ورجاله وأبنائه. وأذكركم بالنائب السابق لمرسى المستشار محمود مكى. فعندما سأل مكى عن واقعة استخدام محافظ إخوانى لسيارة المحافظة وهو ذاهب لمؤتمر حزبى. ضحك مكى ساخرا وقال الحمد الله إننا بنتكلم عن بنزين عربية، وأضاف إحنا كنا بنتكلم عن فساد بالملايين من الجنيهات. هذه الواقعة أو بالأحرى الرد تكشف عن عقلية الإخوان فى حكم مصر. فهم يقارنون أنفسهم بمبارك وعصره، فيتملكهم الزهو والفخر. ولا يرون أو يتجاهلون أخطاءهم وتجاوزاتهم واستغلالهم للنفوذ وكل هذه وقائع ليس لها تعريف علمى سوى أنها وقائع فساد. حين يقارن عمر مرسى نفسه بجمال مبارك، لم يشعر بثمة خطأ فى حصوله على وظيفة بالواسطة، فجمال مبارك تاجر فى ديون مصر. والحديث عن فساد علاء وجمال قديم ومعروف ومشهور، ولكن ممكن تلخيصه فى النكتة الشهيرة. أن علاء حصل على شقة فى أكتوبر، وجمال حجز شقة فى التجمع الخامس مثلهما مثل أى شاب، ولكنهما فتحا الشقتين على بعض. والنتيجة أنهما استوليا هما وشلتهما على مصر واقتصادها، فلماذا إذن تقوم الدنيا ولا تقعد لأن الشاب عمر حصل على وظيفة براتب 1200. المثير للدهشة أن مرسى وأبناءه وإخوانه يتناسون أن الشعب خلع مبارك، وقام بثورة للتخلص من نظام فاسد، ولكن الأكثر إثارة للربية ولا أقول الدهشة أنهم يتجاهلون عن عمد حقيقة مهمة. فمصر عرفت رئيسًا اتفق الجميع على نزاهته، وشهد بها خصومه قبل أنصاره. فقد كان الرئيس جمال عبد الناصر ولا يزال رمزًا للنزاهة الشخصية، ولذلك أنصح مرسى وولده عمر بأن يراجع هذا الفصل من التاريخ المشرف فى مصر. وأن يقرأ بمنتهى منتهى الموضوعية قصص تعيين بنات الرئيس جمال عبد الناصر فى عز نفوذ وهمينة والأهم شعبية الزعيم. أبناء عبد الناصر خمسة، ولكن لم يمتد به العمر ليرى سوى زواج وتعيين البنتين فقط هدى ومنى. أما الابن الراحل خالد فقد عين معيدا بكلية هندسة القاهرة نتيجة تفوقه وبعد رحيل والده.
هدى هى الابنة الكبرى له، سر أبيها بالفعل. كانت هدى طالبة متفوقة والتحقت بعد الثانوية العامة بكلية من كليات القمة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وهى الكلية التى قدمت لمصر ومؤسساتها مجموعة من أبزر الشباب فى الخارجية، والوزارات الاقتصادية والمؤسسات البحثية. واحتفظت هدى بتفوقها فى الكلية، وحصلت على تقدير جيد جدا، وكانت من أوائل دفعتها، ولكن ترتيبها بين الأوائل لم يؤهلها بالتعيين كمعيدة فى الكلية. لم يتدخل جمال لدى أحد لتعيين ابنته، بل لم يجرؤ أحد على تقديم مثل هذا الاقتراح. وبعد رحيله بسنوات، حصلت هدى على الدكتوراة وتم تعيينها فى كلية الاقتصاد.
هدى عملت فى رئاسة الجمهورية وتحديدا فى السكرتارية الخاصة لجمال. وبالنسبة لجمال كان هذا أحد الحلول النادرة لمنع أولاده من التعرض لإغراءات المناصب. كانت الوظيفة صغيرة، ولكنها مهمة وتناسب الدراسة التى تلقتها هدى فى كلية القمة، فى الكلية التى تمزج مابين السياسة والاقتصاد والعلوم الدولية. وكلها دراسات تناسب وظيفة هدى. بالإضافة إلى أن هذه الوظيفة كانت تتطلب من شاغرها الدخول على الرئيس فى غرفة نومه.
ولكن قصة عمر مرسى أو بالأحرى فضيحة تعيينه تتقاطع بقوة مع قصة تعيين منى عبدالناصر.
عمر (ابن امبارح)، خريج 2012 ذهب لزيارة صديقه فى الشركة القابضة للمطارات، وبحسب رواية رئيس الشركة أنه قابل عمر بمكتبه، وحال إثناءه عن قبول الوظيفة البسيطة. ويمكن قال له كمان (انت جميل ما تقوليش عن نفسك كده، وماترضاش بوظيفة زى كده) رئيس الشركة المنبهر بتواضع ابن الرئيس لم ير عيبا فى القصة. طبعا لم أسأله: هل كل شاب يذهب لزيارة صديقه بالشركة يحظى بمقابلة فورية معه، هل مكتبه سيادته مفتوح لجميع الشباب، أو حتى مفتوح لموظفيه.
عمر يؤكد أن راتب الوظيفة 900 جنيه، ورئيس الشركة قال 1200. لم أسألهم عن دخل الوظيفة. فالعمل فى الشركة القابضة يتضمن حوافز وأرباح و(حاجات ومحتاجات). ولكننى أذكرهم أن راتب أى خريج تجارة حديث فى الحكومة لا يتجاوز 280 جنيهًا.
ممكن لو (عمر) المحتار يعرف قصة تعيين منى عبدالناصر فتنتهى حيرته ويعرف غلطته.
لم تحصل منى فى الثانوية العامة على مجموع يؤهلها لدخول إحدى كليات القمة، واضطر عبدالناصر لإلحاقها بالجامعة الأمريكية، فى ذلك الوقت لم تكن للجامعة الأمريكية هذا البريق، ولكنها كانت على الأقل تقدم خريجين يجيدون الإنجليزية بطلاقة. وبهذه الميزة كان أمام منى أن تلتحق بالخارجية أو بإحدى الوزارات السيادية، أو تعين حتى فى الأهرام. ولكن عبدالناصر اختار لابنته وظيفة تتناسب مع طموحها وقدرتها. جرى اتصال برئيس دار المعارف لتعمل منى فى قسم الترجمة بها. وكانت دار المعارف فى ذيل المؤسسات الصحفية، فراتبها ومزايا متواضعة إذا ما قورنت بالأهرام أو حتى الجمهورية.
المثير أن منى حين ذهبت لمقابلة رئيس مجلس إدارة دار المعارف. لم تقل لأحد بصوت عال إنها ابنة رئيس الجمهورية، ولكنها قدمت نفسها باسم (منى جمال). ولذلك ظلت منى تنتظر المقابلة (كام) ساعة، وبعد ذلك اكتشفت السكرتيرة أن الشابة الجالسة أمامها هى ابنة رئيس الجمهورية. راتب منى كان مثل رواتب كل شباب خريجى الجامعات المصرية. ولكن مرسى الذى يكره الستينيات وسنينها لم يفكر بنزاهة وعدالة عبدالناصر. فى الحقيقة لا ألوم الشاب الصغير عمر بقدر ما ألوم والده. فأبناء الرؤساء كانت ولا تزال قضية شائكة فى مصر.
وإذا كان مرسى وإخوانه يكرهون عبد الناصر أو بالأحرى يحقدون عليه، فمن الممكن أن يحذوا حذو الرئيس السادات. بنات السادات من جيهان لم يعملن، ولكن حتى زواجهن لم يخل من انتقاد. فقد رأى البعض أن السيدة جيهان اختارت لبناتها أزواجًا من الأسر الثرية. ابن باشوات، ابن سيد مرعى، وأخيرا ابن عثمان أحمد عثمان. وحتى عندما خضع السادات لرغبة أو عاطفة ابنه جمال. وقام بتزويجه وهو صغير انتقد البعض خضوع الأب الرئيس لمشاعر ابنه المراهق. ولكن جمال السادات لم يرد اسمه فى أى قضية فساد لا فى حياة والده ولا فى موته.
فى تاريخ رؤساء مصر، فإن الرئيس المخلوع مبارك فقط هو الذى سمح لأولاده بالعمل فى البيزنس وفى السياسة، وعلى الرغم من خطاياه الكثيرة، فقد ظلت قصص فساد أبنائه رقمًا حاسمًا فى نهايته مخلوعا بثورة شعبية. ومع ذلك لا يرى الإخوان فى تاريخ مصر سوى مبارك، ولا يقارنون أنفسهم وحكمهم وأفعالهم إلا بعصر مبارك.
وإلى الدكتور مرسى وولده عمر أذكركم فقط بالقاعدة الشرعية (ما يسكر كثيره فقليله حرام).