منحة كورية لتطوير تكنولوجيا صيانة السيارات الخضراء بقيمة 10 ملايين دولار    الدولار يرتفع بعد خلو خطاب ترامب من موعد محدد لوقف حرب إيران    محافظ أسيوط: توزيع 408 رأس أغنام على الأسر المستحقة بالقوصية والفتح ومنفلوط    تداول 21 ألف طن بضائع بموانئ البحر الأحمر    أمريكا لن تشارك.. 36 دولة برئاسة بريطانيا تجتمع اليوم للتنسيق لفتح "هرمز"    أسعار الذهب تتراجع 4% إلى 4580 دولارا للأونصة    "صدق عليه الكنيست".. مصر ودول عربية تدين قانون الإعدام في الضفة الغربية على الفلسطينيين    وزير الصحة يتابع تداعيات حادث المنوفية.. ويكلف نائبه بالتأكد من تقديم أقصى درجات الرعاية    السيطرة على حريق داخل برج سكني بطامية في الفيوم دون خسائر بشرية    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    طريق الأمل يبدأ من اليقين.. أفضل سبل تعامل أسرة الطفل المصاب بالتوحد مع المرض    فصل الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ 5 ساعات اليوم    طقس سيئ يضرب الشرقية والمحافظ يعلن الطوارئ القصوى    تفريغ كاميرات المراقبة بعيادة طبيب متهم بالتحرش بعاملة في مدينة نصر    السيسي وبوتين يقودان تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو.. محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس والطاقة والسياحة والقطاع الغذائي أبرزها    قائد الجيش الإيراني: من الضروري مراقبة تحركات العدو وأفعاله بدقة وحذر شديد    قصف جوي يستهدف مقر الحشد الشعبي في نينوى بالعراق    هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية ترصد موجات تسونامى بعد زلزال ضرب إندونيسيا    مواعيد مباريات الخميس 2 أبريل- مصر أمام ليبيا في شمال إفريقيا للناشئين.. ودوري المحترفين    بعد التعادل مع إسبانيا.. عودة بعثة منتخب مصر إلى القاهرة    جامعة العاصمة تهنئ الطالب يوسف عمرو عبد الحكيم بعد التتويج بذهبيتي إفريقيا لسيف المبارزة    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 28 من دوري المحترفين    طارق سليمان: مصطفى شوبير حجز مكانه في التشكيل الأساسي للمنتخب بكأس العالم    محافظ جنوب سيناء يتفقد أعمال تطوير مدرسة فيران الثانوية الصناعية    ارتفاع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه في بداية تعاملات اليوم    محافظ المنوفية ينتقل إلى موقع حادث السادات الذي أسفر عن مصرع 8 أشخاص وإصابة 4 آخرين    هام من وزارة المالية بشأن زيادة الأجور من أول يوليو| ماذا قال كجوك؟    أسعار الأسماك بأسواق مطروح اليوم الخميس 2-4-2026 .. التونة ب 200 جنيه    بدء إنتاج السيارة كوينج سيج جيميرا بعد 6 سنوات من الانتظار    وزير الصحة يتابع التداعيات الصحية للتقلبات الجوية: لا وفيات واستقرار حالة المصابين    حكومة أبوظبي: أضرار بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية بعد اعتراض صاروخ إيراني    «مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    بعثة منتخب مصر تصل القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديًا    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    محافظ قنا يعلن تعطيل الدراسة بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية ومدارس التمريض بسبب حالة الطقس السيء    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    التعليم: تأجيل امتحانات الشهر المقررة غدا في كل المحافظات التي لم تعلن تعطيل الدراسة    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    تأجيل الامتحانات مع استمرار الدراسة بسبب الطقس السيئ في بورسعيد    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة سيدّنا هود عليه السلام
نشر في الفجر يوم 12 - 02 - 2013

وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.
وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح.
بعد أن ابتلعت الأرض مياه الطوفان الذي أغرق من كفر بنوح عليه السلام، قام من آمن معه ونجى بعمارة الأرض. فكان كل من على الأرض في ذلك الوقت من المؤمنين. لم يكن بينهم كافر واحد. ومرت سنوات وسنوات. مات الآباء والأبناء وجاء أبناء الأبناء. نسى الناس وصية نوح، وعادت عبادة الأصنام. انحرف الناس عن عبادة الله وحده، وتم الأمر بنفس الخدعة القديمة.
قال أحفاد قوم نوح: لا نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان. وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها، وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل، فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة، وإذا بالتماثيل تتحول بمكر من الشيطان إلى آلهة مع الله. وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة ثانية. وأرسل الله سيدنا هودا إلى قومه.
تأمَّلْ في خارطةِ شبهِ الجزيرةِ العربيةِ تَجِد منطقةً صحراويةً واسعةً في الشرقِ، إنّها منطقةُ الرَّبعِ الخالي… منطقةٌ خاليةٌ من كلِّ آثارِ الحياةِ فلا نباتَ ولا مِياه..
ولكنْ هل كانت هذه المنطقةُ صحراءَ قبلَ آلافِ السنين؟ لا كانت في هذه الأرضِ المُوحِشةِ مَناطقُ خِصبَةٌ وخضراء، وقد وجدَ علماءُ الآثارِ أطلالَ مدينةٍ مَطمورةٍ تحتَ الرِّمال.
في هذه المِنطقةِ وفي عُصورِ ما قبلَ التاريخِ عاشَت قبائلُ « عاد » القويةُ، وهي قبائلُ من العربِ البائدةِ.. لم يَذكُرْ عنها التاريخُ شيئاً الاّ ما وَردَ في القرآنِ الكريم.
عاشت قبائلُ عادٍ في تلك المِنطقةِ المُعشِبةِ الخضراء.. وكانت السماءُ تُمطِرُ في المَواسِمِ، فتُخصِبُ الأرضُ وتَمتلئُ السَّواقي والغِدرانُ وتَزدادُ الحقولُ بهجة.
وهكذا امتلأت أرضُهم بالنخيلِ والعِنَبِ والحُقولِ، وتَوسَّعَت بَساتينُهم.
اهتمَّ الناسُ آنَذاكَ بالبناءِ، فكانوا يَتَفنّنونَ في العِمارةِ وبناءِ القُصورِ والقِلاعِ والحُصون.
كانوا أقوياءَ مَغرورينَ.. أبطَرَتهُم النِّعمةُ .. لم يَعودوا يَستَمعونَ لصوتِ العقل..
كانوا وَثَنيّين يَعبُدونَ التَّماثيلَ… يَنحِتونَها بأنفُسِهم ثم يَعبُدونَها!
وهم يَبنونَ مَعابِدَهُم فوقَ التلالِ، ثم يَضَعونَ فيها تِمثالاً ويقولونَ: هذا إلهُ الخِصب، وهذا إلهُ البَحر، وذاك إلهُ البَرّ، وهناكَ إلهُ الحَرب.
لهذا كانوا يَتّجهونَ إلى تلكَ الأصنامِ في كلِّ حاجةٍ تَعرِضُ لهم.
كانت أرضُ الأحقافِ خضراءَ مليئةً بالمَراعي، فكَثُرَت ماشِيَتهُم وأصبَحوا أكثرَ تَرَفاً وبَذَخاً وغُروراً.
تَصَوّروا أنّ كلَّ هذا الخيرَ هو من بَركاتِ الآلهةِ.. لهذا انغَمَسوا في وَثَنيّتهِم أكثَر.
ازدادَ ظُلمُهم لِلأبرياءِ، وازدادَ بَطشُهم بمَن لا يُسايِرُهم في عقائدِهم وحياتِهم.
الناسُ الطَيَّبونَ كانوا يعيشونَ خائفينَ.. كانوا أقليّةً ضعيفةً، وكانت أسبابُ القوّةِ في أيدي الأغنياء.. والأغنياءُ كانوا جميعاً من الأقوياء.. فهُم طوالُ القامةِ، عَضَلاتُهم مَفتولة، وقلوبُهم قاسيةٌ كأنها مَنحوتةٌ من الصَّخر. في ذلكَ الزمنِ وفي تلك البقعةِ من دُنيا اللهِ الواسعةِ.. عاشَ سيّدُنا هُود.
كان إنساناً صالحاً طيِّبَ القلبِ مُحِبّاً للخيرِ.. اللهُ سبحانه اختارَهُ نَبيّاً وبَعَثَهُ رسولاً إلى قومِه.
أعلَنَ سيّدُنا هودٌ دعوتَهُ إلى عبادةِ اللهِ الواحدِ الأحِد، ونَبْذِ الأصنامِ والأوثانِ والآلهةِ، لأنها مُجرَّدُ حجارةٍ لا تَضُرُّ ولا تَنفَع.
كانَ سيّدُنا هودٌ شُجاعاً لم يَخَفْ من الوَثَنيّين.. كانوا أقوياءَ في الجسمِ ولكنّ هوداً كان قويّاً في إرادتهِ وروحِه.. إنّه مع اللهِ واللهُ معه.. واللهُ أقوى من كلِّ شيء.
الناسُ الطيبونَ آمَنوا برسالةِ هودٍ، كانوا قليلينَ جدّاً.
الأقوياءُ والمُترَفُونَ سَخِروا من هودٍ و من رسالتهِ، وقالوا إنّه رجُلٌ سَفيهٌ مَجنون، وراح أهلُ عادٍ يُؤذونَ النبيَّ ويُهدِّدونَه.
استَمرّ سيّدُنا هودٌ في دعوتِه، وكانَ يَعِظُ قَومَهُ دائماً يُذكّرُهم بنعمةِ اللهِ وبركاتهِ، ولكنْ لا فائدة..
كانوا يَتصوّرونَ أنّ الآلهةَ هي التي تَرزُقُهم… هي تُرسِلُ المَطر، و تُنبِتُ العُشبَ، و تُبارِكُ في ماشيتِهم فتَتكاثَرُ و تَزدادُ و تنمو..
لهذا قالوا إنّ هوداً مجنونٌ، وإنّ الآلهةَ قد لَعَنته .. كانوا هم أيضاً يُخوِّفونَ هوداً مِن سُوءِ العواقبِ إذا ما استَمّر في دعوتِه.
قالوا له:
إنّ الآلهةَ ستُعاقِبُك!
سيّدُنا هودٌ كانَ يَتَحدّى جبابرةَ عادٍ، ويَتَحدّى آلهتَهُم أيضاً.
ظلَّ هودٌ مُستمرّاً في رسالتِه، وعَجزَ الجَبابِرةُ عن فعلِ شيءٍ تجاهَ سيّدِنا هود.
أصبحَ أهلُ عادٍ قِسمَين: قسم آمنَ باللهِ واليومِ الآخِر وهم أفرادٌ قلائل جداً.. وقسم كفَروا برسالةِ هودٍ وظَلُّوا على بَغيِهم وفَسادِهم وضَلالِهم.
لم يَعُد هناكَ أملٌ في إصلاحِهم، ظلّوا سادِرينَ في ضلالِهم.
القَحطُ والجَفافُ
جاءَ مَوسِمُ المطرِ… ولكنّ السماءَ لم تُمطِر… كانت الغُيومُ تَمرُّ في سماءِ الأحقافِ وتَرحَلُ بعيداً.. أو كانت تَتَجمّعُ ثمّ تَتَبدَّد..
كانَ أهلُ عادٍ يعيشونَ على المراعي والزراعةِ وما تَهَبهُه البساتينُ من الفاكهة.
مَرّ ذلكَ العامُ دونَ مطر.
نَقَصَت مَحاصيلُهم.. وبعضُ الماشية نَفَقَت بسببِ الجُوعِ، وماتَت بعضُ الأشجار..
أهلُ عادٍ اتّجهوا إلى أوثانِهم يَعبُدونَها ويُقدِّمون لها القَرابين..
ولكنْ دُونَ جَدوى.
حَلَّ المَوسِمُ الآخَرُ.. وتَجَمَّعت الغيومُ.. أهلُ عادٍ فَرِحوا واستَبشروا. كانت الغيومُ سَوداء.. قالَ بعضُهم: إنها مُثقَلَةٌ بالمطرِ الغزيرِ. ولكنّ تلك الغيومَ سُرعانَ ما تَفرَّقت.
ضاعَفوا عددَ القَرابين… ولكنّ الغيومَ كانت تَظهَرُ وتَختَفي، وكانت الرياحُ التي تَهُبُّ تَحمِلُ لَهم الرِّمالَ فقط..
الإيمانُ يَعني الخِصب
جاء سيّدُنا هودٌ و وَعظَ قومَهُ. قالَ لهم: أنا أُحِبُّكُم.. أُريدُ لكم الخيرَ. قال لهم: يا قومِ استَغفِروا ربَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إلَيه يُرسِلِ السَّماءَ علَيكُم مِدْراراً ويَزِدْكُم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُم .
لم يَستَمِعْ أهلُ عادٍ إلى مَوعظةِ رسولِ اللهِ اليهم، أعرَضوا عنه وهَدَّدوه و تَوَعّدوه، وانصَرفوا إلى ذبحِ القرابينِ وتَقديمِها إلى الآلهة..
ومضى مَوسمُ المطرِ، ولكنْ لَم تَنزِلْ قَطرَةٌ واحدةٌ، واجتاحَ الجَفافُ مَناطقَهم.
تَحوَّلت أرضُهم الخضراءُ إلى صحراء.. نَفَقَت ماشيتُهم و ذَبَلَت أشجارُهم..
وحَلَّ العامُ الثالثُ.. كانَ عاماً عَصيباً جدّاً، أصبحَت المِياهُ نادرةً جدّاً إلاّ ما يَكفي لسَقيِ الماشيةِ فقط، أمّا الحُقولُ فقد ظَلَّت دونَ ماء.
في كلِّ يومٍ كانوا يَخرُجونَ إلى مَعابدِهم يَعبُدونَ الأصنامُ ويَتَضرّعونَ اليها. وكان سيّدُنا هودٌ يَنصَحُ قومَهُ يَدعُوهم إلى الايمانِ باللهِ عزّوجلّ؛ لأنّه هو وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.. أمّا الأصنامُ فلا قيمةَ لها لأنها مُجرَّدُ حِجارة..
« إرَم » المدينةُ العجيبة
كانَ أهلُ عادٍ قد بَنَوا في تلكَ الفترةِ أعظمَ مدينةِ في العالَمِ، هي مدينةُ إرمَ التي لَم يُخْلَقْ مِثلُها في البِلاد .
كانت مليئةً بالقُصورِ والحَدائقِ والبساتينِ.. وكانَ شَدّادٌ الرجُلُ الجبّارُ الوَثَنيّ هو الذي أمَرَ ببنائها لتكونَ جَنّةً يعيشُ فيها..
كانَ يتَصوّرُ أنّه سيَبقى خالداً وأنّه لَن يَموت.. لقد كانَ قَويّاً جدّاً فتَصوّرَ أنه سيبقى حيّاً إلى الأبد.
عاصفةُ الدَّمار
حَلَّ المَوسِمُ الثالثُ لِهطولِ المَطر.. ولكنْ لا شيءَ سِوى الجفافِ، وسادَ القَحط.. وكانت الرياحُ تَهُبُّ فتَدَفعُ أمواجَ الرّمالِ باتّجاهِ الوُديانِ التي كانت ذاتَ يومٍ خضراء.
ضَرَبت المجاعةُ أرضَ الأحقافِ.. ما يزالُ سيّدُنا هودٌ يَدعوهُم إلى الإيمانِ ونَبذِ الأصنام…
اللهُ سبحانه هو القادرُ، هو الذي يُرسِلُ المَطَر فيُحيي الأرضَ بعد مَوتِها.. الله عزّوجلّ هو الذي يَبعَثُ الخِصبَ في الوِديانِ والسُّهول..
الأصنامُ والأوثانُ حِجارةٌ صَمّاءُ لا تَضُرُّ ولا تَنفَع..
ولكنّ قبائلَ عادٍ لم تُؤمِنْ برسالةِ هودٍ.. الناسُ كانوا يُطيعونَ الجَبابرة. أمّا هُودٌ فلَم يُؤمِنْ به أحدٌ إلاّ بعضَ الناسِ الطيّبين.
في الموسمِ الثالثِ.. خَرَجَ سُكّانُ الأحقافِ يَنظرونَ إلى السماءِ.. كانوا يَنتظرونَ الغُيومَ والمَطر..
السماءُ كانت صافيةً رزقاءَ ولا أثرَ للغُيوم… الوَثنيّونَ فكّروا بتقديمِ المَزيدِ من القَرابينِ.. فقد يُنقِذهُم إلهُ الخِصبِ من القَحطِ و الجَفافِ.. ولكنْ لا شيء.
جاءَ سيّدُنا هودٌ ووَعظَهُم للمرّةِ الأخيرةِ.. نَصَحَهُم بالتوبةِ والعَودةِ إلى اللهِ… اللهُ وحدَه الذي يُرسِلُ المَطرَ ويَبعَثُ الخِصب.
ولكنّ قومَ عادٍ نَهَروا سيّدَنا هوداً وقالوا له: إذهَبْ إيّها المجنون، أنت رجُلٌ كذّاب… لِيُرسِلْ ربُّكَ علينا العذابَ اذا كنتَ صادقاً… إننا لن نَترُكَ آلهتَنا… آلهتُنا هي التي تَرزُقُنا وتُرسِلُ لنا المطرَ و تَبعثُ الخِصبَ في أرضنِا و تُبارِكُ في ماشِيَتِنا، إنّ الآلهةَ لن تَنسى ذلك.
كانَ سيّدُنا هودٌ حزيناً من أجلِ قومِه.. كان يُريدُ لهم أن يُؤمِنوا حتّى يَعيشوا حياةً كريمةً هانئة…
مَرَّت ساعاتٌ… ظَهَرت في الأُفقِ غيومٌ سَوداءُ رَهيبة..
كانت الغُيومُ تَزحَفُ شيئاً فشيئاً حتّى غَطَّت سماءَ الأحقاف كلَّها..
فَرِحَ أهلُ عادٍ بالغيومِ.. قالوا:
لقد استَجابت الآلهةُ دُعاءنا… فارسَلَت لنا غُيوماً مُثقَلَةً بالمَطر.. سوف تُخصِبُ الوُديانُ وتَعودُ الخُضرةُ إلى البساتين.
قالَ سيّدُنا هودٌ وهو يَرى نُذُرَ العذاب:
كلاّ، بل هو ما استَعجَلتُم به، ريحٌ فيها عَذابٌ ألِيمٌ تُدمِّرُ كلَّ شيء.
أوى سيّدُنا هودٌ إلى الجبلِ ولجأ اليه المؤمنونَ… وأصبَحَ العذابُ قابَ قوسَينِ أو أدنى.. كان الوقتُ يَمرُّ، وكانَ الوثنيّونَ يُحَدِّقونَ في الغُيومِ السَّوداءِ المُتَراكمةِ. كانوا ينَتظرونَ المَطر.. ولكنْ دونَ جدوى.
بَدأ هُبوبُ الرياح الباردةِ.. سوفَ تَنقَضُّ العاصفةُ المُدمّرة.. في السماءِ اشتَعَلت البُروقُ، وانقَضّت الصَّواعقُ الرهيبةُ ودَوَّت الرُّعود… كانَ صوتُ الرعدِ هائلاً مُخيفاً انخَلَعَت له قلوبُ الكافرين.
أُصيبَ الوثنيّونَ بالهَلَعِ وفَرّوا إلى مَنازِلِهم، كانوا يَنظُرونَ بيأسٍ إلى الغُيوم.
لم يفكّروا بكلماتِ سيّدِنا هودٍ، لم يُفكّروا بمَواعِظهِ ونَصائحهِ، كانوا يَنظُرونَ إلى تلكَ التماثيلِ الحَجَريةِ فقط.. كانوا يَعتقدَونَ أنّ تلكَ الحجارةَ الصَّمّاءَ هي التي تَرزُقُهم وتَمنَحُهم الخيرَ والبركةَ و النَّماء.
بَدأت عاصفةُ الغَضَبِ السَّماوي … كانت الرِّياحُ عَنيفةً وجافّةً، وكانت قارِسَةَ البّرد..
لم تَكُن رياحاً تَحمِلُ السُّحُبَ ولا المطَر، كانت طُوفاناً مِن البردِ الشديدِ والرِّمالِ الكثيفةِ.
مَرَّت الساعاتُ مُخيفةً، والعاصفةُ لم تَهدأ أبداً، وكانت أمواجُ الرِّمالِ تزَحَفُ باتّجاهِ الوادي.
كانَ قومُ عادٍ مَغرورينَ بقوّتِهم… كانوا يَتّصوّرونَ أنَّهُم سيَتَغلّبونَ على القَحطِ والجَفافِ والعاصِفة.
تَصوّروا أنّ العاصفةَ ستَهدأ في الليلِ أو في صباحِ اليومِ التالي.
بَدأت الرِّياحُ المُدمّرةٌ هُبوبَها صباحَ الأربعاء، وظَلَّت تَعصِفُ بِعُنفٍ مدّةَ سبعِ ليالٍ وثَمانيةِ أيام.
لم تَهدأ ولم تَتوقّفْ إلاّ في صباحِ الأربعاء.. لم تَهدأ الاّ بعدَ أن طَمَرت الوادي الخَصيبَ بالرّمالِ، وانَدَثَرت مدينةُ إرَم العجيبةُ… تَحطَّمَت المَنازلُ وتَهاوَت الأعِمدةُ المَرمَريةُ الهائلةُ. أمّا أُولئكَ الرجالُ الذين كفَروا برسالةِ هُود عليهِ السّلام، فقد سَقَطوا فوقَ الرِّمالِ… كانوا طُوالَ القامةِ، لهذا بَدَوا مثِلَ جُذوعِ النَّخلِ اليابسة..
أمّا التَّماثيلُ فسَقَطَت على وُجوهِها وتَحَطّمَت، وتَحَوّلَت تلكَ المَعابدُ الوَثنيّةُ إلى أنقاض..
لقد حَلَّت اللعنةُ عليهم.. كانوا طغاةً جبّارين ليست في قلوبِهم ذرةٌ من الرحمة.. كانت حَياتُهم كلُّها عَبَثاً في عَبَث.. حتّى عندما كانوا يَبنونَ قُصورَهُم كانوا يَفعلونَ ذلك لمجرّدِ العَبَث.
لم يكونوا يَستَفيدونَ منها أبداً، لهذا غَضِبَ اللهُ علَيهم بسببِ كُفرِهم واضطهادِهم للمؤمنين.
من أجلِ هذا أهلَكَهُم، وأنقَذَ سيّدَنا هوداً والذينَ آمَنوا معه حتّى يعودَ الناسُ إلى فِطرتهِم ويَبدأوا حياةً إنسانيةً جديدةً مليئةً بالخيرِ والخِصبِ والنَّماء.
والله أعلم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.