وزير البترول: خفضنا مستحقات الشركاء الأجانب من 6.1 إلى 1.3 مليار دولار    الجيش الكويتي: نتصدى حاليا لهجمات صاروخية ومسيرات معادية    عبد العاطي يكشف تفاصيل لقائه مع بوتين: الاتفاق على إقامة منطقة صناعية ومركز لوجستي للحبوب والطاقة    المجموعة العربية بالأمم المتحدة تدين الاعتداءات الإيرانية الآثمة وتؤكد حقها في الدفاع عن النفس    رياح مثيرة للأتربة وشبورة مائية، تفاصيل حالة الطقس اليوم الجمعة    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    يارا السكري تراهن على "صقر وكناريا": خطوة جريئة نحو بصمة فنية مختلفة    بعد خروجه من سباق رمضان.. "إعلام وراثة" يراهن على الأوف سيزون لكشف صراعات الأسرار    نقيب التشكيليين يهنئ اختيار الدكتور محمود حامد مقررا للجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة    أضرار بمحطة قطار في تل أبيب بعد سقوط شظايا صاروخ إيراني    أستاذ قانون دولي: الإبادة والتهجير القسري جرائم دولية واضحة    إعلام عبري: تقارير عن 9 مواقع سقوط في "غوش دان" جراء صاروخ انشطاري إيراني وأضرار كبيرة في منزل ب"رامات جان"    بإطلالة جريئة.. منة فضالي تلفت الأنظار في أحدث ظهور.. شاهد    انهيار بئر على شاب في قنا.. والدفاع المدني يكثف جهوده لانتشاله    دون إصابات.. إخماد حريق مصنعين بالمنطقة الصناعية في نجع حمادي    الكهرباء والعمليات المستقلة تقود مستقبل قطاع الطاقة    خطوات سريعة لمعرفة فاتورة الكهرباء لشهر أبريل 2026    الإمارات تشارك في اجتماع وزراء الخارجية بشأن مضيق هرمز    ماهية الخوارزمية    المؤبد لسائق توك توك وعامل لاتجارهم في المواد المخدرة بشبرا الخيمة    محمد موسى يهاجم البلوجرز: تجاوزوا كل الخطوط الحمراء    حصاد وفير لبنجر السكر في الإسماعيلية.. إنتاجية مرتفعة وخطة للتوسع إلى 25 ألف فدان تعزز آمال الاكتفاء الذاتي    "ماشي بالعصاية".. تعرض محمد محمود عبد العزيز لوعكة صحية    وزارة الصحة: بعض آلام المعدة تكون عرضا لجلطة في القلب    الموت يفجع إمام عاشور، وهذا ما كتبه على إنستجرام    إسبانيا تتصدر قائمة المرشحين للفوز بكأس العالم    فيفا يعلن زيادة أسعار تذاكر كأس العالم    مصدر مقرب من إبراهيم عادل يكشف ل في الجول القيمة الحقيقية للشرط الجزائي بعقده    مصرع وإصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة بأسوان    مكتبة الإسكندرية تحتفي بالأعمال المترجمة للشيخ محمد الحارثي    بعدما لوح السيسي بفقدان الاستقرار .. ما إمكانية تداول السلطة برغبة شعبية في مصر؟    اجتماع للجنة التنسيقية لهيئات منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر    الصحة العالمية تطلب تمويلا 30.3 مليون دولار للاستجابة للأزمة الصحية المتفاقمة في الشرق الأوسط    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    تفاصيل الاجتماع الفني لبطولة كأس العالم للجمباز الفني القاهرة 2026    إسكندر: نعيد تشكيل ملف العمالة المصرية عبر التأهيل والتشغيل المنظم لحماية الشباب من الهجرة غير الشرعية    وكيل صحة الدقهلية يفتتح فعاليات المؤتمر الثالث لمستشفى صدر المنصورة    سداسية نظيفة.. سيدات برشلونة يسحقن ريال مدريد في دورى أبطال أوروبا.. فيديو    دونجا: الزمالك سيفوز على الأهلي وبيراميدز وقادر على التتويج بالدوري    حكام قمة الأهلي والزمالك في الكرة النسائية    لحسن العشرة والوفاء صور.. وفاة زوجة بعد ساعة من وفاته حزنا عليه في كفر الشيخ.. فيديو    فلسفة شاعر    بدء غلق كوبري الدقي المعدني جزئيا لمدة 3 أيام    فينيسيوس ومبابي يتصدران قائمة الأعلى أجراً فى الدوري الإسباني    استقرار سعر الدينار الكويتي أمام الجنيه في البنك المركزي مساء اليوم    ضبط كافيه ومطعم وبازار مخالفين لقرار الغلق في مرسى مطروح    الثلاثاء.. انطلاق المؤتمر السادس لقسم الأمراض الصدرية بطب الأزهر بأسيوط    هل تارك الصلاة إذا مات يوم الجمعة يدخل الجنة؟ أمين الفتوى يجيب    نائب محافظ سوهاج يشهد الحفل الختامي لمسابقة نقابة المهندسين للقرآن الكريم 2026    حبس 9 متهمين باستغلال الأطفال في أعمال التسول بشوارع القاهرة    المواعيد الجديدة لعقد اختبار TOFAS للبرمجة بالقاهرة    وزيرالتعليم: نركز على ترسيخ القيم الأخلاقية في المناهج المطورة    رئيس الوزراء يلتقي السفير علاء يوسف بعد تعيينه رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات    وزارة الري: استقرار حالة المناسيب والتصرفات والجسور بشبكة الترع والمصارف    كلية التربية النوعية جامعة طنطا تستضيف نقيب الممثلين لبحث سبل رعاية الطلاب ودعم مواهبهم    دعاء الرياح.. اللهم إنى أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عادل حمودة يكتب : سيناريو الرعب فى 25 يناير صناعة عسكرية!
نشر في الفجر يوم 05 - 01 - 2012

■ نشر التخويف بين الناس لتبرير ضرب حرية الصحافة وتهديد القنوات التليفزيونية وتكسير مقار منظمات حقوق الإنسان وخطف النشطاء فى التحرير وحرق المنشآت العامة
■ لو كان الذى يحذرنا من الكارثة هو المسئول عن حماية البلاد فلمن نلجأ طلبا للنجاة؟

وضعتنا ثورة 25 يناير فى حالة نشوة وطنية.. استثنائية.. لم تحدث لنا من قبل.. فجرت مشاعرنا الجوانية.. أضاءت كل المصابيح المطفأة فى نفوسنا المعتمة.. ومسحت الغبار المتراكم لسنوات طوال على وجوهنا وثيابنا وشبكيات عيوننا.. وطهرتنا من العفونة المزمنة بنوع مذهل من الأنتيبيوتك السياسى لم نعرفه فى يوم من الأيام.

حذفت هذه الثورة التى باغتت الجميع شعبا بأكمله من قائمة الخراف التى تنتظر الذبح.. والعجول التى تتوقع السلخ.. ووضعته فى قائمة الأمم التى تحترم.. والسيمفونيات التى تسمع.. وميادين الحرية الشهيرة التى تزار.

بعد نحو السنة.. تمنيت أن أكتب عن تلك الأيام النادرة فى تاريخنا التى عشتها لحظة بلحظة.. ونفسا بنفس.. وشعارا بشعار.. تمنيت أن أعبر عن الثورة التى غيرت نظام المجموعة الشمسية.. وسيطرت عليها.. فلم تكن هناك نجمة تطلع إلا بأمرها.. ولم تغب نجمة إلا تحت خيامها.

لكن.. الذين سرقوا الثورة وأذلوها وابتزوها ونهبوها واغتصبوها وعلبوها خطفوا الفرح من بين يدي.. وصادروا جميع مشاعرى الجميلة.. الطيبة.. ووضعوا الحدث الطازج فى الفريزر ليصبح سمكا مجمدا.

أما الشباب الذى أتى بالمعجزة فقد لاحقته النيابة العسكرية.. وكشوف العذرية.. وصافرات الأمن الصاخبة.. وأحذية الجنود الثقيلة.. وطلقات الرصاص المجهولة.. وعلقوا صوره مثل المجرمين على الجدران.. ووضعوا جائزة كبرى لمن يأتى برأسه.. وكانت مشكلة الصيادين أنهم لا يتمتعون بالحساسية الكافية أمام التغيير.. وبحكم الضبط والربط لم يكن سهلا عليهم وجود أسراب من العصافير تطير حرة دون أن تتحرك فى أعماقهم غريزة إطلاق النار.. دون أن يتحسسوا مسدساتهم.. ويضغطوا على الزناد.

وهكذا.. لم يكن لدينا وقت لنعرف شكل الفرح.. أو نشم عطره.. أو نتباهى بزهوه.. فقد سيطرت على الجو رائحة العرق والدم والبارود والغازات المسيلة للدموع.. لم يكن لدينا الوقت لتسجيل انفعالاتنا.. وصياغة كلماتنا.. فقد سقطت علينا الستارة قبل أن نصل إلى خشبة المسرح.

خطفوا الأقلام الملونة من أيدينا قبل أن نرسم قمرا وشجرة وطفلا يحمل الشمس فى يده كى يضيء المستقبل.. ليصبح كل ما هو قادم مظلما.. ليعود المخلوع إلى سطوته.. والوريث إلى عرشه.. والشعب إلى سجنه.

وبعد التخوين بدأ التخويف.. وبعد تهمة العمالة بدأ تيار فى المجلس العسكرى الترويج لسيناريو ما لم يفصح عن مؤلفه.. ومخترعه.. وكاتب مشاهده.. سيناريو ظل يتحدث عنه شهورا طويلة.. عن قوى هدامة من الشباب ستحطم أعمدة الدولة فى ذكرى الثورة.. ستشعلها نارا.. بحجارة من سجيل.. أو بأسلحة قناصة مهربة من أوروبا وإسرائيل.. ستقوم القيامة بكل علاماتها الصغرى والكبري.. الجبال ستتكسر.. الأنهار ستتفجر.. والبيوت ستتهدم.. الوطن سيتفتت.. وغيرها من مشاهد الرعب التى عشنا بعضا منها فى ماسبيرو والتحرير وشارع محمد محمود.. لكنها هذه المرة ساحقة.. مدمرة.. قاتلة.. لن ينجو منها أحد.. حسب تخيل «العسكري».

وبينما يصور العسكريون شباب الثورة وكأنهم شياطين خرجوا من جهنم الحمرا.. بدت صورة الإسلاميين جذابة.. صالحة.. تتفجر ورعا.. فهم أولياء الله.. ووكلاء الله.. والمتحدثون باسم الله.. ومنهم يخرج حاكم بأمر نفسه ويقولون إنه حاكم بأمر الله.

وبعد طول صبر بشرونا بالمهدى المنتظر.. المخلص.. الذى سيحقق العدل والحرية.. ويشفى الأبرص.. ويحيى الميت.. ويوظف العاطل.. ويصلح التعليم.. ويستر البنات.. ويحيل العشوائيات إلى منتجعات.. ويفجر أنهار السمن والعسل.. ويطرح البركة فى حقول المن والسلوي.. فإن لم يستطع ولن يستطيع سيدعو من صوتوا له فى الانتخابات للصوم.. والزهد.. والاعتصام بحبل الله.. انتظارا لمكافأة الآخرة.. قصر فى الجنة.. حيث الحور العين وأنهار الخمر وقطوف الفاكهة الدانية.

استسلم «العسكري» للإخوان وراح يطارد من فى «الميدان».. مرة بتحريض «الأهالى الشرفاء» عليهم.. ومرة بتشويه صورتهم.. مرة بالاعتقال.. ومرة بتنفيذ أجندة الخراب الأجنبية القادمة فى 25 يناير كى يضاعفوا من فزع الناس.. باللعب على العواطف والمتاعب والزهق من وقف الحال.. وليعطوا مبررات لتصرفاتهم القاسية.. بكل ما فيها من إجراءات ضرب وسب وقهر وكسر وتهديد ووعيد.. ليس فقط ضد أنصار التحرير.. وإنما أيضا ضد كل من يساند الثورة.. من صحفيين وسياسيين وحقوقيين شعر «العسكري» أنهم خطر عليهم.. بكشف تجاوزاته.. وفضح فشله.. وتهديد مصالحه.. خاصة أن المجلس الموقر وقَّع مع الإخوان معاهدة فك ارتباط بالثورة بعد أن اعتبرها الطرفان عورة.

لقد استغل الطرفان شباب الثورة ثم تجاوزا نبضه.. فدخل أنصار اللحية والكاب معا إلى مرحلة الجفاف والتكلس بكل ما فيها من ضجر وترهل وغلاظة.. دون أن يستوعبا أن الأمم تتكلس وتتيبس يوم تفقد قدرتها على الثورة.. يوم تعجز عن التواصل مع صناعها.. إن السلطة التى تصادر ثورة كما تصادر العملة المزيفة والمخدرات المهربة هى سلطة تستحق البكاء عليها.

كان التخويف مما هو قادم سببا ومبررا لدفع مجموعات صغيرة للهتاف ضد صحيفة «الفجر».. وضد رموز إعلامية ساندت الحرية فى وقت كان أعضاء المجلس العسكرى صامتين إلى حد العجز عن النطق.. لا يشكون الله فى سرهم حتى لا تسمعهم أجهزة أمن مبارك.. والغريب أن الإخوان شاركوهم فيما وصفوه بفساد الإعلام.. مع أنه نفس الإعلام الذى استهجن من قبل اعتقالهم وتعذيبهم ومطاردتهم وتشريدهم.. سبحان مغير الأحوال.. المضروب أصبح ضاربا.. والمقهور أصبح قاهرا.. والمسجون أصبح سجانا.

ولو كان الغضب نوعا من حرية الاختلاف لما توقفنا عنده.. لكن.. الغضب كان مدبرا.. منظما.. مدفوع الأجر.. فشهود العيان الذين كانوا هناك انتبهوا لوجود سيدة ترتدى السواد.. تدفع لكل مشارك ثمن مجهوده وعرقه.. وهو ما يثبت أننا أمام مهنة جديدة.. تستغل حالة البطالة.. وتورط الشباب فى البلطجة.

وفضح المشاركون عن محركهم ومحرضهم بسهولة.. فقد كان هتافهم الأول: « افرم افرم يا مشير احنا زهقنا من التحرير».. وهو هتاف يعتبر نوعا من البصمات التى تترك بجانب الجثث فى الجرائم الجنائية لتحديد الفاعل أو المستفيد.. ولو كنت منهم لاكتفيت بالشعارات التى وصفت ما نكتبه وما نقوله أنا وبعض زملائى - بأنه باطل.. باطل.

ولابد أنك فزعت مثلى من مطالبة المشير بالفرم.. بكل ما فى الكلمة من فاشية نبرئ الرجل منها.. لكنها على ما يبدو اتجاه لبعض مساعديه ومؤيديه كشف عنه اللواء أركان حرب عبد المنعم كاطو الذى وصف شباب التحرير بأنه صايع.. يستحق الحرق فى أفران الغاز النازية.. دون أن يدرك أن ما نطق به جريمة دولية تضعه فى السجن حتى الموت.. والغريب أنه مكلف من السلطة العسكرية بتبرير تصرفاتها.. ورد الهجوم عنها.

وربما كان علىَّ فى تلك اللحظات أن أتذكر تهديد أحد رموز المجلس العسكرى يوم اختلفنا معه على صفحات «الفجر» بأن رجاله مستعدون للتصفية والانتقام.. ولا أتصور أنهم نفذوا تهديدهم وإنما تركوه لغيرهم.. فشرفهم العسكرى يأبى عليهم ذلك.. مهما كان ولاءهم لقائدهم.. وهو ولاء مؤقت ينتهى بخروجه إلى المعاش.

وهاجمت مجموعة مجهولة فريق تصوير أرسلته القناة الثقافية الفرنسية لتسجيل حلقة عن الروائى الشهير علاء الأسوانى خوفا من أن يكون قد التقط مشاهد سحل الفتيات فى موقعة مجلس الوزراء.. ولم يترك المهاجمون الفريق إلا بعد أن تحطمت الكاميرات.. ومسحت اللقطات.. وحرقت محتويات الغرفة فى الفندق الذى يطل على ميدان التحرير.

وفى الوقت نفسه تلقى علاء الأسوانى تحذيرا من جيرانه بأن يأخذ حذره وهو قادم إلى بيته.. حيث تجمع أمامه مجموعة من البشر يهتفون ضده.. وجاهزون للاعتداء عليه.. ومستعدون لتأديبه عقابا على ما يكتبه ضد «العسكرى» .. مساندا للتحرير.. مطالبا بالانتقام لدماء شهدائه.

وربما كانت تلك المجموعة هى نفس المجموعة التى هاجمت «الفجر».. وربما كانت مجموعة أخرى تعمل لحساب نفس المتعهد.. فقد أصبح فى مصر الآن ما يسمى ببيزنس «البلطجة السياسية».

وقد نفى ضباط محترفون فى الداخلية أنهم وراء مثل هذه «الحركات».. قائلين: «لو كنا مكانهم ما تصرفنا بهذه الطريقة الساذجة.. المكشوفة».. لكنهم أضافوا: «إن ما حدث قد يتطور إلى ما هو أسوأ.. ضرب.. أو قتل.. أو حرق».. فالأسوأ قادم طالما هناك من يتصرف بهذه «الغشومية».

والحقيقة أن الأسوأ بدأ فى أحداث مجلس الوزراء.. حيث دفع بمجموعات منظمة من البلطجية لحرق المجمع العلمى دون أن يتدخل أحد لإنقاذه.. دون أن يتدخل الجيش لإطفائه جوا كما فعل عند حريق الدور العلوى فى مبنى التليفزيون.

وحسب ما ذكر شاهد عيان (هو عبد الله سيد بيومى أحمد 59 سنة) فإنه يوم 19 ديسمبر اقتحم هو ومجموعة من شباب التحرير مبنى المجمع العلمى لإنقاذ ما فيه من تراث إنساني.. لكنهم فوجئوا ب 16 صبيًا يرتدى كل منهم قميصا أصفر ويحمل حقيبة حمراء يمنعونهم من إخراج الكتب سليمة.. ولم يتردد أحدهم فى ضربه بشومة على ظهره.. كسرت له الفقرة الثالثة.. فأصبح قعيدا.. عاجزا عن الحركة.. وفى مستشفى قصر العينى لم يجد علاجا مناسبا.. ولجأ إلى الدكتور ممدوح حمزة.. وخرج من عنده على كرسى متحرك.

وتلقت صحف أخرى مثل «المصرى اليوم» نفس التهديدات التى تلقتها «الفجر» وإن أعطيت لها مهلة كى تراجع نفسها.

وأرسلت الهيئة العامة للاستثمار إنذارا لقنوات فضائية يصفها البعض بالخيانة لأنها تساند الثورة.. وتعرض ما يتعرض له الثوار على الهواء مباشرة.. وكانت حجة الهيئة أن هذه القنوات حسب تراخيصها قنوات منوعات وليست قنوات إخبارية.. وكأن المطلوب منها أن ترقص وتغنى وتنكت فى وقت يقتل فيه شباب التحرير برصاصات مجهولة.. دون الرغبة فى التوصل إلى الجاني.

ووجدت قنوات أخرى مشاكسة من يطلب منها تشديد الحماية على استوديوهاتها كى لا تتحطم.. إنذار مغلف بالسكر.. جعل أصحاب هذه القنوات يخشون على عشرات الملايين التى استثمروها فيها.. فأعادوا حساباتهم.. خاصة أن التهديد يأتى ممن يلجأون إليه لحمايتهم.

فلو حدث مكروه لصحيفة أو قناة.. لصحفى أو مذيع.. فلن يذهب يشكو لأحد.. فكل ما سيسمعه من عقيد شرطة أو لواء جيش.. هذه حرية تعبير عن الرأي.. لذلك.. ليس أمامنا سوى السيدة نفيسة.. نطلب رعايتها.

ولم تتجرأ هيئة الاسثتمار وترسل نفس الإنذار إلى القنوات الدينية وهى بالمناسبة خرجت بتراخيص منوعات أيضا.. لكنها.. لا تختلف مع العسكرى وإنما مع خصومه من الثوار ومؤيديهم.. وهو ما يمنحها وساما.. لا تهديدا.

وبعد شهور طويلة من اتهام منظمات حقوق الإنسان بتلقى تمويل من الخارج جرى اقتحام مقار 17 منظمة منها بطريقة خشنة وكأنها منظمات إرهابية.. ولم يكن بين هذه المنظمات جمعية واحدة إسلامية أو سلفية رغم أن تقرير لجنة تقصى الحقائق الحكومية كشف عن تلقى جمعية أنصار السنة 181 مليون جنيه من دول خليجية.. فهل خشيت السلطة من قوة أنصار هذه الجمعيات.. أم أنها تبارك أموالها النفطية؟.

الحقيقة أن الذى أعطى الأمر بالهجوم لا يريد سوى رقبة المنظمات المدنية الليبرالية التى ترفض السلطة الدينية وتنتقد السلطة العسكرية.. لذلك فهى مكروهة ومطلوبة منهما.

وما يثير الدهشة أن أغلب مسئولى هذه المنظمات هم أعضاء فى المجلس القومى لحقوق الإنسان.. وهو ما يعنى أن الاعتداء مزدوج.. يتضمن انتهاكا للمؤسسة الرسمية التى تواجه الانتهاكات.

وأمام رد الفعل الأمريكى والأوروبى الغاضب خرج وزير العدل يبرر ما حدث.. ويتحدث عن الإجراءات القانونية التى اتبعت.. وهو كلام لم يقنع أحدًا.. ولم يبلعه أحد.. فالعالم شاهد ما حدث بالصوت والصورة على موقع يوتيوب الذى كان يبث فيديوهات الاقتحام والتحطيم أولاً بأول.

إن غالبية هذه المنظمات تشغل مكتبا صغيرا به عدد محدود من الموظفين.. يسهل استدعاؤهم بأجهزة الكمبيوتر التى يعملون عليها إلى النيابة العامة.. ولا يحتاج الأمر إلى كل هذا الإرهاب الشرس الذى لم يحدث من قبل فى عز عداء نظام مبارك لهذه المنظمات.

ومهما كان الحكم على التصرف فإنه وضع «العسكرى» فى موقف حرج مع الإدارة الأمريكية التى تواجه ضغوطا من الكونجرس لإلغاء المعونة العسكرية أو على الأقل تخفيضها.. خاصة أن اللوبى اليهودى لا يرى مبررا لوجود جيش مصرى كبير وقوى مع معاهدة سلام مع إسرائيل.. وكانت الأحداث الأخيرة التى تورط فيها الجيش فى ضرب وسحل متظاهرين قد نبهت الكونجرس إلى أن المؤسسة العسكرية فى مصر خرجت عن القانون الأمريكى الذى يمنع منح دولة معونة يمكن استخدامها ضد مواطنيها.

لقد تصرف «العسكرى» وهو يدير البلاد بعدم خبرة سياسية جعلت الأحزاب الدينية تفوز بتورتة الانتخابات.. وتصرف بعدم خبرة اقتصادية ضاعفت من متاعب الناس.. وتصرف بعدم خبرة أمنية شوهت صورته فى عيون الدنيا كلها.. ولم يكن أمامه سوى أن يتهم الإعلام ويعلق على شماعة الكلمة والصورة واللوحة الكاريكاتورية كل أخطائه وتقصيره وتورطه فى سكة الندامة السياسية مع أنصار الدولة الدينية فى أكبر جريمة دستورية شهدتها مصر.. وبدلا من أن يعترف بما فعل واصل أسلوبه القاسى فى المواجهة بدعوى أن مصر مقبلة على كارثة وهو يحذر منها.. ويضرب من يحرض عليها أو يشجعها ضربات وقائية.

وسوف تشهد الأيام القليلة القادمة اختفاء نشطاء واعتقال شخصيات بعينها وهجمات على التحرير من مواقع التواصل الاجتماعى الذى لم يعد أحد ينفرد به.. كما أن من يحركون الميادين لم يعودوا يتمتعون بعنصر المفاجأة التى كانت لصالحهم فى الأيام الأولى للثورة وما بعدها.

فى ليلة رأس السنة امتلأ التحرير بعشرات المئات من البشر احتفلوا برحيل العام بسماع أغان وطنية دون توتر أو غضب أو عنف.. فهم يعبرون عن أنفسهم ويعرضون مطالبهم بأسلوب سلمى مناسب وشرعي.. لكن.. هناك من يحول الفرح إلى مأتم.. والطرب إلى ضرب.. والتعبير إلى تدمير.. ترى ما هى صلة ذلك المجهول بمن يحذرنا بالكارثة القادمة فى ذكرى الثورة؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.