وما زالت تحديات و استفزازات من يحسبون علي المجتمع نجوم و من يتصدرون الصورة التي من شأنها أن تعكس درجة رقي هذا المجتمع ، فكما تعلمنا أنه كلما ارتقي المجتمع كلما ارتقت به كل أشكال الفنون ، تلك للتي تعكس هذا الإرتقاء بوضوح . و لكن : في حين تسعي القيادة السياسية للنهوض الشامل بالمجتمع علي كافة المستويات و في مختلف الملفات ، نجد من يغرد دائماً خارج السرب ليتصدر هذا الهراء المسمي بالتريند و إن كان علي حساب استفزاز و تحدي الجمهور ، فكل ما يعني هذا النجم سوي عدد المشاهدات التي باتت هي المعيار الأول و الأخير للنجومية و ضمان استمرار الحصول علي أدوار البطولة بغض النظر عن حسابات القيمة و القدوة و الرسالة المرجوة لهذا العمل الفني . فتصدرت الرداءة وساد التدني بالمجتمع و تفشت الملوثات السمعية و البصرية بسبب تطورات العصر و تغيرات أذواق الجماهير ، إذ أصبح المبرر الرسمي المتصدر لكافة الأنتقادات ( الجمهور عاوز كده ) فكل هذه الأسباب ليست إلا شماعات يعلق عليها الأخطاء كل مذنب مقصر ليخلي مسؤوليته أمام الآخر فحسب ! لكنها في واقع الأمر الحقيقة المرة التي علينا جميعاً التوقف أمامها و الإعتراف بها دون خجل أو تبرير إن كنا بحق نريد الإصلاح ، ألا وهي أننا دون المستوي الذي يسمح لنا بالتنافس و إثبات الوجود بمناخ غني متنوع به لون متميز من جميع الألوان يرضي كل ذوق من جميع الأذواق . فنحن الآن بحق نمر بأصعب أوقات انهيار الأخلاق و تصدر القدوة السيئة المشهد كله علي كافة المستويات فكلما استنشقتنا الهواء كادت أن تخنقنا رائحة الفساد و التدني التي تنبعث من كل شئ تراه أعيننا و تسمعه آذاننا و تدركه عقولنا في الثقافة و الفنون و التربية و الأخلاق ! أما عن أحدث الأمثلة التي تدلل و بقوة علي هذالإنهيار الخلقي و تلك القدوة السيئة : هذا النجم الجديد الذي بات قدوة و أسطورة يسير علي نهجها أكبر قطاع من شباب مصر ، صاحب الكليبات الشهيرة و الحفلات الصاخبة و التقاليع المنقولة عن ثقافات أخري و الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام و التواصل الإجتماعي بتعجب و انتقاد و لكن دون جدوي
و التي ما زالت و ستظل سلسلة تحدياته لكافة الأخلاقيات و ضربه لكل القيم مستمرة بشراسة ، إذ كانت أحدث إصداراتها واقعة الصورة التي تسببت بالقضاء علي مستقبل و طموحات و أحلام الطيار المصري الذي تم إيقافه عن العمل مدي الحياة قبل أن يفارق هذه الحياة ! و أخيراً و ليس آخراً ، رسائله المستفزة لمشاعر الكثيرين من داخل طائرته الخاصة و مضيفاته اللاتي يرقصن معه ليشارك جمهوره هذا الهراء و يسعي جاهداً خلف أكبر كم من التعليقات و المشاركات و إن كانت أغلبها سلبية من باب البحث عن "التريند" المنشود. أعزائي المندهشين : لم تندهشون و تنتقدون هذا النجم لإطلاقه هذه الكليبات التي تؤكد للجميع أنه الأول بلا منازع بحسابات الأرقام ؟ ألم تكونوا أنتم من حققتم له هذه النسب من المشاهدات ، أي أنكم شركاء بالجريمة ! ألم تكونوا أنتم من دفع آلاف الجنيهات لحضور حفلاته الصاخبة . ألم تكونوا أنتم السبب الأول و الأخير لرفع هذا الشاب علي القمة و تقاضيه أعلي أجر لفنان بنسب مشاهداتكم لأعماله و إقبالكم عليها ؟ ألم تكونوا أنتم من جعلتوا منه قدوة "سيئة" يحتذي بها الصبية و الشباب ليقلدوا سلوكها شكلاً و موضوعاً بشكل كارثي ؟ ألم تكونوا أنتم من تسببتم في إصابة هذا الشاب بهذه الحالة من الغرور و التعالي نظراً لعدم قدرته علي تصديق ما هو فيه و ما تخطي حاجز أحلامه بأيديكم و مباركتكم ؟ فقد أصبح المألوف الآن هو تصدر الأنصاف و غير المؤهلين و أشباه الموهوبين الصورة !! في حين تتراجع جميع الكفاءات و المواهب و أصحاب الإمكانات في الصفوف الخلفية . و لم تختص مصر و المنطقة العربية بشكل عام بهذه الظاهرة ؟؟ هل تعتبر تلك الظاهرة من أهم أسباب تراجعنا للخلف في حين يتقدم العالم للأمام باستمرار دون توقف ؟ فلم تعد الكفاءة معيار لأي شئ ، فليس بالضرورة أن يكون الطبيب الأشهر و الأعلي سعر هو الأكفأ ، و لا المغني الأشهر هو الأكثر موهبة و الأجمل صوتاً و لا الكاتب الأشهر هو الأفضل و الأبدع و لا الفنان المتربع علي عرش النجومية و الأعلي أجراً هو المستحِق عن جدارة لأسباب هذه النجومية ! لا أعلم من ذا الذي يتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الجرم المجتمعي الذي لم يلتفت أحد لمدي خطورته علي الأجيال الجديدة ، فقد أصاب جيلين أو ربما ثلاث و ما زالت الكارثة مستمرة بشراسة ! يا أولي الأمر في كل المجالات : أفسحوا الطرق لذوي الكفاءات ، و امنحوا الفرص لمستحقيها الذين تواروا تحت أتربة الزيف و الكذب و البالونات الممتلئة بالهواء فحسب ! فإن حقاً تمت السيطرة علي تصدر الأنصاف و عديمي الكفاءة ليخرج للنور و يفيد المجتمع كل موهوب و مؤهل في مجاله دون واسطة أو محسوبية أو خلافه ، لربما تنصلح الأحوال و تستقيم الأوضاع المقلوبة .