انطلقت أعمال المؤتمر السنوي "فكر16" بجلسة افتتاحية، شارك فيها معالي وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات العربية المتّحدة أنور قرقاش، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ركّزت على أهمّية الاستقرار ودوره في بناء مستقبل أفضل، ورسم إطار عامّ لواقع الفوضى وتداعياته، وسبل صناعة الاستقرار على مستوى المنطقة. توقف الوزير قرقاش عند مسألة الاستقرار الذي أعتبره مكوّنًا مهمًّا لأيّ نهضة، وأشار إلى زيارة الوفد السعودي لدولة الإمارات عام 2013 بتكليف من الملك عبد الله بن عبد العزيز (رحمه الله)، والتي أكّد من خلالها على رؤية السعودية للإمارات كشريكٍ استراتيجيّ، وسجّل حينها وزير الخارجية سعود الفيصل (رحمه الله)، الذي كان يرأس وفد المملكة، تهنئتهِ لدولة الإمارات على النهضة التي تعيشها، فردّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قائلًا: "لولا استقرار السعودية كجار لما كان لنا أن نؤسّس لهذه النهضة". ورأى قرقاش أنّ الاستقرار مسألة أساسية للاستثمار، فإذا لم يشعر المستثمر بوجودهِ، ومعرفة أنّ هذا البلد أمامه سنوات من الاستقرار، لن يربط نفسه بالاستثمار،. وتوقّف عند تجارب البلدان العربية في السنوات الأخيرة، ليشدّد على أن الاستقرار هو مطلب أساسي وسط الفوضى والعنف والتفكيك، وما تعرّضت له العديد من الدول العربيّة، معتبرًا أن فقدان الاستقرار هو فوضى عارمة. وتحدث عن التجارب التاريخية والتنموية المختلفة ل 22 دولة عربية، وتباين النجاح بين تجربة وأخرى. كما تحدّث قرقاش عن تجربة الدولة الوطنية الناجحة التي تعيشها الإمارات، ليخلص في حديثه بوجود تجارب عربية مأزومة، وفي المقابل سنجد بموازاتها تجارب عربية واعدة. وتناول عددًا من المحاور في ما يخصّ استقرار العالم العربي، مؤكّدًا ضرورة حمايته وتحديثه، في ظلّ ما شهدناه خلال العقدين الماضيين، حيث أصبحت بلاد العرب مشاعًا للتدخّل والنفوذ الإقليمي، سواء أكان إيرانيًا أو تركيًا أو إسرائيليًا. ورأى أن الوهن الذي يعانيه النظام الإقليمي العربي يأتي في سياق تغيّرات في النظام الدولي بعد عامي 1989 و1990. كما توقّف قرقاش عند ثلاثة مناهج بالنسبة إلى قضايا الاستقرار وعدمه، أوّلها المحور الإيرانيّ في التوسع الطائفي وقيامها بدورٍ رئيس في عددٍ من الملفات العربية. والثاني هو المحور التركي الذي يساند الإخوان المسلمين وقطر، ويسعى من خلال خطابه الدينيّ إلى ممارسة سلطته في السيطرة على الشعوب، والثالث هو المحور الذي اختارته الإمارات، وهو محور عربي وسطي نرى أنّ أركانه الأساسية متواجدة في السعودية ومصر، وبصورة طبيعية في بلدان عربية أخرى، كالأردن والمغرب وغيرهما، ونريده أن يتوسّع ليكون هناك خيارٌ عربي بديل عن الخيارات الإقليمية التي نراها ونشهدها حاليًّا وتعود لغياب الاستقرار. وأكّد على الحاجة الملحّة إلى نظامٍ عربيّ يقوم على احترام سيادة الدولة الوطنية، ويغلب عليه التعاون الاستثماري والاقتصادي وقيم التنمية والازدهار. واعتبر أنّ الازدهار يجب أن يركّز على الوسطية والواقعية بعيدًا عن التوظيف السياسي للدين والتطرّف والطائفية. وشدّد على حاجتنا الملحّة إلى الوسطية، وعلينا أن نكون واقعيين في التعامل مع تنميتنا الداخلية وعلاقاتنا الخارجية، وعدم التضخيم في خصوصيّة مجتمعاتنا، ولا بدّ من التعلم من تجارب دول شرق آسيا التي استغلّت العولمة لبناء كيانات سياسية واعدة ونهضة اقتصادية رائدة، ثم تغليب التنموي على السياسي. ودعا قرقاش إلى اتّباع خطوات التحديث والتطوير على نحو تدريجي، معتبرًا أنّ ذلك لا يعني التقوقع في الماضي بل الاستفادة منه، إذ لا يمكننا أن نتحمّل ربيعًا عربيًا ثانيًا، ويجب أن نتّعظ من دروس ما عُرِف بالربيع العربي الأوّل، وأنّ ندرك بأن التنوّع في البيئة العربية يجب أن يصاحبه إجماع، ولا يمكن لفئة معينة أن تحدّد طريق المستقبل من دون الأخرى. ورأى بأننا لا يمكن أن نسعى للمستقبل من دون أن تكون لدينا رؤية واضحة، ولا بدّ للمجتمع من خلال الجيل الجديد أن يكون مشاركًا في صناعة هذه الرؤية. الوزير أيمن الصفدي أكّد أنّ أزمتنا العربية هي أزمة فكر وحضارة وثقافة نحتاج إلى نهضة شاملة لتجاوزها. وأشار إلى تزامن انعقاد مؤتمر "فكر16" مع عام زايد، الذي يمتلك رؤية قائدٍ وضع بلاده على طريق المستقبل المُشرق، وتطرّق إلى العلاقة التاريخية المتينة بين جلالة الملك حسين بن طلال والشيخ زايد بن سلطان، حيث عمل كلاهما على بناء وطن وإنسان يتمتّع بعيشٍ كريمٍ وحرّ. وأشار إلى وجود 12 مليون طفل عربي في سنّ الدراسة محرومون من حقّهم في التعليم المدرسي، وذلك بسبب الاحتلال الإسرائيلي والحروب وغياب الحكم الرشيد، وغياب آفاق الحالات السياسية والاجتماعية؛ إنّهم ضحايا كلّ التحدّيات في المنطقة، وإنقاذهم يتطلّب عملًا فاعلًا، كما أنّ النجاح في حماية العالم العربي يتطلّب عملًا جماعيًا من قِبل جميع الدول العربية، كما يتطلّب إصلاح مؤسّسات العمل العربي المشترك، وتحديث أدواتها. وأكّد على حاجة جامعة الدول العربية إلى عملٍ كبير لتفعيلها، ولدينا مآخذ كثيرة عليها، مشروعة ومنطقية، وعلينا أن نعترف بأنّ الثقة الشعبية شبه معدومة بها، ونحن لم نوفّق في مُعالجة كثيرٍ من الأزمات التي تُقوّض حاضرنا وتُهدِّد مستقبلنا، لكنّ ذلك لا ينفي أن ضعف الجامعة العربية والعمل العربي المشترك مسؤولية كل العرب، الأمر الذي يستوجب الارتقاء بالعمل العربي المشترك الذي يحمي المصالح المشتركة ويواجه التحدّيات، والخيار بالنسبة إلينا واضح تمامًا، يجب أن نُصلح ما نملك، ونحمي نظامنا العربي، ونحمي الدولة الوطنية التي تُسهم في حماية المستقبل، وذلك عبر تطوير الحكم الرشيد، ومؤسّسات التعليم، والفكر الحرّ المستنير، وبذلك نواجه الظلام والقهر، وهو التحدّي الأكبر، إذ علينا أن نتصدّى معًا لمصادر التهديد الأكبر أيّ الجهل، ولا بدّ من أن نعيد بناء نهضة عربية تحترم الإنسان وكرامته. وأكد الصفدي المخاطر التي تواجهنا جرّاء الاحتلال الإسرائيلي، والاستمرار في تهميش الحقّ الفلسطيني، إذ لا يمكن للمنطقة أن تنعم بالاستقرار والأمن ما دام الفلسطيني محرومًا من حقّه وحرّيته ودولته واستقلاله، فالسلام بالنسبة إلينا خيار استراتيجي منذ مبادرة السلام العربية عام 2002، إنّه السلام الذي يُلبّي حقوق الفلسطيني على أرضه. إنّ السلام والأمن لن يتحقّقا إلّا باحترام حقوق الشعب الفلسطيني، وأنّ هناك محاولات يومية لتغيير هويّة القدس التاريخية والقانونية والدينية، لكن تبقى القدس مقدّسة لدى كل الأديان والوصاية الهاشمية حاضرة عليها دومًا، ويجب أن نحمي القدس من محاولات تغيير هويّتها، فهي مدينة للسلام لا للاحتلال. ولفت إلى أنّ الإرهاب هو خطرٌ جماعيّ بلا شك، ونخوض الحروب ضدّه دفاعًا عن أمننا واستقرارنا، ولّا بد من محاربة الإرهاب بكل الوسائل والسبل والتحدّيات التي نواجهها معًا وليس كلّ دولة وحدها، وهي تحدّيات تتطلّب مواجهة مشتركة. وتطرّق إلى الأوضاع في سوريا، فأكّد على ضرورة الحلّ السياسي وليس العسكري، ورأى أنّ الكثير من القرارات والمنهجيات في التعامل مع الأزمة السورية كانت خاطئة، وكان الرهان على فرضيات خاصّة، أدّت إلى تقويض دولة عربية مهمّة. ولفت إلى وجود نحو 1,3 مليون لاجئ سوري في الأردن، كما يوجد أكثر من 155 ألف طالب وطالبة في المدارس الأردنية، وقد أصدرت السلطات الأردنية ما يزيد على 94 ألف تصريح عمل لعمّال سوريين، نعمل على توفير احتياجاتهم الأساسية، وخصوصًا التعليم، كي لا يكونوا فريسة سهلة لداعش وأمثالها، فالاستثمار في اللاجئين السوريين هو استثمار لنا جميعًا في مستقبل مشترك.