تعتبر إيران واحدة من النظم السياسية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تختلط فيها السلطة الدينية بالسياسية والعسكرية، وكانت فكرة ثورة الشعب الإيراني على أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية محل توقع للعديد من المراقبين للشأن الإيراني، لكن المفاجأة في الثورة التي تشهدها الشوارع الإيرانية حاليا هي الثورة على الرمز الديني والسياسي والعسكري الأكبر في البلاد... الثورة على المرشد الأعلى على خامنئي ليسبق اسمه اسم الرئيس، حسن روحاني، في اليافطات التي يرفعها الإيرانيون في الشوارع. تعتبر شخصية المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، المولود في 19 أبريل 1939 بمدينة مشهد، إحدى الشخصيات الإيرانية المثيرة للجدل، فهو أديب وشاعر وقائد عسكري ورجل دين، وجامع في يده عددا من الألقاب لم يكن ليحظى بها إلا الشاهنشاه الفارسي، أي "ملك الملوك" باللغة الفارسية. درس خامنئي القرآن الكريم وعلومه ابتداء من العام الرابع لولادته، حيث كان يحفظ القرآن في الكتاب، وبعد إتمام الدراسة الابتدائية في مدرسة دار التعليم الديني، التحق بمدرسة "سليمان خان" ثم مدرسة "نواب" لتلقي دروس آداب اللغة العربية والمنطق والفقه والأصول والفلسفة، ليتتلمذ بذلك على يد أشهر المدرسين والعلماء في مدينة مشهد في تلك الفترة من أمثال الشيخ هاشم قزويني وجواد آقا طهراني وأحمد مدرس يزدي. في سن السادسة عشر من عمره، بدأ خامنئ في تلقي دروس الخارج وهو ما يعرف باسم "المرحلة العليا" في الأدبيات الإيرانية، واستغرقت دراسته هذه سنتين، حيث زار ما يطلق عليه العتبات المقدسة في العراق، وأتاحت له تلك الرحلة فرصة حضور دروس معظم علماء النجف، إلا أن والده طلب منه العودة إلى إيران. في عام 1958م قدِم إلى مدينة قم ودخل حوزتها العلمية لإكمال دراسته الدينية العالية في الفقه والأصول من خلال حضوره دروس كبار الأساتذة فيها مثل حسين البروجردي وروح الله الخميني وإلحاج آقا مرتضى الحائري وسيد محمد حسين الطباطبائي. دخل خامنئي، المتزوج من منصوره خجسته باقرزاده، والأب لنصف دسته من الأبناء " مصطفي، مجتبي، مسعود، ميثم، بشرى، وهدي" معترك الحياة السياسية مع اندلاع الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه الإيراني، حيث تم اعتقاله 6 مرات من قبل جهاز "السافاك" الإيراني، كان آخرها عام 1974حيث بقي في الحبس الانفرادي في سجن اللجنة المشتركة للشرطة العامة حتى خريف عام 1975 م. وبعد إطلاق سراحه عاد إلى مدينة مشهد وعاود مزاولة نشاطاته العلمية والثورية، وبعد انتصار الثورة على نظام الشاه الإيراني عام 1979 وعودة الخميني من منفاه بفرنسا، أصبح خامنئي عضوا في مجلس شورى الثورة الإسلامية الذي شكله الخميني وضم إلى جانب خامنئي كلا من مرتضى المطهري، ومحمد حسيني بهشتي، وعبد الكريم موسوي أردبيلي، ومحمد رضا مهدوي كني، وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني. في عام 1980 تولى خامنئي إمامة الجمعة في طهران، وهو منصب من المناصب الدينية المؤثرة للغاية في إيران، ثم توالت المناصب والتدرج في المهام القيادية بالنظام الجديد، حيث تولى منصب ممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى 1980 م، ثم تم انتخابه رئيسا للجمهورية عام 1981 بعد مقتل الرئيس محمد علي رجائي في التفجير الذي استهدفه مع رئيس الوزراء محمد جواد باهنر، الذي لم يبق في المنصب سوى 25 يوما فقط لا غير. في نفس العام، تولى خامنئي رئاسة المجلس الأعلى للثورة الثقافية، وتولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام عام 1987، و رئاسة شورى إعادة النظر في الدستور 1989، ثم أصبح المرشد الأعلى للثورة الإيرانية بعد رحيل روح الله الموسوي الخميني عام 1989. شكل الفترة من تولي خامنئي سدة الحكم في إيران وحتى وصوله لمنصب المرشد الأعلى للثورة وما تلاها حتى اليوم نقطة التحول في شخصية خامنئي الأديب والشاعر ورجل الدين، فالرجل الذي قرض الشعر ونظمه باسم "أمين" مارس الاستبداد والطغيان، ونكل بالمعارضين، وألقى بمعظم أصدقائه السابقين من الشعراء والمثقفين في غياهب السجون تحت التعذيب لرفضهم تأييد الثورة وامتداحها شعرًا وكتابة. وبعد أن أصبح مرشدا أعلى، نادى بالسلطة المطلقة للولي الفقيه مؤكدا أن هذه السلطة تتقدم على إرادة الشعب، وهو موقف مخالف لرأيه الذي أعلن عنه في عام 1982 حين قال: "إن الشعب يأتي في المرتبة الأعلى في البلاد.. فالشعب ينتخب المرشد الأعلى، وإن كل شيء في نهاية المطاف يرجع إلى الخيار الذي يقرره الشعب". عزز المرشد الأعلى الإيراني الذي يصارع مرض السرطان، رؤية وموقف الولي الفقيه على رأي الشعب بمجموعة من الألقاب التي بات يتمتع بها في إيران، فهو الولي الفقيه، وهو آية الله العظمى، الإمام، السيد، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية والقائد العام للقوات المسلحة.