في ظل مماطلة الاحتلال الصهيوني وتهربه من وضع إطارا لتسوية القضية الفلسطينية، تتجه السلطة إلى المنظمات الدولية للحصول على حقها في إقامة دولة مستقلة، وتتواصل الحملة الدبلوماسية الفلسطينية المراهنة على الأممالمتحدة والقانون الدولي، للاعتراف الدولي بها وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، تزامنا مع اعتراف النواب الفرنسي مؤخرا والبريطاني والأسباني من قبل على قرار يدعو بلادهم إلى الاعتراف بدولة فلسطين. تحمل هذه الاعترافات المتتالية من برلمانات أوروبية بدولة فلسطين دلالات مهمة، الدلالة الأبرز أن ممثلي الرأي العام في أوروبا باتوا يدركون تزايد بؤر التوتر في الجوار الشرق الأوسطي، وأن هذه البؤر تتغذى في جانب منها على المظالم التاريخية التي لحقت بالفلسطينيين، وعلى إمعان اليمين الإسرائيلي العنصري في إنكار حقوق الشعب الفلسطيني، وأنه لا يمكن التعامل مع المخاطر الإرهابية المتنامية على مستوى استراتيجي ما دامت البؤرة الأم مشتعلة. يبدو أن هذه الاعترافات قد جاءت نتيجة إيجابية نحو التوصيات الأممية على الاحتلال، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبأغلبية ساحقة أمس الأول، ثمانية مشاريع قرارات يتعلق أربعة منهم باللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من السكان العرب في الأراضي المحتلة. أولًا قرار "إنطباق إتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، المؤرخة بالثاني عشر من أغسطس 1949 على الأرض الفلسطينيةالمحتلة بما فيها القدسالشرقية، وعلى الأراضي العربية المحتلة الأخرى" ، ثانيًا قرار "المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينيةالمحتلة، بما فيها القدسالشرقية والجولان السوري المحتل"، ثالثًا قرار "الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينيةالمحتلة، بما فيها القدسالشرقية"، رابعًا هو التجديد لعمل اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية، لسنة أخرى، وللعلم أغلب المعارضين لهذه التوصيات والقرارات التي تدين انتهاكات إسرائيل هم كندا وإسرائيل والولايات المتحدةالأمريكية. بات واضحًا إدارك الساسة وصانعي الرأي العام في أوروبا، باستثناء بعض قوى اليمين، أن التطرف في الشرق الأوسط عامة يقابله في الوقت الحالي التطرف الصهيوني، بل ويتغذّى منه أيضًا ، ويدركون أنه، في الوقت الذي تشتد فيه الحملات على المنظمات الإرهابية مثل داعش وغيرها ، فإن ترك الحبل على الغارب للتطرف الصهيوني لن يؤدي سوى إلى تراكم المشكلات، وشحنها بالتوتر. وفي وقت يتعذّر فيه اتخاذ إجراءات من شأنها المساس بالعلاقات الأوروبية الإسرائيلية، أو اتخاذ إجراءات عقابية ضد الاحتلال، فإن الوقوف المعنوي والسياسي مع الجانب الفلسطيني يظل الخيار الأصلح والأكثر واقعية، في وقت يدير فيه الجانب الإسرائيلي الظهر لكل مقتضيات العملية السلمية/ التفاوضية، ويمضي أبعد من ذلك في إضفاء طابعٍ ديني صريح على هوية إسرائيل، ينافي المبدأ الديمقراطي، مع انتهاكات متعددةٍ للمقدسات الإسلامية في القدس، بما يشكل وصفة نموذجية لإعادة إشعال الصراع. مع إدراك واقع الفيتو الأمريكي المسلط على توجه فلسطين إلى الأممالمتحدة ، فإن اقتران هذا التحرك الدبلوماسي بحملة اعترافات برلمانية في حواضر الغرب، يضع أمريكا أمام واقع جديد، وهو اصطدامها، هذه المرة، بحلفائها وشركائها الأوروبيين، إضافة إلى حلفائها بالمنطقة وأخرى في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى بكين وموسكو. ويشير النص المقدم للأمم المتحدة إلى وجود قوة دولية تحل محل الجنود الإسرائيليين لضمان سلامة وحماية السكان المدنيين الفلسطينيين عبر الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، أما شروط هذه القوة فهي موكلة إلى الأممالمتحدة بعد اعتماد القرار.