«شيليني يا دنيا قبل النور وحطيني، بالراحة بالقوة ف الريح الفلسطيني» هكذا تستعد للزيارة؛ أنتَ المأخوذ بالأعتاب، لكَ في أثر المحبين نصيبٌ عند أبوابِ المسجد ومطرح المزود المقدس. في الطريق تطبق قاعدة فؤاد حداد «تعرف الإنسان من الطلّة» لتشهد «طلّتين» عاهدن ضميرهنَّ والناسَ بالسعي للنصر؛ صادقتين، ثابتتين على الدرب، وما بدلن تبديلا. ثمة مسافةٌ بين الطلّتين مكانيًا، فيما تنمحي أيّ فروقات حالَ تحسسكَ للجذرِ الأصل. ثمارُ زيتونةٍ قديمةٍ من عمرِ الأرض، زرعها أولُ فلاح دبّ بقدمه هنا، كلما اقتربتَ انكشفتْ حُجبَ الوطن، وبانتْ علاماتُ البهاءِ فيهن، لتتيقنَ أنّ الاحتلالَ لم يفعلْ سوى ما فعلَ الزمنُ بزيتونةِ جوزيه ساراماجو في «كلّ الأسماء»، حين اختار دون جوزيه زيتونةً هرمة، مازال أناسُ الضاحية يلتقطون ثمارَها، على الرغم من تحول حقلِ الزيتون إلى مقبرة. مع تقدم الشجرة في عمرها المديد، راح جذعها ينفتح في إحدى جهاته، من أعلى إلى أسفل، مثل مهد وُضع بصورةٍ عموديةٍ ليشغل حيزًا أصغر. «فاتن خوري» مؤكدٌ أنّها إحدى قريبات المسيح، أو على الأقل جارته يا أخي، هي ابنةُ الناصرة وهو يسوع الناصري، فنانةٌ، مسرحيةٌ، مُلتزمةٌ، تدفع طوالَ الوقت ثمنَ المواقف التي قطعتها على نفسها والمكان الذي اختارته لذاتها، تعرف أنّ الطريق لانتصار فلسطين «مُكلفٌ»، ترفض أيّ تمويلٍ أو انتاج تشوبه «علاماتُ الاستفهام» أو العمل مع ممثل جاءَ لبلادها يومًا محتلًا ومستوطنا. خلالَ فترة العدوان، انشغلتْ بأهلها في غزة، بكتْ مع منْ بكى، حييتْ من يستحق، هتفتْ باسم المقاومين، صلّتْ لأجل الضحايا، ورفعتْ كلَّ راياتِ النصر. اهتمامها الأبرز في الفترة الأخيرة بنشاط المقاطعة، تصحو وتبات وهي تصيح فيكَ وفيهم «قاطعْ احتلالك»، كفوا عن شراء منتجات الأعداء. ابنة عرب 48 والمجبورة على التعامل اليومي والمباشر مع العدو، توصي بالمقاطعة، تقرأ وصيتها كأنّها لكّ أنتَ أولهم، لا تدعم مخزون رصاص «شلومو»، لا تكنْ كبعض «الضفاويين» حين ارتدوا تي شيرتات «كُلُّنا غزة» وعلى ورقة الماركة كُتب «Made in Israel». في أولِ الصوم، قررتَ أنْ تتابع مسلسلها «شوفات»، لكنّ أخبارَ القاذفات وغاراتِ الاحتلال، أوقفتْ تحقيقَ رغبتكَ بعد متابعة حلقاتٍ لا يتجاوز عددُها أصابع اليد. هي أيضًا نسيتْ «عملَها»، وباتتْ «شوفاتُها» الوحيدة «السعي للنصر». غيرَ مبالغةٍ في البكاءِ على الضحايا- كخطوةٍ لئيمةٍ لجأتْ إليها الذئابُ لتحميل المقاومة مسئولية الدّم-، مباركةً أيّ احتجاج داخلَ الأراضي المحتلة، دافعةً نحوَ المزيد من الهتاف، رمي الحجارة، حرق الإطارات، في الجليل، الناصرة، حيفا، عكا، وغيرها. بعد أنْ تضعَ الحربُ أوزارها تسأل نفسكَ، عن النخبة التي ساهمتْ في صناعة صبي مطبع كمحمد عساف، بالتشجيع والدعم والعمل كحلقات ترويج، هل بإمكانها السعي في انتاج عمل فني لمسرحية ملتزمة؟ وأنْ تثقَ «النخبةُ المبجلةُ» أنّ ثوابَهَا في ميزان الفن والتحرر الوطني، وأنّ الناسَ ستردد حينها مع صديقتكَ «جِيتْ أغني شروق ومِيجَانا». «أماني أبو رحمة» تخيلتَ وأنتَ تقرأ مخطوطَ كتابها، منذ ثلاث سنوات، أنّها «باحثةٌ متفرنجةٌ» واحدةٌ من اللائي أغرتهن كتابات «البر الغربي»، ومع ذلك كانتْ كلما تقدمتَ في قراءتها ترسم لكَ «فضاءات قادمة». الغزاويةُ التي عانتْ أسرتُها التهجيرَ من «الرَملة» إلى بلاد النِفط، عادتْ إلى القطاع بوثيقة سفرٍ مصرية لتعاني الحصارَ، فنظامُ الحكم في بلادكَ يمنحُها صكَّ المرور لأرض الكنانة ب«طلوعِ الرّوح» و«إكرامية» رضوان المعبر المشئوم. «تعرف الإنسان من الشُوفة» في أول لقاء فعلي- ضمن لقاءات أربعة حتى الآن طال آخرها لمدة شهرين- حكيتما عن القضية، قالتْ وهي تبتسم «بِتْكبر القلب»، استعرضتَ أمامها الكثيرَ من أسماء المناضلين والمناضلات، الحوادث، التواريخ، الأماكن، مراحل تطور الأحداث، فيما كانتْ هي تعيدُ ترتيبَ رؤيتكَ، ماحيةً صورة «المعجبة بالبر الآخر»، ومكرسةً صورة امرأةٍ عربية، تعتز بعروبتها حدّ الشراسة. اشتكى إليكَ بعضُ أصدقائكما «حدّتها» و«عصبيتها» طوال فترة الحرب، تردّ بأن المعركةَ لا تعرف الألوان الرمادية، مع أو ضد، لا وقتَ للمنحنيات أو التعرجات، حددْ موقفكَ بوضوح، في أيّ صف تقفْ؟ وبعد أن تتوقف المعركةُ بإمكاننا جميعًا العودة للمربع صفر، ونختلف على كلّ شيء. الدهشة، نصيبُكَ كلما تابعتها، قرأت كتاباتها، أدركتَ مواقفها. هي أمّ لثلاثة أبناء في مراحل مختلفة، صبية تدرس الأدب الفرنسي، وثانية تفوقتْ في البكالوريا رغم قاذفات العدوان، وصبي لا يشيبه الصبية إلا في حجم بنيانه، كل معركة يخطط للأعداء، يصرّ على عدم إطلاق سراح أسرى المعتدين إلا بعد نيل حرية أسرانا، يلعنُ العربَ الذين تخاذلوا، والفلسطينيين الذين يكرهون فاتورةَ التحرير، كلُّ ليلة يذهب إلى الحلم لكنّه يلومها إذا ما دعته يذهب وحده حالَ تركها ليديه. ومع أنها بكتْ كثيرًا على أبناء آخرين مرابطين، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فإنها تؤمن أن الشهداءَ من لوازم النصر كالعتاد والسلاح والتدريب، لتلخصها عبارة، ترددها بحسمٍ كثيرًا، «لم أزل منصور ولم أُهزم».