محل تاريخي وزبائن من الزمن الجميل، ومكواة حديد صلد من بيت النار لرجل عم "جمال" وبصمة جمال علي ملابس الزهاد، يعكسها نسق حركي "رايح جاي" بلغة انسجام البشر والآلة، وهو ما رصدته "البديل" وحدث به صاحب الحرفة التي تأخذ طريقها للاندثار من داخل المحل خاصته. تقاليع زمان تحدث أخبارها علي إذاعة القرآن الكريم يبدأ "عم جمال" البالغ من العمر ستين عاما يومه منذ السابعة صباحا داخل محل يحتضن تاريخ حرفته التي ورثها أباً عن جد، وبعد تناوله قدحا من الشاي تبدأ رحلة العمل المعتادة منذ 45 عاما، بتسخين مكواته الحديدية ثقيلة الحمل داخل ما يسمي ب"بيت النار" وعمره 90 سنة، ومع أول زائر يقف خلف "مصطبة الكي" الرخامية واضعا الثوب القماشي أعلاها، وبيديه وقدمه اليسري مع إنحاء ظهره كاملا يوجه المكواة "رايح جاي" في رحلة الكي الشاقة، التي تطبع علي الثوب علامات لا تمحيها كثر مرات غسيله. عشت في جلباب أبي يقول "عم جمال" عشت في جلباب أبي وبأمره تسربت من التعليم في الصف الأول الإعدادي للتفرغ للعمل وكانت عقيدة والدي في ذلك الحفاظ علي الحرفة وحتى لا يضطر للاستعانة بغير أصحابها الأصليين، خاصة وأنني تعلمتها من جدي قبل الوالد،,ولدي المقدرة علي موصلة 24 ساعة عمل وسط حرارة المكان التي لا تجدي معها "المروحة" ولتأقلمي والحرارة المرتفعة، كما أن ظهري اعتاد الانحناء ولم أعد أشعر بآلامه. أبنائي لم يعيشوا في جلبابي وعن أبنائه يضيف : لي 8 أبناء 5 أولاد و3 بنات منهم محامية وموظف بالبترول وآخر بالإذاعة والأصغر موظف بالمحافظة وأحدهم حاصل علي معهد تجارة، وآخر لديه معمل ألبان، لم أزج بأي منهم في الحرفة لرغبتهم في التعليم ولصعوبة الحرفة ولأني أردت لهم مستقبلا أفضل. الزبائن من الزمن الجميل زبائن "عم جمال" معظمهم من الزمن الجميل واعتادوا التردد وكي ملابسهم خاصة للمرة الأولي بواسطته.. فيقول "محمود مراد" من قرية تله وأحد المترددين : أعتد كي ملابسي منذ زمن بعيد ب"المكواة الرجل" اقتداءً بوالدي رحمه الله ولأن الملابس الجديدة والجلباب بالأخص تحتاج لتطبيع في أول كية بمكواة الرجل بعدها يمكن الاعتماد علي مكواة الكهرباء بالمنزل أو مكواة البخار. وفي ذات الشأن يقول "عم جمال" : "ليا زبايني اللي من آخر الدنيا, عارفين المحل من أيام أبويا وجدي بييجوا بالبدل والجلاليب وكل الملابس خاصة الملابس الجديدة والتفصيل لأن مكوتي بتطبع فيها والسيف اللي بتطبعه مكوة الرجل في الهدوم ما بيطلعش منها مهما اتغسلت وده مش هتلاقيه في المكواة البخار اللي بعتبرها فشنك ومعرفش اشتغل بيها". ملابس اليومين دول ما تتحملش مكواة الرجل "حتي الهدوم اتغيرت مع الزمن ومين ينسي الكستور والقطن والصوف" وهو ما قاله "عم جمال" مؤكدا أن خامات الملابس الحالية معظمها من النايلون والألياف الصناعية وبالتالي لا تحتمل مكواة الرجل غير أنه يتعامل معها بعدم تسخن المكواة بدرجة كبيرة حتي لا تحترق، موضحا أن الملابس قديما كانت معظمها من القطنوالصوف والحرير والكسستور وأنها تتلاءم مع الكي بمكواة الرجل لكونها تحتمل سخونة المكواة. الحرفة تصارع البقاء وعن سبب ندرة الممتهنين للحرفة ووشيك اندثارها, أرجع "عم جمال" السبب لعدم تعلم الحرفة وهروب أصحابها وأبنائهم منها لكونها شاقة وتسبب آلام في الظهر, ولأن الجيل الجديد يستسهل الكي بالبخار مع نسيان الزبائن لمكواة الرجل وندرة الطارقين أبوابها. للحرفة فرائض وطقوس يقول "عم جمال" الحرفة كانت تجبرني علي الإفطار في شهر رمضان لعدم مقدرتي علي الصيام وسط حرارة المحل ومشقة العمل، إلا أنني كنت أتناول المياه فقط ولم أكن لأأكل مراعاة للشعور واستشعارا للحرج. وبرغم ارتفاع درجة حرارة الناتجة عن سخونة بيت النار والمكواة لا يعترف "عم جمال" بالمروحة ولا يفضلها بجواره، بل ويؤكد بأنه لا يستطيع تشغيلها حتى لا يصاب بالإعياء. وبسؤاله عن قدر المياه أمام المحل يؤكد بأنه لا يشرب غير ماء القدر لملاءمته ودرجة حرارة جسمه موضحا أن الماء المثلج قد يصيبه بالإعياء أيضا.