«دخل الربيع يضحك لقاني حزين نده الربيع على اسمي لم قلت مين حط الربيع أزهاره جنبي وراح وإيش تعمل الأزهار للميتين»… بالكاد كتبها شاعر الثورة وفيلسوف الفقراء صلاح جاهين، ولحنها وغناها آخر من حمل لقب شيخ الملحنين سيد مكاوي، قبل وفاتهما، إلا أنهما رحلا عن عالمنا والقطر المصري يحتفل بأعياد الربيع. قدم الصديقان لأزهار الربيع ما يكفي من الأغاني، لتخلد ذكرى وفاة كل منهما في نفس اليوم الذي يحتفل العالم بعيدها السنوي، ففي مثل هذا اليوم من العام 1997 انتقل إلى الرفيق الأعلى «مكاوي»، وسبقه «جاهين» في نفس اليوم من العام 1986. «مرحب ربيع مرحب ربيع مرحبه يا طفل يا للى ف دمى ناغا وحبا علشان عيونك يا صغنن هويت حتى ديدان الأرض والأغربة»… التقى الرفيقان لأول مرة في مقهى "النشاط" بحي المنيرة، أثناء العدوان الثلاثي، فكتب جاهين "حنحارب"، وغناها من ألحانه مكاوي، ليبدأ من هنا مشوارهما الإبداعي المشترك، وتوالت الأعمال بينهما، حيث لحن الشيخ رباعيات جاهين. «نسمة ربيع لكن بتكوى الوشوش طيور جميلة بس من غير عشوش قلوب بتخفق إنما وحدها هى الحياه كده.. كلها فى الفاشوش»… كلاهما بحث عن الآخر قبل أن يلتقي به، فقد سمع شاعرنا عبر الإذاعة الأغنيتين اللتين كتبهما الصحافي عبد الله أحمد عبد الله "آخر حلاوة ما فيش كدا، ما تيالا يا مسعدة نروح السيدة، واللتين لحنهما وغناهما الشيخ، كما لفت نظر "مكاوي" مقالات ورسوم وأشعار "جاهين"، من خلال أحمد طوغان وأحمد بهاء الدين والمخرج أحمد بدرخان وعبد العظيم عبد الحق، ليكوي الثنائي وجع الهزيمة، عقب قصف مدرسة بحر البقر بأغنية (الدرس انتهى لموا الكراريس)، وعقب قصف مصنع أبو زعبل بأغنية (إحنا العمال إلي اتقتلوا). «تسلم يا غصن الخوخ يا عود الحطب بييجى الربيع.. تطلع زهورك عجب وأنا ليه بيمضى ربيع وييجى ربيع ولسه برضك قلبى حتة خشب»… احتفالًا بالبدء في بناء السد وتحويل مجرى نهر النيل، في بداية الستينات، بأسوان، قدم الثنائي أغنية (فانتينا..فالنتينا..اهلا بيكي نورتينا)، في حضور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ورئيس الاتحاد السوفيتي نيكيتا خروشوف، والرئيس السوري شكري القوتلي، وكذلك نخبة من رواد الفضاء الروس، ومعهم الرائدة الشهيرة فالنتينا، كترحيب بأول رائدة فضائية. لم يقتصر إبداعهما المشترك على التأليف والتلحين، بل إن الصديقين اشتركا بالغناء مع صفاء أبو السعود، فى لحن مقدمة المسلسل الإذاعى «الواد الشقى» التى كتبها محمود السعدنى، كما اشترك الاثنان فى أغنية صباح «أنا هنا يابن الحلال.. لا عايزة جاه ولا كتر مال» التى قدمتها الشحرورة. «الدنيا من غير الربيع ميّته ورقة شجر ضعفانه ومفتفته -لأ يا جدع غلطان تأمّل وشوف زهر الشتا طالع فى عز الشتا». كل من مكاوى وجاهين ملحمة إنسانية لا يمكن للزمان أو المكان تجاهلهما أو نسيانهما، قدما معًا أوبريت "الليلة الكبيرة"، أشهر أوبريت شعبى مصرى قدم بعرائس من الماريونيت، يصف الموالد فى مصر، وقال شيخ الملحنين بعد وفاة رفيقه: «أيوه طبعا أنا وصلاح عملنا "الليلة الكبيرة"، وأخدت منه وقت طويل في كتابتها، بس خرجت من أبدع ما يكون، وبعدين إبداع "الرباعيات".. وعملنا أغاني لكل المطربين الموجودين على الساحة.. وغيرهم كتير اختفوا من على الساحة الغنائية، عملنا أغاني وطنية وعاطفية.. بس ده مش معناه إننا عملنا كل حاجة.. لا ده لسه في حاجات كتير هنعملها مع بعض.. وإن شاء الله هتخرج قريب للنور.. صلاح كتب كتير.. وكتب في كل حاجة». «يا ملونين البيض فى شم النسيم لون الحنين والشوق وخمر النديم ما تعرفوش سايق عليكو النبى تلونوا الأيام بلون النعيم؟»… عرف الحزن الطريق إلى سيد مكاوي، بعد وفاة رفيق دربه صلاح جاهين، حيث خرجت كل الصحف العربية تنعي وفاته، غير أن الملاحظة اللافتة والمهمة، كانت تلك التي كتبتها الكاتبة «نعم الباز» في جريدة «الأخبار»: «لم ألحق بجنازة صلاح جاهين.. لكنني رأيت سيد مكاوي.. فحضرت الجنازة بأكملها». «طال انتظارى للربيع يرجع والجو يدفا والزهور تطلع عاد الربيع عرمرم شباب إيه اللى خلانى ابتديت افزع؟»… واحدة من المفارقات الغريبة، أن يرتبط صديقان خلال رحلتهما الفنية، ليصبح كل منهما توأمًا للآخر، ويقدمان للربيع باقات وروده بعطر "الشعر والمغنى"، ثم يتوفى الاثنان فى يوم العيد، وكأن دنيا الربيع قبلت هداياهما، فيبقى هذا الارتباط الفني نادرًا، غير موجود الآن. «عاد الربيع كأنه طعم الحب والحب نار جوه العروق بتصب اتمتع إزاى بيه وأنا متقطع من كتر خوفي لا في الخطيئة يطب؟ عجبى!!».