كان أمر إعلان قيام دولة إسرائيل ،بمثابة ولادة جديدة للإنسان اليهودي في مقابل اغتصاب الحق الفلسطيني،وكانت هناك محاولات لطمس الهوية الفلسطينية الأصلية،حتى أن كتاب المسرح آنذاك كانوا عندما يقدمون لشخصيات فلسطينية عربية من خلال أعمالهم،يطلقون عليهم تسمية "عرب إسرائيل"لتأكيد السيادة الإسرائيلية علي الأرض. إلا أن هذه البداية الجديدة للمسرح الإسرائيلي ،كانت هنا علي مستوي المصطلح فقط، دون أن يشهد المسرح هنا أي تجديدات علي مستوي البناء أو الشكل الفني والتقنيات،وكان ذلك بمثابة خطوة نحو العمل علي تداول مصطلح "المسرح الإسرائيلي "،لتأكيد حقيقة أن وجود دولة إسرائيل أصبح أمرا طبيعيا،حتى وان كان هذا الوجود علي ارض ليست من حقهم،في محاولة لخلق حركة ثقافية إسرائيلية،ورغم ذلك لم تتمكن إسرائيل التي استطاعت تأسيس دولة تمتلك كافة متطلبات ذلك، من خلق"أمة إسرائيلية"،حتى أن معظم كتاب المسرح الإسرائيليين والأدباء بشكل عام كانوا يعرفون أنفسهم حتى وقت قريب بأنهم "يهود إسرائيل". وعلي الرغم من ذلك فهؤلاء الكتاب لم يتمكنوا من تقديم"مسرحيات إسرائيلية خالصة،وجاءت الموضوعات إسرائيلية ويهودية ،وأساليب الكتابة والتقنية غربية بحتة ،ولا يعرف قارئها حقيقة انتمائها للمسرح الإسرائيلي إلا بواسطة لغة كتابتها ب"العبرية" . وسواء كان هذا الجيل من كتاب المسرح الإسرائيلي الذي صاحب مرحلة بداية إعلان عام1948،ممن ولدوا في فلسطين أو من الكتاب الذين عملت الصهيونية علي تعبئتهم وتهجيرهم إلي فلسطين ليكون هؤلاء الكتاب لسان حال الثقافة الصهيونية نفسها تحت ستار وشعار"المسرح الإسرائيلي"،إلا أن كلا منهم كان لديه حلم خاص بحياة جديدة تمحو المآسي التي عانوا منها خلال حياة الشتات في ظل دولتهم المأمولة،لذلك اهتم هؤلاء الكتاب بتصوير حياتهم الجديدة والتركيز علي طبيعة علاقتهم مع العرب،إضافة إلي المشكلات التي واجهتهم في فلسطين ،في إطار الحرص علي عدم الخروج عن الخط الصهيوني مساندة ل"الدولة الجديدة". علي النقيض من ذلك نجد أن هناك عددا من الكتاب الإسرائيليين في هذه المرحلة أصيبوا بحالة من القلق وخاصة لشعورهم أن صراع دولتهم مع العرب لن يتوقف وان الحرب هنا سوف تكون أمرا حتميا لتامين وجودهم في المنطقة،معلنين رفضهم للحرب أملا في حياة يسودها السلام والاستقرار،إلا أنهم في الحالتين ،سواء رفض الواقع الجديد،أو علي قناعة وثقة في المنظومة الصهيونية ،كانوا حريصين علي تكييف أوضاعهم مع الوضع القائم أيا كانت النتائج،إما البقاء أو العودة إلي حيث أتوا. وكان طبيعيا أن يتكيف كتاب المسرح الإسرائيلي وقتها مع شكل الحياة الجديد ،وتحمل مرارة الحروب،خاصة الهزة التي أصابتهم نتيجة لهزيمة 1973،لاستحالة عودتهم مرة أخري لحياة"الشتات"بعد فقدانهم الصلة بها . لقد كان مهما أن تكون هناك حركة مسرحية إسرائيلية فعالة مصاحبة لإعلان الدولة،ومن الطبيعي أن يكون هناك حركة ثقافية،وأدباء،ومفرين،وأجهزة حكومية،وتعليم،وراية عليها شعار للدولة،وكافة "الشكليات" التي نراها في أي دولة دون أن يون هناك مواطنا إسرائيليا،مستقل الثقافة والفكر والعادات،حيث لا موروث ولا فلكلور خاص ليكون منبعا لإبداعاتهم ،فنحن هنا لسنا أمام أثر من إنسان يهودي أفرزته حضارات الآخرين،بعد أن تم تجميعهم من حياة "الشتات"،ليعانوا من –شتات- آخر داخل"فلسطين"،ولكن علي مستوي أضيق وأكثر مرارة،كما يؤكد ذلك العديد من أبطال النصوص المسرحية الإسرائيلية التي كتبت بأقلامهم. هذه البداية الجديدة للمسرح في إسرائيل،أفرزت أزمة جديدة واجهها كتاب هذه المرحلة،ووضعتهم في مواجهة مع الموت،وسط تساؤلات تتعلق بمدي استحقاق دولتهم الجديدة الموت من اجلها من عدمه،وهو ما دفع بعض كتاب المسرح الإسرائيلي للهروب خارج إسرائيل بحجة تدعيم الدولة والمنظومة الصهيونية من الخارج. لابد من الوعي بحقيقة أن الإنسان الإسرائيلي يمكنه وفي أي وقت أن يتنازل عن "إسرائيليته" دون أن يكون لذلك أي تأثير يذكر علي اعتناقه اليهودية كديانة،فالإسرائيلية ليست أكثر من مجرد "قناع" ترتديه الصهيونية،دون أن يكون للدين علاقة مباشرة بما يحدث. في الوقت نفسه ،كان هناك حرصا شديدا من كتاب المسرح الإسرائيلي الذين قدموا لأعمال مسرحية تواكب عملية إعلان الدولة والتأسيس لها ،علي التعرض لحياة العرب والشخصية العربية عموما،والعربي الفلسطيني بشكل خاص،وإبراز موقفهم ضد العرب،بالإضافة إلي تقديم الشخصية الإسرائيلية الجديدة بشكل يجعل منها شخصيات تقترب من أبطال الأساطير للإعلاء من شأن الإنسان الإسرائيلي . إلا أن كل هذه الأعمال والمحاولات مازالت لم تقدم حتى الآن شكلا مميزا للدراما الإسرائيلية بما يتيح لها أن تكون أدبا عالميا،أو حتى مجرد محاولة للخروج عن القيد الصهيوني،ومشكلات الدولة سواء برفض الواقع أو بقبوله. يمكن القول أننا لسنا أمام مسرح إسرائيلي بقدر ما نجدنا أمام كتاب يحملون توجها إسرائيليا صهيونيا،ولا يجمعهم خط فكري وثقافي واحد ،ويأتي من أبرز كتب المسرح الإسرائيلي في مرحلة البدايات "موشيه شامير،ناتان شاحام،يوسف ليفي،حانوخ لفين" وآخرين؟ النتيجة المؤكدة هنا أن المسرح الإسرائيلي مازال أسيرا لكونه عملا سياسيا ولم يفرز لنا حتى الآن أعمالا أدبية مسرحية"إنسانية"،ولا نجد وجودا لهذا المسرح "الموجه" وسط الثقافات والتيارات الأدبية الأخرى وخاصة تلك التي تتميز بها المجتمعات الراقية بما يتيح لنا القول أننا أمام مسرح بلا وطن ، موجه لشعب بلا ثقافة.