تشهد باكستان تغييرات عدة في الآونة الأخيرة على وقع الخلاف الدائم بين الحكومة والجيش، فبعد خلع رئيس الوزراء السابق نواز شريف، من منصبه على إثر حكم قضائي أقر بوجود شبهة فساد، دخل رئيس الوزراء الجديد شاهد خاقان عباسي، في بورصة التحليلات والتقييمات، طارحًا أسئلة عدة حول فرصه في الاستمرار بالمنصب من عدمه. ومن المقرر أن تستمر الحكومة التي شكلها عباسي حوالي شهرين، الأمر الذي رجح معه متابعون وخبراء أن تكون هذه الحكومة مؤقتة أو لتسيير الأعمال يعود بعدها رئيسها إلى مكانه الطبيعي نائبا في البرلمان. خاقان عباسي عباسي، الرجل السستيني، انتخب رئيسًا للوزراء بأغلبية 221 صوتًا مقابل 47 صوتًا لأقرب منافسيه، نويد قمر، مرشح حزب الشعب، وبانتخابه يكون الحزب الحاكم «حزب الرابطة الإسلامية» تجاوز صدمة قرار المحكمة العليا بعدم أهلية نواز شريف، لتولي المنصب، إذ يعتبر عباسي من أقرب المقربين لرئيس الوزراء السابق، ويقال إنه رفيق مخلص لنواز شريف، كما أنه يحظى بقبول داخل الحزب الحاكم. لكن عباسي الذي ينحدر من منطقة ماري القريبة من العاصمة الباكستانية، وعرف عنه النزاهة أثناء توليه وزارة النفط، يواجه تحديات عدة، لعل من أبرزها الحفاظ على تماسك الحزب في ظل ضغوط المعارضة. كما يواجه عباسي تحقيقا بالفساد أمام هيئة المحاسبة الوطنية، إلا أنه ينفي التهم الموجهة له، مؤكدا أنه لم يرتكب أي مخالفات قانونية أو يستحوذ على ثروة غير شرعية، وتحدى خصومه في 10 قضايا فساد ضده. عباسي، الذي يشغل المنصب مؤقتا لحين تحديد ما إذا كان الحزب الحاكم سيمد له فترته أم سيقدم شقيق نواز شريف خليفة له، هو رجل أعمال ينحدر من أسرة سياسية، سبق وشغل مناصب عدة في حكومات "حزب الرابطة الإسلامية"، كان آخرها منصب وزير البترول في حكومة نواز شريف المنحلة. نواز وشهباز ولنواز شريف في الحكومة الباكستانية تاريخ كبير، وتعتبر هذه هي المرة الثالثة التي يقال فيها من منصبه، فقد أزيح منه في المرة الأولي بسبب فضيحة فساد، ثم أطيح به مرة أخرى إثر محاولة انقلاب عسكري، وفي هذه المرة استقال بعد أن قضت المحكمة العليا في البلاد بعدم أهليته لتولي المنصب، على إثر تحقيق في اتهامات بالفساد، وأُجري التحقيق حول ثروة عائلته بعد صدور "وثائق بنما" في عام 2015، التي كشفت ارتباط أبنائه بشركات مُسجّلة خارج باكستان. وينفي شريف ارتكاب أي مخالفات، وعلى الرغم من حكم المحكمة بعدم أهليته فإنه لا يزال يحتفظ بزعامة الحزب الحاكم، ودفع بعباسي لتولي المنصب بشكل مؤقت إلى أن يخوض شقيقه شهباز انتخابات برلمانية فرعية ويصبح مؤهلا لرئاسة الحكومة. وبعد إعلان تكليف عباسي برئاسة الوزراء حمل أعضاء الحزب الحاكم صور نواز شريف، مرددين هتافات مؤيدة له تصفه برئيس الوزراء، وانتقدوا قرار خلعه ووصفوه بأنه متحيز، وأنه اتخذ بناء على أوامر الجيش الذي لا يزال يمارس نفوذه وراء الكواليس، وهو النفوذ الذي كان شريف يعارضه رافضا تدخل الجيش في السياسة. ويعتبر حزب الرابطة الإسلامية، جناح نواز شريف، المسيطر على الأغلبية في البرلمان، ولذلك دفع سريعا بعد استقالة رئيس الوزراء بعباسي في منصبه بشكل مؤقت لمدة قد تمتد لستين يوما، وذلك إلى حين انتخاب شهباز شريف، شقيق نواز شريف، عضوا في "البرلمان الاتحادي" لتولي المنصب. ووفقًا للدستور الباكستاني يجب على رئيس الوزراء في باكستان أن يكون عضوا في "الجمعية الوطنية"، التي يتم انتخاب أعضائها مباشرة من الشعب، بينما يتم انتخاب رئيس الوزراء باقتراع داخلي بين نواب "الجمعية الوطنية"، ويتم ترشيحه من الحزب الذي يحظى بغالبية الأعضاء في "الجمعية الوطنية". الحكومة الجديدة يرى مراقبون أن تشكيل الحكومة الجديدة من وزراء أغلبهم تابعون لرئيس الوزراء المستقيل نواز الشريف هو تمهيد لاستلام شهباز رئاسة الحكومة المقبلة، حيث استعان عباسي رئيس الحكومة الجديدة بحلفاء لرئيس الوزراء المخلوع نواز شريف في تعديل يبدو أنه يهدف إلى تعزيز شعبية الحزب الحاكم قبل الانتخابات العامة المقررة في منتصف 2018، حيث احتفظ إسحق دار بمنصب وزير المالية، وعين خواجة آصف، وهو حليف قوي آخر لشريف، وزيرا للخارجية، وكان يتولى من قبل وزارتي الدفاع والكهرباء معا. وعلى الرغم من ذلك يرى مراقبون أن فوز شهباز في الدائرة الواقعة في إقليم البنجاب لن يكون أمرا سهلا، بالنظر إلى أنه متهم في قضايا منظورة، كما أن المعارضة تعترض عليه، وبالتالي فإذا لم يتمكن شهباز من الفوز برئاسة الحكومة سيستمر عباسي في منصبه المؤقت لمدة 10 أشهر أخرى، حتى يحين إجراء الانتخابات المقبلة في مايو العام المقبل.