هزت أمس انفجارات "انتحارية" مبنى البرلمان ومرقد الإمام الخميني في العاصمة الإيرانية طهران، كانت هذه الانفجارات التي تبنّاها –بشكل أو بآخر- تنظيم داعش الإرهابي نوعاً من الرسالة التي أراد الأمريكيون والسعوديون إيصالها للعمق الإيراني: إننا قادمون لأجلكم، والمعركة لن تبقى بعيدةً عنكم. هذه الرسالة والتي شاء مرسلوها أن تكون أشد وقعاً وأثراً لم تستطع تحقيق ما يبغون إليه، إذ كانوا بحسب كثيرٍ من محللين يودون تدمير مبنى البرلمان مع ما فيه برلمانيين إيرانيين كانوا داخل المبنى آنذاك؛ فضلاً عن تدمير مرقد الإمام الخميني بأكمله؛ وكلا الأمرين لو حدثا كانا لكانا "جريمةً" كبرى بكل ما تحويه كلمةُ جريمة من معنى؛ ولربما كان لها تأثير على السياسة الإيرانية أكبر من أحداث 11 سبتمبر على السياسة الأمريكية. يمكن قراءة الأمور بهذه الطريقة، إذ إن ما حدث اليوم من تفجيراتٍ إرهابية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يوضح أشياءَ كثيرة: أوّلها أن تنظيم داعش ليس إلا "أداة" بيد الأمريكيين، ففي اللحظة التي أعطيت الإشارة، فجّر التنظيم الذي لم يستطع توجيه ضربة واحدة خلال أعوام الحرب السورية. ثانياً إن وجود ضابط مخابرات أمريكي مثل مايك دي أندريا (يلقّب بآية الله دي آندريا) لاستلام ما سمي "بالعمليات الداخلية والسرية" في الداخل الإيراني يعني أن الأمريكي يريد معركةً تفجيرية داخل العمق الإيراني. ثالثاً إن المملكة السعودية هي الممول الحقيقي للمشروع، هذا لا لبس فيه؛ لأن الأمريكي مع وجود رئيس "تاجر" مثل ترامب يرى الأمر "مادياً" قبل أي شيء. يأتي دي أندريا المسلم الديانة بعد زواجه من فريدة كارامجي التي تحوّل للإسلام لأجلها بعد أن تعرف عليها أثناء عمله كضابطٍ للسي آي إيه في الشرق الأوسط، لاحقاً اكتسب دي أندريا شهرةً كبيرة إثر تسلّمه ملف ملاحقة أسامة بن لادن، وكونه الضابط المسؤول عن قصف موقعه بالطائرات الموجّهة عن بعد (وقد تم تحويله لأسطورة عبر الفيلم الوثائقي الدرامي "Zero dark thirty" للمخرجة كاثرين بيجلو في العام 2012. قضى أندريا معظم سنوات عمره في الشرق الأوسط، لذلك يعرف تماماً الجو العام والمنطق العقلي لسكان المنطقة، كما أن هناك مصادر كثيرة تشير إلى علاقاته الواسعة مع "مقاتلين تكفيريين" من طالبان باكستان/أفغانستان، والذين هاجر بعضهم إلى سوريا والعراق وارتبطوا بتنظيم داعش أو أصبحوا من قيادات التنظيم. هذه العلاقات والتي استثمرها مايكل كثيراً للحصول على معلومات عن بن لادن، سيستثمرها أكثر في محاولة الوصول إلى العمق الإيراني لضربه. وهنا يجب الإشارة إلى أنَّ الضربة التي حدثت لم تكن وليدة البارحة (أو حتى اللقاء الأخير بين السعوديين والرئيس ترامب) بل هو أمرٌ يحتاج تحضيراً لا يقل عن أشهرٍ من العمل السري، خصوصاً أنَّ عدد المهاجمين كبير فضلاً عن تنوعه (هناك خبراء تفجير، وهناك مقاتلون، وفوق كل هذا هناك امرأة تشارك في العملية). باختصار، كان دي آندريا وطاقمه جاهزون لهذه العملية وبانتظار الإشارة للتنفيذ؛ لكن أموراً كثيرة حالت دون تنفيذ العملية كما كانوا يتمنون؛ لربما أوّلها وعي الأمن الإيراني، وثانيها الخبرة التي تحصّلت عليها المخابرات الإيرانية من جراء سنوات الصراع مع منظمة "خلق" المعارضة التي قامت بعمليات تفجير كبيرة وكثيرة إبان السنوات الأولى لانتصار الثورة الإسلامية. جانب آخر يجب الحديث عنه، والذي هو لربما من أهم الأمور التي نسيها مقاتلو داعش/السي آي إيه هو أنَّ الأمور على الأرض تختلف مما هي عليه على الورق. فالتفجيرات التي أصابت ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله، مثلاً لم تزد الناس إلا إصراراً على مشاركة حزب الله في سوريا وذهابه في "حرب الدفاع المقدّس" ضد الحركات التكفيرية، التي أظهرت للناس أنّه إذا ما دان لها الأمر فستقتل الجميع، فضلاً عن أن هناك حاجةً لاجتثاثها من أساسها بدلاً من انتظارها كي تأتي لقتلهم وسبيهم. نفس الأمر، بالتأكيد، ينسحب على المجتمع الإيراني، والذي سيعتبر أن هذه التفجيرات (خصوصاً أنها جاءت في أماكن إما سيادية -البرلمان- أو لها بعد قدسي بالنسبة له -مرقد الإمام الخميني) هي ذاتها التفجيرات التي قامت بها "خلق" في السابق، والتي كان لها الأثر الكبير في زيادة التفاف الشعب حول قيادته. في المحصّلة؛ ما حدث في العمق الإيراني قد لايكون الأخير، مع أننا نتمنى أن يكون الختام، لكن هذا يتطلّب تنبهاً أكثر من الأمن الإيراني، وزيادة في الحرص؛ وهذا ما يتميّز به الإيرانيون وأثبتوه خلال سنوات الحرب سواء مع النظام العراقي السابق، أو بمواجهة خلق، أو حتى بمواجهة أعداء الداخل وغيرهم.