في إطار مشروع سياسي أمريكي مختلف عما سبق (إدارة أوباما)، يتوجه الرئيس دونالد ترامب، إلى السعودية بعد أيام من لقاء تليفزيوني لمحمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، تم بثه بالنقل حصريا عن القناة الأولى الرسمية للمملكة بناءً على تعليماته، قال فيه "سوف نعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران"، مشيراً إلى الصراع الإقليمي الجاري في المنطقة العربية والشرق الأوسط. وتأتي زيارة ترامب بعد نحو شهرين من لقاء جمعه بمحمد بن سلمان في البيت الأبيض، وتم الإعلان فيه عن استثمارات سعودية في أمريكا خلال السنوات الأربع المقبلة، تبلغ قيمتها أكثر من 200 مليار دولار، سيتجه أغلبها إلى البنية التحتية الأمريكية وسيكفل "خلق مليون وظيفة مباشرة وملايين الوظائف غير المباشرة في الولاياتالمتحدة"، وفق ما جاء في بيان البيت الأبيض وقتها، فضلاً عن تأكيد الطرفين على أهمية ما سموه "مواجهة إيران"، الاتجاه الذي تم التأكيد عليه أمريكيا خلال الشهرين الماضيين وانعكس واقعاً على الأرض بإنزال الولاياتالمتحدة ونشر قوات لها لأول مرة في قطاعات من البادية السورية (شرق ووسط سوريا)، وتحركات عسكرية أمريكية محمومة للسيطرة على الحدود السورية العراقية ترافقت مع تحركات أردنية مساعِدة، فضلاً عن إرسال قوات نوعية خاصة أمريكية إلى شمال العراق. أبرز الملفات على الطاولة الأمريكية السعودية مبيعات الأسلحة العلاقة بين البلدين تنشأ في أحد أركانها الرئيسية على السلاح والنفط؛ إذ تُعَد المملكة المستورد الأكبر للأسلحة الأمريكية على مستوى العالم، ولأعوام طويلة وقع بند التسلح في مقدمة المصروفات السنوية السعودية، واحتلت المملكة في العام قبل الماضي المركز الأول على مستوى العالم في واردات الأسلحة، وتنفق نحو 13% من ناتجها المحلي الإجمالي على شراء الأسلحة الأمريكية تحديداً، وأعلنت أواخر العام الماضي بخصوص ميزانية العام الحالي، أن ميزانية التسليح والأنشطة العسكرية ستصل في 2017 إلى 50 مليار دولار، ما سيضعها في المركز الثالث أو الرابع في الإنفاق العسكري على مستوى العالم. شهد ملف التسليح الأمريكي للسعودية اضطراباً في الأشهر الأخيرة سيتم تجاوزه كاملاً خلال الزيارة، وتم البدء فعلا عقب زيارة بن سلمان إلى البيت الأبيض وتحقيقه مالياً لتصريح ترامب الشهير بخصوص وجوب تحمل المملكة جزءاً من الفاتورة المالية لجهود أمريكا في مكافحة الإرهاب، ونجحت التدفقات المالية السعودية إلى إدارة ترامب في إسقاط الإيقاف النسبي الذي وضعته إدارة أوباما على تسليح المملكة؛ إذ أشارت تقارير في الثلث الأول من أبريل، بعد زيارة بن سلمان بحوالي شهر، إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية غيّرت مسار التخفيض الذي تم إقراره في ديسمبر من العام الماضي عن طريق إدارة أوباما، ورفعت التعليق على بيع أسلحة وذخائر دقيقة التوجيه إلى السعودية، وقبل شهر، قال أعضاء بالكونجرس لوكالة رويترز، إن إدارة ترامب على وشك إرسال إخطار رسمي لهم بشأن صفقة أسلحة وذخائر للسعودية ستتبعه مراجعة رسمية من الكونجرس لمدة 30 يوما، وفي إطار الإعداد للزيارة المرتقبة، قال وزير الخارجية السعودي في الرابع من مايو الجاري، إن إدارة ترامب اتخذت خطوات لإحراز تقدم في صفقة بيع قنابل موجهة، كانت إدارة أوباما علقتها بسبب مخاوف من تسببها في سقوط قتلى مدنيين، فضلاً عما كشفته الوكالة نقلاً عن مصادر مطلعة داخل الإدارة بإبرام عقود بيع أسلحة للسعودية بعشرات مليارات الدولارات، بعضها جاهزة وبعضها الآخر قيد الإعداد، وستشمل ذخيرة بأكثر من مليار دولار من إنتاج شركة "رايثيون"، وتشمل رؤوسا حربية من طراز "بنتريتور" وقنابل موجهة بالليزر من طراز "بيفواي". إيران خلال أشهر مضت ووفقاً للعديد من التحركات السياسية والدبلوماسية، عملت الإدارة الأمريكية على إقامة تكتل "عربي سنّي" مضاد لإيران وحزب الله والدولة السورية؛ يضم مصر والأردن والسعودية والإمارات، بالإضافة إلى الكيان الصهيوني، وفي السياق ذاته، جاء الحضور العسكري الأمريكي الجديد على الأراضي السورية تحت دعوى "محاربة داعش"، ليكفل لأمريكا السيطرة على قطاع جغرافي يفصل ما بين العراق ومن خلفها إيران وبين الساحل السوري على البحر المتوسط، ويترافق مع ضغط سياسي أمريكي لإخلاء كامل للنفوذ الإيراني من سوريا. من جانبها، حسمت المملكة خياراتها بالتصعيد نحو إيران بالتصريح بالغ العدوانية والأول من نوعه لابن سلمان بخصوص معركة داخل إيران، رغم الاتجاه العام مؤخراً في أزمة الحرب السورية إلى الحل السياسي، تُوجَ بانفراجة في مباحثات أستانة؛ تمثلت في إقامة مناطق آمنة ووقف التصعيد بين الجماعات الإرهابية المدعومة تركياً وأمريكياً وبين الجيش السوري وحلفائه. وبزيارة ترامب للسعودية، تحاول أمريكا التوغل في محاصرة إيران ونفوذها، خاصةً بعد تعمُق دورها في الحرب السورية كونها طرفا ضامنا لإعلان وقف التصعيد في أستانة، كما يعلم الأمريكيون جيداً القلق السعودي البالغ من تجربة الحشد الشعبي العراقي، التي حققت نجاحاً فائقاً شاركت فيه جميع أطياف ومذاهب الشعب العراقي في محاربة داعش والقضاء على وجودها في العراق، لا يستطيع السعوديون تصور نجاح كهذا إلا باعتباره نجاحاً "إيرانياً" كفيلاً بتهديد وإسقاط مشروعهم الممتد منذ سنوات في العراق، والذي شمل غطاءً سياسياً وإنفاق ملايين الدولارات لدعم القوى التكفيرية والسنّية المتطرفة، حتى استولى الإرهابيون على قطاعات من الأراضي العراقية وعملوا على إثارة النعرات الطائفية. يسعى ترامب خلال زيارته إلى وضع حجر الأساس العملي للجانب غير المعلن من "صفقة القرن" التي لا تشمل فقط حلا "نهائيا" للصراع العربي الصهيوني، كما تقول الإدارات المصرية والسعودية والأردنية المشاركة فيها، إنما تشمل أيضاً تكتلاً عربياً مواجهاً لإيران ومعادياً لمصالحها في مقابل دعمه للمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة، مع محاولة القضاء على أو الخصم من أي قوى أو أنظمة مقاومة للاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية واللبنانية والجولان السوري. القضية الفلسطينية منذ كان مرشحاً رئاسياً، تلقف ترامب بعض الدعوات الرسمية العربية المتكررة لإقامة "دولة" فلسطينية كحل للقضية، وفي مقدمتها ما يُطلق عليه "مبادرة السلام العربية" أي "مبادرة الملك عبد الله" السعودية الصادرة عام 2002، التي تتضمن إنشاء دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967، مع إعلان تم منذ سنوات للرئيس المصري الحالي عن تأييده لنفس التوجه، التقت الدعوات مع تصور إدارة ترامب لحل القضية الفلسطينية، تصور تبلوّر بعد انتخاب ترامب، ويتم الترويج له منذ فترة ب"إقامة تهدئة طويلة الأمد بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني"، وأعقبه عزف فتحاوي فلسطيني على ذات النغمة ردده محمود عباس، الرئيس الفلسطيني في زيارته إلى واشنطن مطلع الشهر الجاري، التي أعقبت مباحثاته مع الملك الأردني والرئيس المصري، وشهدت تعبيراً من رئيس السلطة الفلسطينية عن الاستعداد التام للتفاوض ملقياً الكرة في ملعب ترامب، الذي ألمح بدوره خلال الزيارة بالنيّة في دعم اقتصادي للسلطة الفلسطينية من خلال فتح استثمارات دولية. يسعى ترامب من خلال "صفقة القرن" في صيغتها الأوضح، إلى رعاية المبادرة السعودية باعتبارها الخيار الذي يحظي بموافقة "رسمية" عربية من أغلب الأنظمة العربية، ويبدي نحوه النظامان المصري والأردني حماساً كبيراً، والتحقت به حماس من حيث المبدأ بإعلانها منذ أيام في وثيقة مبادئها الأساسية والعامة عن قبولها بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، فالمبادرة قدمت إطاراً على قدر من الاكتمال لتحقيق هدف ترامب نحو "سلام طويل الأمد"، ومن هنا سيعمل الرئيس الأمريكي على أخذ المزيد من الدعم السعودي لمشروع تهدئة شاملة وطويلة الأمد في فلسطينالمحتلة، وسيشمل ذلك بطبيعة الحال وضع حزمة إغراءات للطرفين الصهيوني والفلسطيني، سيكون في مقدمتها تطبيعاً سعودياً شاملاً ومعلناً مع الكيان الصهيوني، كما تنص المبادرة السعودية، واستثمارات مشتركة بين الطرفين بناءً على هذا التطبيع، فضلا عن دعم مالي وسياسي سعودي مرتقب للسلطة الفلسطينية ولمشروع الدولة الناشئة. وفي السياق، جاءت المؤشرات حول "عدم ممانعة" ترامب لإقامة دولة فلسطينية بشرط واحد هو موافقة الطرفين أي الكيان الصهيوني والطرف الفلسطيني، الذي قد يعتبر الآن – بعد وثيقة حماس – أن دولة فلسطينية على حدود 1967 هو أرضية وطنية تجمع فريقيّ السلطة فتح وحماس ويمكن العمل عليها، لكن ستبقى إشكالية الاستيطان والتوسع فيه أمام ترامب، إذ يرفض الكيان الصهيوني هذا المبدأ في حين تنص عليه مبادرة "السلام" السعودية التي رُفضت صهيونياً وقت طرحها منذ 15 عاماً.