هناك من الدول العربية من فرضت ظروفها التاريخية والاقتصادية أن يكون تصنيفها أنها دول البترول والمال، وعلي رأسها المملكة العربية السعودية، ولكن حينما تشاء الظروف أن يزور الإنسان المملكة أثناء مؤتمر الجنادرية بالرياض سيجد أن هناك لقاء ثقافيًا وفنيًا ودينيًا علي مستوي عال جداً وفي وجود كوكبة من مفكري العالم العربي والإسلامي وقيادات سعودية متفردة في كرم لقائها وثراء فكرها. وشعرت بأن من حق المملكة العربية السعودية أن أسجل هذه الملاحظات عن هذا المؤتمر: أعجبت بالقدرة الاستثنائية لرجال الحرس الوطني علي المستوي التنظيمي لتسهيل مهمة المشاركين. وكان من أهم الشخصيات السعودية البارزة التي أسعدتني بساطتها وتواضعها الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز رئيس المهرجان، ورئيس الحرس الوطني، ووزير الدولة، وعضو مجلس الوزراء الذي عبر عن حبه لمصر وأهلها ودعا الدكتور مصطفي الفقي ليلقي كلمة نيابة عن أعضاء المؤتمر. كما دعا الوفد المصري علي مائدة الشرف إلي جانبه، ثم اختلي بنا بعدها ليستمع إلي آرائنا في المؤتمر، وليسر إلينا بأن والده خادم الحرمين دائم الدعاء لمصر. وقد اختار الوفد المصري أثناء لقائه مع الأمير متعب أن يقول كلمة حق في السفير أحمد عبد العزيز قطان وكيف أن هناك إجماعًا شعبيًا ورسميًا علي تقدير حنكته وحسن تعامله مع المجتمع المصري بكل طوائفه. سعدت أيضاً بلقاء العزيز د. عبد العزيز التويجري مدير عام المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة منذ 1991 والذي شغل منصب المدير العام المساعد لهذه المؤسسة منذ عام 1985إضافة إلي كونه أمين عام اتحاد جامعات العالم الإسلامي. ورأس د. عبد العزيز بن عثمان التويجري الندوة عن حركات الإسلام السياسي وكانت كلمته موثقة وعميقة جداً شكلاً وموضوعاً، وألقيت كلمتي التي تحدثت فيها عن تعريف الإسلام السياسي، وجاء فيها أيضاً: 'في فهمي المتواضع حينما يتزاوج الدين مع السياسة فغالب الأمر يكون الدين هو الخاسر، ويكون الرابح هو من استثمر الدين لتحقيق المصالح السياسية والسيطرة'. ودعا الشيخ عبد المحسن بن عبد العزيز التويجري نائب رئيس الحرس الوطني وفود المؤتمر إلي بيته الذي لم أر بيتاً في فخامته، ولكن فضلاً عن فخامة الشكل شعرت بأننا في قلعة للعلم بذلك الكم الهائل من الكتب والمراجع. وحينما نذهب إلي تاريخ والده المرحوم عبد العزيز بن عبد الكريم التويجري نفهم أن سر هذا الغني الثقافي هو تلك المكانة العلمية الرفيعة التي تمتع بها والده الذي ترك إرثاً كبيراً من الأبحاث والمقالات القيمة. وكانت كلمة الشيخ عبد المحسن بن عبد العزيز التويجري في الجلسة الختامية أمام الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز قوية في معانيها حين قال: 'كلي رجاء الي الله أن يقينا فيهبنا وعياً وسعة أفق نتجاوز بهما عقبات الجمود الفكري والثقافي والحضاري مثلما تجاوز مفكرو أمتنا العربية والإسلامية عبر تاريخنا مثل هذا الجمود، فشكلوا روحاً إنسانية، وتفكيراً يصعد بتلك الروح إلي المكانة التي لا يختلف علي سمو روحها إلاّ نفس عاجزة ان تصل الي مثل سمو تلك الروح. كلي أمل أن يقول المفكر والمثقف في هذا العصر كلمته الصادقة. فما أحوجنا إلي ذلك، وما أحوج المفكر إلي من لا يُغيب عقله وتفكيره واجتهاداته في عصر أصبحت الثقافة والمعرفة رداء لا بد وأن يضيق علي كل مدع ودخيل عليهما، حساباته مضحكة قاصرة قصر نظره'. أما أكبر مفاجأة أسعدتني فكانت الحضور القوي والمتميز للمرأة السعودية بالمؤتمر وأحسست وقتها بالجهد والإرادة غير العادية التي قاوم بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المعارضين لتبوء المرأة السعودية مكانتها، فأضفت إلي كلمتي أمام المؤتمر كلمة خاصة إليهن فقلت: 'أردت أن أحيي المرأة السعودية لعلمها وديناميكيتها في المؤتمر وأهنئ صانعي القرار في المملكة العربية السعودية لدعمهم للمرأة السعودية'. وقد لفتت نظري من بين الحاضرات د. أميرة كشغري لعلمها وحيوية كلمتها أمام المؤتمر، وبالتالي لم أفاجأ وأنا أقرأ مقالًا لها علي النت تتحدث فيه عن عصر الأندلس والتعايش السلمي بين الأديان رغم تطرف الملكة إيزابيلا، وكيف أن اليهود قد هربوا في عصرها من إسبانيا خوفاً من إجبارهم علي اعتناق المسيحية الكاثوليكية. وسعدت أيضاً وأنا أستمع إلي كلمات سيدات المملكة العربية السعودية وعرفانهن بجميل خادم الحرمين الشريفين لدعمه لدور المرأة السعودية، وتذكرت وأنا أستمع إليهن مبادرة خادم الحرمين الشريفين للمؤتمر العالمي للحوار بمدريد في 2008 وإصراره آنذاك علي أن يدعو إليه جميع أتباع الديانات والروحانيات حتي اليهودية والبوذية. وقد حضر المؤتمر الملك عبد الله بنفسه مع ملك إسبانيا، ويسجل ذلك المؤتمر تاريخياً بأنه كان تحدياً صريحاً وجريئاً لكل محاولات التطرف الديني ونبذ الآخر. وفي لقائي مع الملك عبد الله في نهاية المؤتمر كان صريحاً وهو يسألني: 'ماذا بعد المؤتمر؟' وقلت له إنني أقترح عقد مائدة مستديرة مصغرة لتفعيل قرارات وتوصيات المؤتمر، وأمر فوراً بتنفيذ الاقتراح. أما الوفد المصري فقد تميز بكوكبة من نجوم الإعلام الذين تفردوا بمداخلات ذات مستوي عال، بمشاركة السفير مصطفي الفقي بثقافته وعلمه وقدرته علي جذب انتباه واستماع الجمهور، وكذلك الأستاذ مصطفي بكري بقدرته علي المصارحة الهادئة. وكان لافتاً للنظر في البرنامج ذلك الاهتمام الواضح بالشعر والشعراء، وكذلك بالفن من خلال الرقصات الفلكورية السعودية الشهيرة كالعرضة النجدية. HYPERLINK 'mailto: [email protected]' [email protected]