فيبي فوزي وكيل مجلس الشيوخ: وطننا الغالي يسير على طريق الإنجاز بخطى ثابتة بقيادة الرئيس السيسي    العسومي: البرلمان العربى يرحب باجتماع الخارجية العرب بشأن الانتهاكات الإسرائيلية    توجيه عاجل من وزير التموين خلال عيد الفطر    شكوك حول لحاق الإيطالي فيراتي بيورو 2020    وزير الشباب والرياضة يتفقد موقع استاد النادي المصري    غرفة العمليات بديوان الإسماعيلية تستعد لاستقبال عيد الفطر المبارك    خاص| وزير التعليم يفوض نائبه لاختيار رؤساء لجان البعثة المصرية بالسودان    دار الافتاء تعلن بعد غد الخميس أول أيام عيد الفطر المبارك    حرق منزل محمد رمضان في الحلقة ال29 من «موسى»    صنع في أمريكا.. تفاصيل «ماسك بهجان» الذي ظهر به «جلال» في «رامز عقله طار»    خلي بالك من زيزي| الحلقة 30.. "زواج زيزي من مراد"    أوقاف شمال سيناء: 600 مسجد لأداء صلاة العيد    المفتي: صلاة العيد سنة مؤكدة وهذه صيغة التكبير الصحيحة (فيديو)    محافظ أسوان: غلق الحدائق والمتنزهات والأماكن الترفيهية والساحات    الزمالك يعلن شفاء أبو جبل من فيروس كورونا    «الأعلى للجامعات» يناقش تحويل جامعة دمنهور إلى «ذكية»    شفاء ياسمين عبد العزيز من فيروس كورونا    السعودية تهيئ 20.569 مسجدا إضافيا لصلاة عيد الفطر    البابا تواضروس ينعي كاهن من إيبارشية طهطا وجهينة    أثيوبيا للمبعوث الأمريكى: مستمرون فى «الملء الثانى» ل«سد النهضة»    دعاء لأهل فلسطين والأقصى.. اللهم سدد رميهم وانصرنا على الصهاينة    تعرف على مضامين سورة الأحقاف    210 آلاف عميل يسددون حجز«سكن لكل المصريين»    12 مركزا جديدا لتلقى لقاح فيروس كورونا بالدقهلية    وزير التعليم العالي: فتح باب التقدم لمبادرة «آبل»    السعودية: 36 مدينة صناعية باستثمارات 370 مليار ريال    "الزراعة": تعزيز التعاون المشترك بين مصر وليبيا في مجالات الصيد والثروة السمكية    توخيل: لامبارد وضع الأسس التي أوصلت تشيلسي لنهائيين    رانيا محمود ياسين تتمنى الشفاء ل سمير غانم ودلال عبد العزيز    باكستان: نرحب بوساطة السعودية لاستئناف المحادثات مع الهند    أنا إله" وأكره الجميع.. من هو منفذ هجوم مدرسة قازان الروسية؟    لافروف: ندرس إمكانية عقد القمة الروسية الأمريكية    ضبط شبكتين لتوزيع خدمات الإنترنت بدون تصريح بالغربية والمنيا    تأجيل محاكمة المتهمين بإشعال النيران بمبنى فى المقطم وقتل طفل ل13 يونيو    حريق ضخم يلتهم حوش مواشي بقنا    أخبار الأهلي : مدافع الأهلي : نجم الزمالك سينتقل للقلعة الحمراء نهاية الموسم    "مراسلون بلا حدود" تهاجم سعي إيران لزيادة معاناة الصحافة    مطران الأسقفية يهنئ الرئيس السيسى وشيخ الأزهر بعيد الفطر المبارك    هل تنقل التكييفات المركزية فيروس كورونا؟.. الصحة تجيب    الإداري يقضي بعدم قبول دعوى وقف إجراءات المحاكمة التأديبية لمستشار    القبض على عامل وعاطل لسرقتهما شقة بالخليفة    مصادر: تجهيز شحنة الغاز العاشرة للتصدير من دمياط للإسالة خلال يومين    وزارة الثقافة تحتفل بعيد الفطر المبارك بجميع أنشطتها و مسارحها    مياه سوهاج تُكرم العاملين وأبنائهم من حفظة القرآن الكريم    موسكو ترفض الاتهامات الأمريكية لها بشن هجوم الكتروني    الرئيس السيسى عن سد النهضة: "التفاوض يحتاج صبر وتأنى ولا تستعجلوا النتائج"    الرئيس السيسى: تضحيات شهداء الوطن ثمن تم تسديده لمكافحة الإرهاب    عوض تاج الدين: توصيات بتنظيم حملات لتطعيم كبار السن لمواجهة كورونا في منازلهم    رفع درجة الاستعداد بالمستشفيات الجامعية خلال إجازة عيد الفطر المبارك    يوكيه كلوب تعلق على اقتراح مصر خفض تعويضات إغلاق قناة السويس المفروضة على إيفر جيفن    السيسي يهنئ العالم العربي والإسلامي بعيد الفطر: كل سنة واحنا في خير وسلام    الداخلية تحرر محاضر ل16 ألف شخص لعدم ارتدائهم الكمامات الواقية    محافظ أسيوط يتفقد مخزن الأدوية الرئيسي    كورونا حول العالمك الإصابات 159 مليونًا.. ومنح 1.32 مليار جرعة لقاح    برج الدلو اليوم.. لا تيأس من تحقيق أحلامك    رضا عبدالعال: الأهلي استفاد من التعادل وهو الأقرب للدوري    الزمالك يحتفل باقتراب شيكابالا من المباراة 300: لم ينجح أحد فى فك شفرة سحره    سيد عبد الحفيظ: طوينا صفحة مباراة الزمالك.. ونفكر في الأهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وجع الفراق
نشر في الأسبوع أونلاين يوم 18 - 05 - 2015

لم أصدق نفسي، وأنا أسمع الخبر، انهمرت الدموع من عيني، تحولت إلي طفل صغير يبكي بحرقه، يحاول أن يكتم صوته، لكنه لا يستطيع، يلتف حولي الزوجة والأبناء، فجأة وجدنا أنفسنا في مأتم كبير.
لم أكن أتخيل تلك اللحظة، كنت أبعدها عن ذهني، لا أريد أن أتذكرها، رغم أنها سنة الحياة، أنها لحظة الفراق الأبدي، التي كنت أقول لنفسي دومًا، لا استطيع أن أواجهها.
منذ أيام قليلة حلت الذكري الأربعين، لوفاة أمي، ياه مضت أربعون يومًا، أربعون يومًا تحاصرني لوعة الفراق، اتذكر وجهها الطيب، وكلماتها التي تأتيك من القلب مباشرة.
عندما كنت أذهب إلي بلدتي، الواقعة هناك في جنوب الصعيد، كنت أشعر بلهفة غريبة إليها، أقطع المسافة بين الأقصر وقريتي في قنا، شاعرًا بالملل، أتمني لو اغمضت عيني ووجدت نفسي في حضنها، لا أستطيع تحمل عذاب الوقت في الطريق إليها.
كانت سيدة بسيطة، ككل نساء الصعيد، فضولية تفتش في كتبي وأوراقي، تقول لي دومًا 'الكتب دي هي اللي واجعة دماغك يا ولدي'.
عندما كنت طالبًا في المرحلة الإعدادية، أدركت أمي مكمن الخطر، ، قالت لي 'شكلك موش حتجيبها لبر يا ولدي'، كان عم 'سيد' مخبر أمن الدولة بقنا قد جاء إلي قريتي، يبحث عني، وعندما التقاني راح يحقق معي، وكأنني إرهابي هارب من العدالة.
كنت في ذات هذا اليوم، قد صعدت إلي منبر مسجد قريتي فجأة، ودون إذن أو إنذار، رحت أخطب في المصلين بعد الصلاة، وأقول لهم 'كيف تصمتون أمام الفقر الذي يحاصركم؟ هل تعرفون أن سيد مرعي يمتلك '300 بقرة فرزين، وأنتم لا تمتلكون سوي جاموسة واحدة'؟!
في هذا اليوم دعوت الناس إلي الثورة علي الواقع، لا تسكتوا ولا تصمتوا ولا تستكينوا ولا تهدأوا، أين هي الاشتراكية التي يحدثوننا عنها.
لم يصدق المصلون أن ابن قريتهم الذي جاء لتوه من دورة منظمة الشباب الاشتراكي في حلوان قد امتلك كل هذه الشجاعة، وجاء بدلاً من أن يحكي لأهله.. ماذا رأي في حديقة الحيوانات، والعتبة الخضراء، إذا به يدعوهم إلي ثورة 'الجواميس'.
في مساء ذات اليوم، استمر عمي سيد يحقق معي حتي وقت متأخر من المساء، من حرضك، ما علاقتك بإمام المسجد، من قال لك تلك 'الأوشاعات'، وما غرضك من ترديدها؟ وكانت إجابتي، أنا بس المسئول، وأنا مستعد للحبس في سجن قنا العمومي، أوعي تقرب من الحاج محمد عبد القادر إمام المسجد، ده راجل كويس وملهوش دعوة بحاجة!!
كانت أمي ترقب المشهد، عقلها يكاد ينفجر، وقلبها يكاد ينشطر، إنها تتابع المشهد من خلف الباب، وأنا أجلس ومعي والدي وخالي علي المصطبة، بينما أصوات كركرة 'الجوزة' التي يشدها عم سيد المخبر تكاد تزلزل الشارع من أوله لآخره.
بعد انتهاء التحقيقات وثبوت براءة الأطفال في عيني، غادر عم سيد القرية، وكان الخبر قد ملأ أركانها، احتضنتني أمي بقوة، ثم وضعت يدها علي رأسها وقالت 'مالناش دعوة يا ولدي، قطيعة تقطع سيد مرعي، وتقطع الناس كلها، احنا مالنا ومال جواميسه، هو أنت اللي حتصلح الكون يا محمد' كان هذا اسمي، أما مصطفي بكري فهو اسم والدي وظلت أمي تناديني باسمي حتي رحيلها'!!
كانت أمي دائمًا توصيني بالهدوء، وتنصحني بالصمت، خليك في حالك، بينما كنت أنا شيئًا مختلفًا، لا أصلح أن أكون كما تريد، لا أعرف الهدوء أو السكينة في حياتي، أحشر أنفي في كل شيء، مشكلة في المدرسة، أزمة في القرية، خناقة مع بتوع الاتحاد الاشتراكي، وحتي المدرسة لم تفلت هي الأخري، كائن يتحرك مشتعلاً.
في يناير 1977، حملني طلاب جامعة قنا علي أكتافهم، مضينا في مظاهرة عارمة، تجوب شوارع قنا، 'يشربوا ويسكي وياكلوا فراخ، واحنا الفول دوخنا وداخ'، وهات يا شعارات، وعندما بدأت عمليات التخريب انسحبنا إلي بيوتنا، بينما بقي بعض الصبية يشعلون النيران في إحدي سيارات الشرطة.
عندما مضيت إلي منزلي، بادرتني أمي، 'أنت كنت في المظاهرات يا محمد، حاكم أنا عارفاك متحبش تقعد ساكت أبدًا'.. كان أخي محمود يتابعني كظلي، ابتسم في وجهي، ثم نظر إلي أمي وقال لها 'ما أنت عارفه ولدك ياما' بعد انتهاء المظاهرات فوجئت أمي بقوات الأمن المركزي تحاصر قريتنا، وهات يالطش في كل من يجدونه أمامهم، سأل المقدم فؤاد فرغلي رئيس المباحث في هذا الوقت 'فين محمد مصطفي بكري' انحشرت أمي في الكلام الدائر بين الضابط وأبي، وقالت: هو عملكم إيه وعاوزين منه إيه'، لم يرد ضابط المباحث، عليها.. نظر إلي أخي أحمد، وقال له: أنت أخوه.. قال أحمد: أيوه، قال: وريني هو فين بدل ماتروحوا كلكم علي البندر أي قسم الشرطة ، كان أخي أحمد صغيرًا، قال له: أخويا محمد، عند بيت جدي..
جاءت الشرطة تزحف إلي هناك، صحوت من النوم مذعورًا، اصطحبوني إلي خارج المنزل، كانت أمي تقف باكية في صمت، أمسك أبي بذراعها، قالت بصوت عال: خلي بالك من نفسك يا محمد، ونظرت إلي الضابط وقالت: أوعوا تضربوا ولدي.. ده محمد كويس وكل الناس بتحبه، ولدي لا سرق ولا قتل.
كان أبي صامتًا، صلبًا كالعادة، نظرت إلي أمي وكأنني أودعها فمن يدري، وعندما نظرت إلي أبي وجدته متماسكًا كالعادة.
في قسم قنا وجدت نفسي محشورًا ضمن ثلاثة وعشرين آخرين القي القبض عليهم بتهمة التظاهر والتخريب، كان إلي جواري صديقي العزيز بكري أبو بكر عمر، أما الحاج السيد الشرقاوي فكان يحلو له أن يحدثنا دومًا عن السجن 'مقبرة الأحياء وشماتة الأعداء'.
بعد تحقيقات النيابة العامة انتقلنا إلي سجن قنا العمومي، القوا بنا إلي زنزانة موحشة، كان نصيبي هو زنزانة 'الشاطر وشقيقه عمر.. سألني الشاطر جاي في إيه، قلت له: مظاهرات، قال: قتلت كام واحد، اندهشت من السؤال، قلت: دي مظاهرات، قال: مظاهرات حاف يعني، أي بدون ما حد يقع فيها'.
في اليوم التالي كانت أمي تنادي بصوت عال من خلف السجن هاتولي ولدي محمد، سألها المساجين الذين كانوا يطلون من الشبابيك قتل ولا مخدرات، قالت لهم أمي: ولدي ملهوش في الحاجات دي ولدي خدوه عشان المظاهرات.
كنت أجلس في ركن جانبي من الزنزانة، أتأمل وجه أمي، أخاف عليها، أدرك أن أبي أقوي من أن ينهار، لكن أمي وحشتني، وحشني أخي محمود، وبقية أخوتي، ياتري عاملين إيه، اشتاق إلي كلمات أبي وصموده الأسطوري.
أبلغني أحد المساجين بأن أمي تنتظرني، وأن عليّ أن أتوجه إلي شباك الدور الثاني المطل علي الشارع الخلفي للسجن، أسرعت الخطي، إذن هذه أمي، أمسك بحديد الشباك، أكاد أقتلعه لأقفز إليها، أريد أن ارتمي في حضنها، إزيك ياما، عاملة إيه، وحشتيني.. قالت أمي: ازيك يامحمد عملوا فيك إيه من إمبارح يا ولدي، حموت عليك ياضناي، خلي بالك من نفسك يا حبيبي.. أوعي يعدموك يا ولدي، والله أموت فيها.
كانت أمي قد استمعت بالأمس إلي بيان رئيس الوزراء ممدوح سالم، والذي اتهمني فيه بالاسم بأنني قدت المظاهرات وحرضت الجماهير علي التخريب، وأنه تم القبض عليّ، وقررت النيابة حبسي حبسًا مطلقًا.
بعد البيان زحفت نساء القرية إلي منزلنا، كأنهن ذهبن لتقديم العزاء في إعدامي، قالت أم سيد: ربنا يصبرك يابت عمي، وقالت عباسة غتمة: شد حيلك يا أم محمد، هو ولدك عمل إيه يعني علشان يعدموه منهم لله.. قالت لي أمي: لم أنم هذه الليلة يا ولدي.. طلعت علي السطوح وعديت شعر راسي لغاية الفجر، علشان ربنا يفك كربتك يا محمد.
كان الجو بادرًا، وشعرت أن أمي قد أصيبت بنوبة من البرد الشديد، انهمرت الدموع من عيني، وأنا أشاهد دموعها تتدفق حسرة علي ابنها البِكري.
مضيت إلي الزنزانة، أستعيد ذكرياتي مع أمي، حوارها اليومي، جدلها المستمر معي، الويكة والملوخية، البصارة والعدس، الشلولو، الدبداب والمخروطة، أبتسم في هدوء، أحاول أن أتماسك، أتذكر كيف كانت تدعونا إلي الجلوس علي الطبلية لتناول الغداء بينما هي تظل واقفة تخدمنا وتلبي طلباتنا.
ظلت تداوم علي زيارتي من خلف السجن، استمرت الزيارة ممنوعة داخل السجن لفترة من الوقت، في هذا الوقت أقنع أخي محمود فريق كرة القدم بالمدرسة الثانوية بأن يقيم مباراة مع فريق سجن قنا العمومي، جاءوا إلينا في الموعد المحدد، مضيت مسرعًا إلي أخي، احتضنته وكانت دموعه ساخنة، سألته أمي عاملة إيه يا محمود، ظلت دموع محمود تنهمر بلا توقف، قال: أمي لا تتوقف عن البكاء يا أخي، لقد قالوا لها انك ستعدم الأيام القادمة.. ولا تريد أن تصدق أحدًا بأنك حتمًا ستعود إلي المنزل.
بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، افرج عنا بعد أن ترافع عني الأستاذ أحمد نبيل الهلالي وعبد الله الزغبي وحلمي الشريف رحمة الله عليهم جميعًا.. خرجت من السجن العمومي، مضيت إلي منزلنا، خرجت البلدة عن بكرة أبيها، صمم أبي أن يكون النذر هو 'طبل وزمارة' احتفالاً بالعودة إلي أهلي وبلدتي من جديد.
منذ هذا الوقت أصيبت أمي بعقدة 'السجن'، تزايدت مخاوفها، كانت تراقبني دومًا، حتي عندما أبرر لها غيابي سويعات لأي سبب كان، لا تصدق، وتقول لي أكيد عملت مظاهرة ثانية، أوعي يا ولدي، بعد اللي شفته، حرام عليك!!
في عام 1980 كانت 'إسرائيل' قد افتتحت سفارة لها علي الأرض المصرية، اشتطت غيظًا، مضيت من منزلي إلي جامعة قنا والتي كانت فرعًا من جامعة أسيوط في هذا الوقت، وقفت في قلب فناء الجامعة اخطب.
عندما عدت إلي منزل أسرتي، كانت أمي قد علمت بخبر المظاهرة، قالت لي: أوعي تكون شاركت فيها. لم استطع أن أرد، قالت: ربنا يستر، ربنا ميرجع أيام السجن تاني.. ساعات قليلة وكان رجال الأمن قد بدأوا في الاقتراب من منزلنا في وقت متأخر من الليل، كنت قد أعددت حقيبتي، ومضيت إلي منزل أحد أقربائي، وفي وقت مبكر من الصباح كنت انتقل من داخل القرية متسللاً إلي الطريق الرئيسي باتجاه 'الجزيرية' وهي قرية مجاورة لبلدتي، ومن هناك استقللت إحدي السيارات متجها إلي مركز دشنا حيث استقللت القطار المتجه إلي الجيزة، حيث يسكن عمي وأسرته منذ زمن طويل في بولاق الدكرور.
مضيت إلي هناك هاربًا من الحبس، بينما ظل قلب أمي معلقًا، لكن ذلك كان بالنسبة لها أهون من السجن، شهور قليلة مضت، ولم يكن أمامي من خيار سوي العودة إلي الجامعة في قنا، تسللت إلي محكمة قنا، اتجهت إلي رئيس النيابة مباشرة وسلمت نفسي.
كانت أمي تنتظرني مع بقية الأسرة في ركن جانبي، كم كنت مشتاقًا إليها، رئيس النيابة يستدعي الأمن، يتقدم نحوي رئيس المباحث الضابط بهاء، يدفع بي مجددًا إلي سجن قنا العمومي، لأقضي فيه شهرًا سجينًا، وتعود أمي لتكرر معي المشهد، قالت لي فيما بعد، إنها عندما علمت بإضرابي عن الطعام لثلاثة أيام لم تذق الطعام طيلة الفترة التي أضربت فيها.
بعد الافراج عني بكت أمي كثيرًا، قالت: كفاية كده يا وليدي خلينا نعيش زي الناس ما عايشه، ملكش دعوة بالسياسة والمظاهرات، بلاش تبهدلنا وتبهدل نفسك!!
كنت كلما هممت بمغادرة المنزل، كانت أمي تلقي بجسدها النحيل في حضني، كأنني لن أعود مرة أخري، كانت دومًا تدعو لي وتقول 'روح يا وليدي لا طوبة تسطك ولا شوكة تدقك'.
في سبتمبر 1981، كنت مسافرًا إلي القاهرة، وبينما كنت في مقر حزب التجمع، إذا بي أفاجأ بأن قائمة المقبوض عليهم ضمت اسمي بالضبط كنت رقم '176' من بين 1536 صدر أمر باعتقالهم من المدعي العام الاشتراكي من بينهم هيكل وفؤاد سراج الدين وحتي البابا شنودة جري تحديد إقامته.
اتصل بي شقيق محمود أبلغني أن الشرطة ورجال أمن الدولة حطموا كل شيء في منزلنا وأنهم أصروا علي اصطحاب والدي معهم رغم ظروفه الصحية الصعبة، قلت لمحمود أنا سأسلم نفسي. قال لي: لقد افرجوا عن أبي بعد أن حققوا معه لمعرفة مكانك.
من الثالث من سبتمبر وحتي السادس عشر من أكتوبر، ظللت هائمًا في الشوارع، كان الأمن يطاردني ويبحث عني في كل مكان، لكنني كنت اتنقل من مكان إلي آخر، ذهبت قوات من الأمن للقبض علي شقيقي محمود بعد مقتل السادات، كان محمود قد هرب هو الآخر إلي القاهرة بمجرد أن لمح قوات الأمن تزحف إلي منزلنا في قرية المعني، توصل إلي مكاني في المعادي، وظل يلازمني.
في السادس عشر من أكتوبر، ألحت أمي في أن تراني أنا وشقيقي، علم المخبر 'سيد' بسفر أمي إلي الجيزة، تابعها في القطار وعندما هبطت في محطة الجيزة كان كل شيء معدًا للمتابعة والوصول إلينا.
كان أخي عبد الحميد ينتظر الوالدة في محطة الجيزة، استقلا تاكسي إلي المعادي، وكان المخبرون ومعهم 'سيد' يتابعونها، وعندما أيقنوا وتوصلوا إلي مكاني، كانت التعليمات بالقبض علينا، احتشدت قوات من الأمن المركزي، وكبار الضباط، حاصروا المنزل الذي كنا نقيم فيه، صعدوا إلي الدور الخامس، رن أحد اللواءات جرس الشقة، فتحت الباب، فإذا بي وجهًا لوجه أمام هذا الحشد.
بسرعة البرق دخلوا إلي الشقة، فوجئت أمي بما حدث، لم تصدق ما يجري أمامها، لقد تم القبض عليّ أنا وشقيقي، وهبط بنا الضباط إلي أسفل العمارة في شارع أحمد زكي، كان المئات من المواطنين محتشدين، بينما رحت أهتف ضد النظام في هذا الوقت.
انهارت أمي وهي تري هذا الحشد، لم تعرف وجهتنا إلي أين، قال لي أخي عبد الحميد فيما بعد، إنه قد أغمي عليها أكثر من مرة، كان لديها إحساس هذه المرة بأننا لن نعود، الأوضاع متوترة، وعمليات القبض علي الإرهابيين بعد مقتل السادات وعمليات الإرهاب التي شهدتها البلاد، كل ذلك جعل أمي تعتقد أن ابنيها لن يعودا إليها مرة أخري.
استقر بنا المقام في سجن طرة، كانت الزيارات ممنوعة نهائيًا، تم الاعتداء علينا بالضرب، والتنكيل بنا، اضطررت للدخول في إضراب عن الطعام لمدة ستة عشر يومًا، نقلت في زنزانة 'التأديب' جنبًا إلي جنب مع د، عماد أبو غازي، وعندما جاء ضابط من رئاسة الجمهورية ليصطحبني لمقابلة الرئيس الجديد حسني مبارك ضمن 31 شخصًا آخرين في السابع والعشرين من نوفمبر 1981 اضطر للتراجع بعد أن شاهدني وقد فقدت 22 كيلوجرامًا من وزني، وغير قادر علي الوقوف علي قدمي.
عندما أفرج عني في الدفعة الثانية التي افرج فيها أيضًا عن عمر التلمساني وحمدين صباحي وآخرين، سافرت علي الفور إلي بلدتي، وكان اللقاء الحار مع أمي وأبي، يومها بكت أمي كثيرًا، وتساءلت في حسرة لغاية أمتي يا ولدي حتفضل تحرق في قلبي!!
كانت كلماتها مؤلمة، صعبة، شعرت بأنها تموت من أجلي في اليوم ألف مرة، راحت تهمس في أذني وتبث وصاياها من جديد، كفاية يا وليدي حرام عليك، أنا معدتش استحمل، لو حصل لك حاجة يا محمد أنا حموّت نفسي.
مضت الأيام سريعة، التحقت بالصحافة، غادرت إلي القاهرة، أقمت وعشت فيها، لكنني لم أكن استطيع البعد عن والدي ووالدتي وأسرتي وقريتي في المعني، كنت ولازلت أسافر بشكل مستمر، لا يكاد يمر شهر إلا وأسافر مرة أو اثنتين.
في 2003، تم القبض عليّ أنا وشقيقي في قضية نشر، لم نكن نعرف إلي أين سيتجه رجال الأمن بنا، لقد انعقدت محكمة النقض وأصدرت حكمها البات والنهائي، وفي فجر اليوم التالي كان التنفيذ.
سيارات أمن مركزي، وقوات لمكافحة الإرهاب، وضباط مباحث ورجال أمن الدولة، اندهشت من هذا الحشد الكبير، ، تصورت أنهم جاءوا للقبض علي 'الخط'، لم يتركوا لي فرصة حتي لتوديع أولادي، ومن المنزل إلي قسم حدائق القبة، ومنها إلي محكمة باب الخلق، ومنها إلي مديرية الأمن للفيش والتشبيه، ثم إلي منطقة سجون طرة.
لم نكن نعرف إلي أين الوجهة، كان معنا أنا وشقيقي اثنان من ضباط أمن الدولة فرع الإعلام.. كان الهاتف المحمول لايزال معي، في الطريق إلي السجن أجريت الاتصال الأخير بأمي، سألتني: أين انت؟ كنا قد اتفقنا أنا وأخي علي تكتم الأمر، قلت لها رايحين المكتب، قالت: وأين محمود؟ قلت لها: معي إلي جواري، قالت: حلمت حلم وحش، سألتها عنه، قالت: حلمت انت ومحمود في المستشفي وهناك باب حديد مغلق عليكما، وتنامان علي سريرين متجاورين ولديكما حزن شديد.
لم أكن أعرف إلي أين وجهتنا، سمع محمود حديث أمي، حاول أن يطمئنها، بعد قليل وجدنا أنفسنا أمام سجن مزرعة طرة، ارتدينا ملابس السجن الزرقاء، مضي بنا ضباط الأمن إلي مستشفي السجن، فجأة وجدت نفسي أنا وشقيقي، ننام علي سريرين متجاورين ويغلق علينا باب المستشفي مع بقية المحبوسين.. إنه ذات المشهد الذي رأته أمي في الحلم، لم نصدق أنا وشقيقي ما رأيناه، إنه ذات المشهد الذي حكته لنا الوالدة منذ قليل، كأنها كانت تري المستقبل.
قضينا أكثر من عشرين يومًا في سجن المزرعة انتظارًا للاشكال المقدم أمام محكمة الجنايات، عندما علمت أمي بالأمر، قررت أن تزورنا في السجن، أخلي مأمور السجن غرفته، دخلت أمي لتلقي بنفسها في حضنينا، بكت كثيرًا، كان المأمور يشهد الحدث ويتابعه، تأثر كثيرًا، لكن دموع أمي لم تتوقف.
عندما أفرج عني وشقيقي إفراجًا مؤقتًا، توجهنا علي الفور إلي بلدتنا، وهناك كان أبي وأمي في الانتظار.
كثيرة تلك الأزمات التي عانت منها أمي، تألمت كثيرًا، تعذبت كثيرًا، كنت أفخر بها، أشعر عندما أمسك بيدها متجهين إلي محطة قطار القاهرة أو الجيزة أنها مبعث فحري وسعادتي في هذه الدنيا.
حاولت كثيرًا أن أقنعها بأن تعيش معي هنا في القاهرة، خاصة بعد رحيل أبي، لكنها رفضت، وقالت سأعيش في بيتي وأموت فيه.
بعد رحيل أبي، عاشت أمي لحظات الحزن الأبدية، كانت تزور قبره بين الحين والآخر وتذرف الدموع، كنا نخفف عنها الكثير، لكنها مرضت، وكانت تقول دومًا انتظر لحظة اللقاء به.
كانت تمتلك قيمًا وعزة وكرامة لا تفرط فيها، لم يكن لها في هذه الدنيا سوي بيتها وزوجها وأولادها، كانت تتابعنا ونحن كبار، تسدي النصح إلينا، وفي المرة الأخيرة قبل الرحيل بأيام، ضمتني طويلاً إلي صدرها، صممت أن تقوم بتوصيلي حتي باب السيارة، كانت الدموع تنهمر من عينيها.. قلت لها: سأحضر لك قريبًا في عيد الأم، حدثني أخي محمود، وقال سنقيم حفل الأيتام يوم الاثنين 6 أبريل، فبدلاً من أن تأتي مرتين، سنؤجل عيد الأم لحين حضورك.
وقبل أن أسافر بنحو يومين، ابلغني زوج شقيقتي منتصر، مساء السبت أن والدتي انتقلت إلي رحمة الله.
لم أصدق الخبر، انهمرت الدموع من عيني، وفي صباح اليوم التالي كنت أكشف عن وجهها الملائكي، كأنها عادت إلي مرحلة الشباب من جديد، مضينا بها إلي المقبرة، وإلي جوار أبي تم دفنها.
عدت إلي ديوان العائلة نتلقي العزاء علي مدي أيام عديدة، وفي وقت متأخر من مساء كل يوم، كانت أمي لا تغيب عن الذهن، استرجع الذكريات التي عشناها سويًا الفرح والألم.
اتذكرها يوم زواجي في بلدتي، عندما جئنا من القاهرة إلي البلدة، حاولت معها كثيرًا أن تخلع الرداء الأسود، لكنها أبت إلا أن تظل كما هي.
ماتت أمي، ومضي علي وفاتها أربعون يومًا، أشعر باليتم الحقيقي بعد رحيلها، اتذكر كل الكلمات الجميلة، أدفن قلبي إلي جوارها، وأعيش ما بقي لنا من عمر انتظر اللحظة، لحظة اللقاء الأبدي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.