»..كان الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام، في ذلك الوقت، قد بدأ في الحديث عن الرحلة التي كانت بالباخرة الحربية بمقدمة طويلة دون تناول أي معلومات..» في عموده الرائع بالصفحة الأخيرة بالأخبار كتب أستاذنا الكاتب الكبير جلال دويدار مقالًا أراه مهمًا في هذه الأيام، يقدم فيه عدة نصائح للشباب بالصحف القومية والحزبية والخاصة ليتهم يعملون بها، ويعلن دون تردد أنها من وصايا عملاق الصحافة الحديثة في مصر الراحل مصطفي أمين، وجلال أحد تلاميذه، وجيلنا من تلاميذ جلال دويدار، والحقيقة أن مدرسة أخبار اليوم خرجت أساتذة عظاما ومازالت مستمرة في الصحافة، الدرس الأول في هذه المدرسة المواطن أهم شخصية، والأولي بالعناية والرعاية، وليس الحكومة، فالمواطن هو القارئ الرئيسي للصحيفة وليس الرئيس أو الوزير، من يرفع قيمة الصحيفة المواطن، بينما الوزير يحصل علي الصحيفة بالاشتراك الحكومي. وليسمح لي القارئ العزيز أن أعيد عليه مقتطفات من المقال الممتع لجلال دويدار، »يصدمني في الكثير من صحفنا التسرع وعدم المبالاة بالمبادئ والقواعد الصحفية التي تهدف خدمة القراء، بالطبع فإن ذلك يعود إلي قلة خبرة ونقص التدريب بالنسبة للأجيال الجديدة.. يضاف إلي ذلك عدم الاهتمام بالإلمام بما هو مطلوب. ليس من توصيف لما يتم نشره سوي أنه أصبح منقوصًا ويفتقد إلي تكامل الأركان»، وهذه التعبيرات من فرط أدب الأستاذ جلال. ويتذكر الأستاذ أيام تعلم، هو وغيره من أبناء أخبار اليوم، علي يد عملاق الصحافة الحديثة مصطفي أمين، من أنه »يجب أن تكون الصحيفة مصدرًا مستمرًا للمعرفة والتعريف، لا يجب بأي حال الاعتماد علي ذاكرة القراء، أو استمرار متابعتهم لما ينشر للإلمام بكل المعلومات، هذا الأمر يحتم أن يوضع الاسم إلي جانب صورة صاحبها خاصة الشخصيات العامة، إلي جانب الحدث الذي يتناوله، ولا يجب بأي حال الاعتماد علي أن كل القراء سوف تكون لديهم المعرفة السابقة بصاحب الصورة». هذه النصيحة من أبسط قواعد الصحافة، وليس هناك من عذر لتجاهل ذلك. النصيحة الثانية التي كان دائما يرددها علي مسامعنا كانت هي أهمية الالتزام بالأسلوب التلغرافي في كتابة الخبر أو التحقيق الصحفي، هذا يتطلب أن تكون »الجملة» قصيرة ومتكاملة ومستوفاة. طالب بضرورة أن يمتد هذا الإيجاز إلي الموضوع بأكمله دون الإخلال بالمعني واستيفاء عناصره. وكان مصطفي أمين دائمًا يؤكد لنا أن القارئ في العصر الحديث ليس لديه الوقت ليضيعه في قراءة تفاصيل التفاصيل. وأكد علي ضرورة الانضباط وأن يواظب المندوب الصحفي علي البقاء في الجهة المكلف بتغطيتها إخباريا، عليه متابعة المسئول ومعاونيه وكل ما يجري حيث أن ذلك سيتيح له فرصة الانفراد الذي يساهم في تقدمه وتميزه. وقال: »عمد الأستاذ إلي ضرب مثل عملي علي هذا العلم الصحفي الفريد. حدث ذلك عندما سافر في رحلة صحفية لتغطية زيارة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إلي روسيا.. بعد عودته قام بكتابة ونشر كل ما دار في المفاوضات، واللقاءات، في مقالين متتاليين شاملين جميع المعلومات، حدث ذلك بينما كان الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام، في ذلك الوقت، قد بدأ في الحديث عن الرحلة التي كانت بالباخرة الحربية بمقدمة طويلة دون تناول أي معلومات. لخص مصطفي أمين فلسفة هذه الواقعة، وما كان يقدمه من نصائح في هذه العبارة: »علي ما هيكل يقَسِّم يكون إحنا غنينا»! هذا المثل العملي عبّر عما يؤمن به في العمل الصحفي. في نفس الوقت طالب بحتمية مراعاة الصياغة الصحفية والإيجاز غير المخل». ما كتبه الأستاذ جلال يدفعني إلي ضرورة تصحيح مسار الصحافة المصرية، وأن يستفيد الشباب من خبرات الأجيال السابقة، صحيح التكنولوجيا الحديثة توفر الكثير علي الصحفي، لكن هذا لا يمنع من ضرورة تعلم أسس ومبادئ الصحافة، ولابد أن يهتم رؤساء التحرير بعمل دورات تدريبية للصحفيين، من دون اعتبار للسن، وأن لا يقتصر ذلك علي الشباب، فالمهنة تحتاج إلي التعلم المستمر، وتحتاج إلي تصويب الأخطاء، وهذا لمصلحة المجتمع والدولة، عندما تقدم صحافة محترمة فأنت تقدم خدمة جليلة للنظام والدولة والشعب، وأنا أدعو أستاذنا جلال دويدار وجميع أساتذتنا في الصحف الأخري أن يواصلوا كتابة مثل هذه النصائح للأجيال الجديدة في مهنة جار عليها الزمن من جميع الاتجاهات، وأدعو النقابة إلي تبني أفكار التدريب والتأهيل الصحفي بالتعاون مع المؤسسات، وأدعو الدولة إلي دعم ذلك لأهميته لمصر. طبعا لا يمكن أن أكتب هذا وفي نفسي غصة من نقابة الصحفيين لعدم عدلها في توزيع الجوائز التقديرية لكبار الصحفيين، وللأسف تتم الاختيارات بناء علي تكتلات بين أعضاء المجلس، من دون معايير الكفاءة والريادة والمهنية، ولا أريد أن أفسر أكثر من ذلك، لأن من قدم خدمات جليلة للمهنة والنقابة معلومون للكافة، وأعتقد أن صديقي النقيب المحترم والكاتب الكبير عبد المحسن سلامة يدرك ما أقول. العلمانية والعلمانيون لم أكن أتصور أن يفهم زميل ما كتبته في يومياتي السابقة عن المقولة المنسوبة للإمام محمد عبده من أنه ذهب إلي الغرب فوجد إسلامًا ولم يجد مسلمين، وعاد إلي الشرق فوجد مسلمين بلا إسلام، وهي مقولة نرددها في منتدياتنا ومقالاتنا وحتي حواراتنا، تخيل الزميل أنني أتحدث عن أن الإسلام هو سبب الكوارث الأخلاقية التي نعيشها في دولنا، وقارن بيننا وبين الغرب العلماني، ليصل إلي نتيجة أن العلمانية هي سبب التقدم والتطور الغربي وكتب مقالًا مشجعًا للعلمانية، وأنا أتعجب مما كتبه لأن في دعوته هدمًا للعقيدة الإسلامية، بل والعقائد السماوية كلها، وفيها إنكار لما أنزله الخالق سبحانه من كتب سماوية كلها تدعو إلي الأخلاق والمعاملة الحسنة وعبادة الخالق سبحانه. للأسف لم يفهم الإسلام، ولم يستوعب أركان الإسلام ومبادئه، التي يدين بها 2 مليار مسلم، ومن لا يعبد الله نتركه وشأنه، لأن الله سبحانه يقول لنا في الكثير من السور والآيات لا نستطيع أن نهدي أحدًا لا يشاء الله هدايته، وإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، وأيضا »قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد» وكررها حتي قال »لكم دينكم ولي دين»، وأنا لست متزمتا، ولا أحب الغلو والتطرف في تفسير كلام الله، بل أنا أشجع الفكر والاجتهاد دون خروج عن ثوابت الأمة، وهذه مسئولية الأزهر الشريف، ويجب أن يقوم بدوره في هذا، ولا يقف مكتوف الأيدي أمامها، ولا يجب علي أحد مهما كان أن يربط بين التخلف والإسلام، ولا بين التطرف والإرهاب بدين الله السمح. اللهم قد بلغت اللهم فاشهد. المتعصبون في النار ! المهندس هاني أحمد صيام من القراء غزيري الفكر والرؤي، وقد تعجبت من رسالته، لأنها شدتني إلي ناحية مغايرة لما تعودت عليه في يومياتي، فبعث يقول: »قد يكون مقبولًا أن يعلن كاتب صحفي عن هويته الرياضية واسم النادي الذي ينتمي إليه ويشجعه، أما أن يكشف النقاب عن آية من آيات تعصبه ضد المنافس التقليدي والغريم الدائم فذلك أمر يستغلق علي الفهم ويلقي به في مرمي سهام النقد والاستنكار وقد يكلفه ذلك خصومة دائمة مع نصف قرائه علي الأقل، وأتساءل ألا يلعب الأهلي في البطولات الإفريقية باسم مصر؟!! وهل تصاعدت حدة التعصب لدي البعض إلي حد إحداث صدع خطير في جدار الوطنية ؟ وللكاتب الفاضل ولغيره من المتعصبين علي اختلاف مواقعهم وثقافاتهم وتوجهاتهم أقول: إن التعصب أمر ممجوج لا يقره دين وسلوك معيب لا يدعمه منطق وعادة ذميمة لا تجيزها التقاليد أو الأعراف، والمتعصب شأنه كمن وضع علي عينيه غشاوة حتي لا يري ما يكره أن يراه، ومثله كمن جعل في أذنيه وقرا لكيلا يسمع ما لا يروق له، وللتعصب أشكال متعددة فهناك التعصب لطائفة، والتعصب لناد رياضي، والتعصب لفكرة، والتعصب لرأي أو جنس أو لون... إلخ، وأري أن كل ما يصدر عن المرء من قول أو فعل يجب أن يكون له مردود إيجابي علي الفرد ذاته، وإلا فالترفع عن ذلك القول حكمة، والعزوف عن ذلك الفعل منطق، ولما كان الأمر كذلك فإني أتوجه إلي السادة المتعصبين - علي اختلاف ألوانهم - بأسئلة هذا نصها : هل ترون أن التعصب يمكن أن يضيف إلي أعماركم السنية ولو دقيقة واحدة فقط؟ وهل تعتقدون أن التعصب سيمنحكم الحق في الحصول علي علاوة جدارة أو ترقية استثنائية أو مكافأة تشجيعية أو ثروة تتجاوز ما كتبه الله لكم من رزق ؟ وهل تتصورون أن التعصب سيزيد من رصيدكم في عقول وقلوب الأقارب والأصدقاء والجيران والزملاء ؟ وهل يكفل التعصب بلوغ المآرب الشخصية، وتحقيق النجاحات المأمولة في الحياة ؟ وهل سيضاف التعصب إلي ميزان حسناتكم ويرجح كفتكم يوم القيامة ؟ فإذا كانت الإجابة عن جميع الأسئلة السابقة ب ( نعم ) فبادروا بتأجيج روح التعصب، واعملوا علي غرس بذوره في نفوس أبنائكم وذويكم، رافعين شعار ( التعصب التام أو الموت الزؤام )، وإن كانت الإجابة ب ( لا ) فانبذوا التعصب واخمدوا ناره في الصدور، وجملوا آراءكم بالمنطق والحكمة، وحصنوا مواقفكم بالموضوعية، والاعتدال واعلموا أن نار التعصب تطفئ سراج العقل.