(.. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين) في الآية الثانية من سورة البقرة وصف الله سبحانه وتعالي القرآن الكريم بأنه الكتاب. وكلمة (قرآن) معناها أنه يقرأ، وكلمة (كتاب) معناها أنه لا يحفظ فقط في الصدور، ولكن يدون في السطور، ويبقي محفوظاً إلي يوم القيامة، والقول بأنه الكتاب، تمييز له عن كل كتب الدنيا، وتمييز له عن كل الكتب السماوية التي نزلت قبل ذلك، فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل أحكام السماء، منذ بداية الرسالات حتي يوم القيامة، وهذا تأكيد لارتفاع شأن القرآن وتفرده وسماويته ودليل علي وحدانية الخالق، فمنذ فجر التاريخ، نزلت علي الأمم السابقة كتب تحمل منهج السماء، ولكن كل كتاب وكل رسالة نزلت موقوتة، في زمانها ومكانها، تؤدي مهمتها لفترة محددة وتجاه قوم محددين. فرسالة نوح عليه السلام كانت لقومه، وكذلك إبراهيم ولوط وشعيب وصالح عليهم السلام.. كل هذه رسالات كان لها وقت محدود، تمارس مهمتها في الحياة، حتي يأتي الكتاب وهو القرآن الكريم الجامع لمنهج الله سبحانه وتعالي. ولذلك بشر في الكتب السماوية التي نزلت قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام بأن هناك رسولا سيأتي، وأنه يحمل الرسالة الخاتمة للعالم، وعلي كل الذين يصدقون بمنهج السماء أن يتبعوه.. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالي: »الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل». (157 سورة الأعراف) والقرآن هو الكتاب، لأنه لن يصل إليه أي تحريف أو تبديل، فرسالات السماء السابقة ائتمن الله البشر عليها، فنسوا بعضها، وما لم ينسوه حرفوه، وأضافوا إليه من كلام البشر، ما نسبوه إلي الله سبحانه وتعالي ظلما وبهتانا، ولكن القرآن الكريم محفوظ من الخالق الأعلي، مصداقاً لقوله تعالي: »إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»(9 سورة الحجر) ومعني ذلك ألا يرتاب إنسان في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلي قيام الساعة بقدرة الله سبحانه وتعالي. يقول الحق جل جلاله: »لا ريب فيه هدي للمتقين». والإعجاز الموجود في القرآن الكريم في الأسلوب وفي حقائق القرآن وفي الآيات وفيما روي لنا من قصص الأنبياء السابقين، وفيما صحح من التوراة والإنجيل، وفيما أتي به من علم لم تكن تعلمه البشرية ومازالت حتي الآن لا تعلمه، كل ذلك يجعل القرآن لا ريب فيه، لأنه لو اجتمعت الإنس والجن ما استطاعوا أن يأتوا بآية واحدة من آيات القرآن، ولذلك كلما تأملت في القرآن وفي أسلوبه، وجدنا أنه بحق لا ريب فيه، لأنه لا أحد يستطيع أن يأتي بآية، فما بالك بالقرآن. فهذا الكتاب ارتفع فوق كل الكتب، وفوق مدارك البشر، يوضح آيات الكون، وآيات المنهج، وله في كل عصر معجزات. إن كلمة الكتاب التي وصف الله سبحانه وتعالي بها القرآن تمييزا له عن كل الكتب السابقة، تلفتنا إلي معان كثيرة، تحدد لنا بعض أساسيات المنهج التي جاء هذا الكتاب ليبلغنا بها. وأول هذه الأساسيات، أن نزول هذا الكتاب، يستوجب الحمد لله سبحانه وتعالي. واقرأ في سورة الكهف: »الحمد لله الذي أنزل علي عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا»1» قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً»2» (1، 2 سورة الكهف).