منذ تسع وخمسين عاما، وقبل قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، كان الواقع المصري، والإقليمي، والدولي يختلف في جزئياته وشموله عما هو قائم اليوم،..، وكانت الصورة في الداخل والخارج مغايرة تماما لما هي عليه الآن. ومهما اختلفت الآراء حول ثورة يوليو 52، وما حققته بالإيجاب أو السلب، إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر علي الإطلاق، انها كانت علامة فارقة في تاريخ الشعب المصري، فرضت واقعا جديدا، امتدت آثاره للمنطقة والعالم، وأحدثت متغيرات عديدة وتداعيات كثيرة،..، وخلفت تيارا متدفقا ومتصاعدا من حركات التحرر، ونداءات الاستقلال، لم تتوقف عند حدود مصر الجغرافية، بل وصلت بأصدائها إلي جميع بقاع العالم. ومهما اختلفت الرؤي حول ثورة يوليو، وأسبابها ودوافعها، وما أنجزته علي أرض مصر، وما حققته من انتصارات أو إخفاقات، إلا أنه لا يوجد خلاف علي الإطلاق، بين جميع المؤيدين لها، أو الذين اختلفوا معها، علي أنها جاءت كضرورة فرضتها الظروف، والتطورات السياسية والاجتماعية في مصر، في ظل الرفض الشعبي للاحتلال، والرغبة العارمة في تحقيق السيادة الوطنية، والتطلع الشعبي العام والشامل للحرية، والاستقلال، وتحقيق العدالة الاجتماعية، في ظل حياة ديمقراطية سليمة. وفي هذا الإطار، كان الحرص من جانب ثوار يوليو، علي صياغة هذه الأهداف في بيان قيامها، بوصفها تتضمن المبادئ الستة، المعبرة عن إرادة الأمة المصرية، والتي اعتبروها دافعا لتحرك الجيش، وسببا لقيام الضباط الأحرار، بحركتهم المباركة، التي تحولت إلي ثورة، بعد أن حصلت علي رضا الشعب، وموافقة الأمة المصرية. وتتفق الآراء بصورة أو بأخري، علي أن الثورة استطاعت تحقيق الجزء الأكبر من المبادئ الستة الشهيرة، التي نادت بها، والتزمت بتحقيقها، فقد قضت علي الاقطاع، وأنهت الاستعمار، وحققت الاستقلال، ليس في مصر فقط، بل في أوطان أخري كثيرة، وقضت أيضا علي سيطرة رأس المال علي الحكم، وأقامت جيشا وطنيا قويا وحققت نوعا ليس قليلا من العدالة الاجتماعية،..، ولكنها لم تستطع أن تخطو بجرأة وإيجابية علي طريق الديمقراطية. ونواصل غدا بإذن الله.