يكثر المبدعون الحقيقيون الواعدون في بلادنا وكأنهم »نبت» أصيل يكسو الأرض الخصبة اخضرارا، ويمتد علي مدي البصر كالبساط الهائل في المساحات الرحبة، وهذه الكثرة قد ينزعج منها البعض، لأنها تتطلب جهدا مؤهلا لمتابعة طرحها، ورصد ثمارها، وتأمل نتاجها، والمبدعون الناشئون في الحقول الخصبة يحتاجون إلي طاقة تحاول الأخذ بأيديهم، والوصول بمواهبهم إلي محطات التحقق والنضج، ومن هنا تبرز أهمية النقد الأدبي، كهاد علي الدرب الذي قد تكتنفه الصعوبات، وتتخلله الأحقاد والمنغصات، وتكدر السير فيه مزاحمة الزائف لسالكيه، واختلاط الردئ بالجيد فيه، ودائما ما يكتوي الحقيقيون بما يصطنعه المزيفون من ضجيج يحاولون به إخفاء ضعف ملكاتهم، وتواضع مواهبهم، ودور النقد هو أن يميط الأذي عن الدروب، ويعبر الطرقات لخطوات السائرين، ووضع »المنارات» في الأفق والشرفات كي لا تنزلق خطي المخلصين، ولكن المشهد الأدبي والإبداعي بصفة عامة، ينم عن غياب الدور الحقيقي للنقد، حيث اختلط الحابل والنابل، ووجد الحقيقيون الواعدون أنفسهم في صحراء قاحلة تذهب فيها أصواتهم هباء، وتضيع في دروبها الوعرة الجهود والطاقات، وينهك العطش السالكين المخلصين من قبل أن تطرح أشجار مواهبهم ثمرات تفوقهم، التي تقربها عين مجتمعهم، وأفئدة أهليهم، وتنشرح بها قلوب مواطنيهم، والمشكلة ليست فقط في النقد الغائب عن أداء واجبه، والمتقاعس عن الأخذ بأيدي الواعدين وتشجيع الحقيقيين، ولكن للأسف يتحمل الإعلام الأدبي جزءا من المسئولية فهو لا يسلط الضوء الكافي علي هذه الوجوه المستبشرة، وأحيانا يتجاهلها إما استسهالا، وإما وقوعا في فخاخ الزائفين، لذا نحاول بذل جهد حقيقي كي نقدم الأصوات التي لا تريد علوا في الأرض ولا فسادا، بل تحاول أن ترقي بالأذواق، وتسمو بالنفوس، وتضيء الأفق، وللأسف فالمهمة شاقة جدا، لأن البحث عن هؤلاء ليس بالأمر الهين، ولكنه يتطلب جهودا حثيثة مثابرة، ومتابعة لواقع مزدحم بالظواهر الكاذبة، والأصوات المدعية الزائفة، لذلك ندعو الله العلي القدير الذي منح بلا حساب لكثرة من مبدعي بلادنا الموهوبة أن يزيل الصعاب، ويهدينا سواء السبيل.