رئيس رابطة التعليم المفتوح: تحركات برلمانية لتنفيذ الأحكام القضائية ومؤشرات عن انفراجة قريبًا للأزمة    النفط يتراجع مع جمود محادثات أمريكا وإيران وتعطل الملاحة في هرمز    الذهب يهبط وسط مخاوف التضخم وترقب محادثات أمريكا وإيران    اليوم.. واشنطن تستضيف جولة محادثات جديدة بين إسرائيل ولبنان    رئيس النواب الأمريكي يتوقع تصدر الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي رغم تداعيات حرب إيران    مسئولة أممية: نتطلع لدعم أوجه رعاية الطفل فى سوريا    إعلام إيراني: إعدام رجل بتهمة التعاون مع إسرائيل    اليوم.. قطع المياه عن بعض المناطق بالعاشر من رمضان لمدة 24 ساعة    تراجع أسعار الذهب عالميًا في بداية تعاملات الخميس 23 ابريل    اليوم. الأهلى أمام كاميرون سبورتس في بطولة أفريقيا لرجال الطائرة    اليوم.. شبورة صباحية ورياح خفيفة على القاهرة الكبرى    مسؤولو الصحة في أمريكا يرفضون نشر دراسة حول فعالية لقاح كوفيد    اليوم.. طلاب النقل الثانوى الأزهرى يؤدون امتحانات البلاغة والمنطق والهندسة    من الغزل السياسي إلى الهجوم العلني.. نهاية شهر العسل بين ميلوني وترامب    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «9»    فاينانشال تايمز: مبعوث ترامب يسعى لإشراك إيطاليا محل إيران بكأس العالم    التوقيت الصيفي وخفض الاستهلاك يحققان وفرًا كبيرًا في الكهرباء وسط اضطرابات عالمية    مسكن الحضانة.. وألاعيب بعض الأزواج    الرؤية الملف الشائك| الآباء: أولادنا ينظرون إلينا وكأننا غرباء عنهم    أمير الغناء العربي.. 50 سنة إبداعا    محمد ثروت عن هاني شاكر: أسأل عنه من خلال أسرته    من «مرحبا دولة» إلى «مربط الفرس».. الكوميديا السوداء تكشف المأزق اللبناني    غدا، انطلاق أول احتفالية رسمية "الإسكندرية، مولد مدينة عالمية" احتفاء بتأسيسها منذ 23 قرنا    وزير الخارجية الألماني يدعو إلى تقييد مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي    طريقة عمل الدولمة العراقية، مذاق لا يقاوم    حركة القطارات| 45 دقيقة تأخيرًا بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الخميس 23 أبريل    المؤبد ينهي رحلة «عامل الهيروين» في الخانكة    محمد صلاح يكتب: الإنسان.. كلمة السر    بطريرك الكاثوليك يهنئ مار بولس الثالث نونا بطريركًا على الكنيسة الكلدانية    مصرع شخص وإصابة 14 في انقلاب ميكروباص على طريق سفاجا – قنا    استشهاد 5 فلسطينيين فى غارة إسرائيلية على شمال غزة    "تجارة عين شمس" تتزين باللون الأخضر احتفاء بيوم الأرض العالمي    «السكة الحديد» تبدأ العمل بالتوقيت الصيفي الجمعة.. هل تتغير مواعيد القطارات؟    حملات مكبرة لإزالة الاشغالات في شوارع المنوفية    بدء العمل على الجزء الثالث من «شركة المرعبين المحدودة»    نقابة الصحفيين تدين استهداف صحفيتين بجنوب لبنان: جريمة مكتملة الأركان    مصرع وإصابة 4 أفراد من أسرة واحدة في حادث تصادم بأسوان    عضو صحة النواب: المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل تبدأ بالمنيا ضمن خطة التوسع بالمحافظات    محافظ القليوبية ورئيس جامعة بنها يفتتحان مركز الشبان للذكاء الاصطناعي    ترتيب الدوري الإسباني بعد فوز برشلونة على سيلتا فيجو في الجولة ال32    أول شلتر متخصص.. خطة متكاملة لجهاز العبور للتعامل الحضاري مع الكلاب الحرة    سبورتنج لشبونة يتخطى بورتو ويتأهل لنهائي كأس البرتغال    شريف منير عن مسلسل رأس الأفعى: يضمن بقاء الحقائق في ذاكرة المصريين    كبير الأثريين عن تمثال الشرقية: لم يُكتَشف بالصدفة.. وأي حاجة فيها تل لها علاقة بالآثار    حلمي طولان: المال حول وائل جمعة من الزمالك إلى الأهلي    قبل صدام الأهلي وماتشيدا.. تاريخ المواجهات السعودية اليابانية في النهائيات الآسيوية    كشف حساب "ليام روسينيور" مع تشيلسي.. سلسلة نتائج مخيبة ورقم سلبي عمره 114 عامًا    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الخميس 7 مايو إجازة رسمية بمناسبة عيد العمال    20 لاعبا بقائمة غزل المحلة لمواجهة بتروجيت في الدورى    متحدث مجلس الوزراء: قانون الأسرة للمصريين المسيحيين جاء بعد حوار مجتمعي    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    هل الدعاء يُغير القدر؟!    هل إكرامية عامل الدليفري تعتبر صدقة؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    بالصور.. قافلة طبية لعلاج المرضى الأولى بالرعاية بمركز ملوى    مجلس الوزراء يوافق على العفو عن بعض المحكوم عليهم بمُناسبة عيد الأضحى    وزيرا «الصحة» و«النقل» يبحثان تطوير سلاسل الإمداد الدوائي ودعم الجهود الإنسانية لغزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البحث عن طرزان في أدغال أفريقيا
نشر في الأخبار يوم 28 - 10 - 2017

أكَلة لحوم البشر منبوذون في القارة، وهم قلة نادرة في بعض المناطق المنعزلة عن العالم.
غادرنا لندن قبل منتصف الليل علي متن إحدي طائرات الخطوط الجوية البريطانية قاصدين هراري عاصمة زيمبابوي. كنا وفداً من خمسة أشخاص علي أن يلتحق بنا في اليوم التالي وزير الإعلام في حينه لطيف نصيف جاسم، الذي مازال معتقلاً منذ 2003، للمشاركة في مؤتمر وزراء إعلام حركة دول عدم الانحياز عام 1987. وهو نوع من المؤتمرات لا معني له ولا فائدة ومجرد جعجعة بلا طحين، حاله حال حركة عدم الانحياز نفسها التي فقدت بريقها وتأثيرها بانتهاء الحرب الباردة بين العالمين الرأسمالي والشيوعي ورحيل رباعية التأسيس جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو وأحمد سوكارنو وجوزيف بروز تيتو. وهذه الرحلة الجوية الليلية كانت مملة إلي درجة أن قائد الطائرة اضطر إلي السماح لمن يرغب من الركاب بدخول مقصورة الطيار لرؤية مشهد فضائي طالما حلمت شخصياً برؤيته. وقد أخذني العجب لأن الطيار افترض فينا حُسن النية ولم يشك لحظة واحدة في أن أحد الركاب قد يجدها فرصة سانحة لاختطاف الطائرة وتحويل مسارها إلي القطب الشمالي!
والحمد لله كان جميع ركاب الطائرة من أنصار الحلول السلمية. ولم يجد الطيار صعوبة في الاعتذار من بعض ذوي الملامح المشبوهة وأعادهم بلباقة إلي مقاعدهم مع كأس من المنكر علي حساب الطائرة! ولأنني لست من أصحاب الملامح المشبوهة فقد استمتعت برؤية انعكاس وجهي في ذلك الليل البهيم في زجاج نافذة الطيار الذي أخبرني مشكوراً أننا نطير الآن فوق الصحراء الإفريقية في جنوبي الجزائر.
عادل إمام ينضم إلي الوفد العراقي
عدت إلي مقعدي، وقرر وفدنا المحترم، الذي أصبح أحد أعضائه وزيراً فيما بعد، لسبب مُحيّر أن يثبت لمن بقي مستيقظاً من الركاب بعد أربع ساعات من الطيران الليلي أن العرب أمة ضاحكة. فبدأنا بسرد النكات الصالحة للنشر ومقاطع من »أفيهات»‬عادل إمام ووحيد سيف بصوت عال اعتماداً علي أن جميع الركاب عدانا من الأجانب الذين لا يعرفون لغة الضاد. وخيل لي أن الطائرة تهتز من هول ضحكنا الملعلع في تلك الساعة المتأخرة من الليل. والطريف أن من كانوا مستيقظين كانوا يضحكون ويقهقهون أسوة بنا علي الرغم من أنهم لا يعرفون من اللغة العربية إلا اسم علي بابا! لكن المفاجأة أن أحداً من النائمين لم يستيقظ علي ضجيج هؤلاء الخمسة الذاهبين إلي مؤتمر وزراء إعلام دول حركة عدم الانحياز! غير أن المفاجأة الأكبر أنهم استيقظوا حال وصول المضيفة حاملة إفطار الصباح! ونسيت أن أقول إننا تناولنا طعام العشاء في سماء فرنسا بعد نصف ساعة من الطيران وقرأنا الفاتحة علي روح بطل فرنسا الراحل شارل ديجول ودعونا بالعمر الطويل لقطة فرنسا العجوز بريجيت باردو، وقضينا الوقت بين العشاء والإفطار في تناول الفول السوداني والمقبلات.
المهم، ولأن وقت القراء ثمين، حطّت الطائرة في الصباح الباكر في مطار هراري الدولي بعد رحلة استغرقت أكثر من عشر ساعات قطعت خلالها ثمانية آلاف كيلومتر. وقرأت لافتة ترحيب كبيرة بالضيوف الكرام الذين هم نحن، ويبدو أن حكومة زيمبابوي كانت تظن أن المؤتمر سينقذ شعب زيمبابوي من البطالة والأمراض والحيوانات المفترسة التي تصول وتجول في ضواحي العاصمة. لم تستغرق إجراءات الجوازات في المطار البدائي إلا دقائق معدودة. وهي إجراءات يتساوي فيها المواطنون العاديون والوفود الرسمية الأجنبية. وهنا أقف لحظة لأقارن بين ما نلاقيه في مطارات دول متقدمة من إجراءات مهينة وتحقيقات مرهقة وما لاقيناه في مطار دولة متخلفة فقيرة مثل زيمبابوي من سرعة وترحيب واحترام.
المطار لا يبعد كثيراً عن العاصمة، والطريق الموصل بينهما جميل ومحاط بالخضرة من كل جانب. والمناخ لطيف لأن العاصمة ترتفع عن سطح البحر أكثر من 1430 متراً وتقع في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد. المدينة متواضعة المستوي لكنها حديثة ونظيفة. أما ضواحيها فهي فقيرة جداً ويعيش فيها الرعاة والفلاحون.
تحذير: لا تتركوا الشبابيك مفتوحة
كانت زيمبابوي تُعرف بروديسيا الجنوبية حين كانت مستعمرة بريطانية. إلا أن إيان سميث زعيم الأقلية البيضاء أعلن انفصالها واستقلالها عن بريطانيا في عام 1965 ما دفع الأمم المتحدة إلي فرض مقاطعة اقتصادية دولية علي الحكومة العنصرية قبل أن تنجح المعارضة الوطنية بزعامة روبرت موجابي بعد ذلك بسنوات بإسقاط النظام العنصري وإقامة جمهورية زيمبابوي وتشكيل أول حكومة من المواطنين السود في عام 1979. لكن موجابي هذا استحلي كرسي السلطة ومازال متربعاً عليه حتي اليوم وقد بلغ من العمر عتيا.
في الليلة الأولي في أحد فنادق النجوم الأربعة لم أستطع النوم بسبب زئير الأسود وصراخ الحيوانات المفترسة في الغابات المحيطة بالعاصمة. وانتبهت إلي أن هناك ورقة ملصقة علي ظهر باب الغرفة تحذر النزلاء من ترك الشبابيك مفتوحة لسببين أولهما: اللصوص، وثانيهما احتمال تسلل بعض الحيوانات للترحيب بالضيوف. وهذه الحيوانات ليست نسانيس أو طيوراً ولكنها أفاعي من النوع الذي كنا نشاهده في أفلام طرزان ملك الغابة!
وحين دعانا السفير العراقي في هراري إلي منزله في أطراف الغابة دارت في رأسي هواجس عن أكَلة لحوم البشر، لكن السفير طمأننا ضاحكاً بأن أفريقيا لم تعد تلك القارة »‬السوداء» المتخلفة كما كنا نراها في أفلام السينما الأمريكية والبريطانية التي شوهت تاريخ وواقع شعوب هذه القارة المكافحة. وأكَلة لحوم البشر منبوذون في القارة، وهم قلة نادرة في بعض المناطق المنعزلة عن العالم. وحمدت الله علي هذه المعلومات لأنني لا أستطيع منع نفسي من الضحك وأنا أتخيل وفدنا الخماسي لحركة عدم الانحياز جالساً في خمس حلل (قدور) كبيرة معلقة فوق النار والجياع حولنا يتراقصون ويتصايحون في انتظار من يقول لهم: تفضلوا.. البوفيه جاهز!
علينا أن نعلم أن نسبة من يعرفون القراءة والكتابة علي الرغم من تخلف البلاد في مختلف المجالات تبلغ 90٫7 في المائة وهي من أعلي النسب في القارة الأفريقية ودول العالم الثالث. واستغربت كثيراً لأن شرطي المرور في الشارع يتحدث اللغة الإنكليزية بطلاقة بينما لدينا سفراء عرب لا يعرفون من اللغة الإنكليزية إلا جملة I LO«E YOU »‬آي لاف يو»! ويعود سبب معرفتهم اللغة الإنكليزية إلي اختلاط السكان بالمستعمرين البيض عقوداً طويلة بحيث أصبحت هذه اللغة هي اللغة الرئيسية للبلاد.
ويخيل لي أن النساء في زيمبابوي هن أتعس النساء في العالم. فالمجتمع يفرض عليهن الزواج المبكر ومعدلات أعمارهن لا تزيد عن 34 سنة بسبب الأمراض المنتشرة بكثرة في البلاد. وهن يمارسن الزراعة والرعي إلي جانب الرجال، وكن ضحية سهلة كالعادة للحروب القبلية والإقليمية مع دول الجوار.
يعود تاريخ زيمبابوي إلي آلاف السنين كما تقول بعض المصادر المعلوماتية حيث استقر فيها الإنسان وبدأ في ممارسة نشاطه في الحياة، إلا أنه لا تتوافر معلومات موثقة عن تلك الحقبة. وفي خلال القرن التاسع الميلادي اتجه السكان نحو العمل بالمناجم، فاستخرجوا المعادن وتاجروا فيها، ومع حلول عام 1000م قامت قبائل تدعي »‬ الشونا» بتأسيس أول مدينة لها نظام حكم خاص بها، وعُرفت هذه المدينة باسم »‬زيمبابوي الكبري». وخلال القرن الخامس عشر الميلادي قامت مجموعة من قبائل »‬الشونا» تسمي »‬كارانجا» بالانشقاق وتأسيس إمبراطورية أُطلق عليها اسم »‬مواناموتابا»، ومارس شعبها التجارة مع دول وقبائل أخري فكانوا يرسلون لهم العاج والذهب والنحاس ويستوردون الخزف من الصين، والمنسوجات والخرز من الهند وأندونيسيا. وكغيرها من الدول الأفريقية تعرضت البلاد لفرض السيطرة عليها من قبل الأوروبيين، الذين شرعوا في التوافد علي البلاد بداية من عام 1888م، حينما أعطت قبائل »‬الإندبيلي» حقوق صناعة التعدين والمناجم للمستثمر البريطاني »‬سيسلرودس»، وتدريجياً بدأ التوغل والسيطرة البريطانية. وفي عام 1893 قامت شركة »‬رودس» البريطانية في جنوب إفريقيا باحتلال غالبية أراضي الإقليم، وأطلق علي البلاد اسم »‬روديسيا»، نسبة إلي مؤسس تلك الشركة. وتسارع بعد ذلك الأوروبيون في التوافد علي البلاد خاصة بعد اكتشاف الذهب في أراضيها.
وأدع جانباً تاريخ زيمبابوي لأبلع ريقي وأعود إلي ما بدأت به، ففي زيارتي التقليدية للأسواق لم أجد في »‬المولات» الكبيرة ما يستحق الشراء، ولكني وجدت علي الأرصفة صناعات تراثية معظمها من أخشاب الغابة أو أنياب الفيلة أو جلود الحيوانات المسكينة. وفضلت طبعاً بعض التماثيل الخشبية لأنني من دعاة الرفق بالحيوان. وتشكل السياحة في زيمبابوي مصدر دخل مهماً في الاقتصاد القومي حيث تمتلك الدولة العديد من المقومات السياحية الجميلة بالإضافة إلي مناخ معتدل يغري السياح بقضاء إجازات ممتعة فيها للاستمتاع بالمناظر الخلابة والغابات المفتوحة والمحميات الطبيعية وممارسة عدد من الرياضات مثل التزلج علي الماء ومصارعة الأمواج وغيرها. لكن (الحلو مايكملش) وعلي الرغم من أن نظام الحكم الحالي في زيمبابوي تحالف سنوات طويلة مع دول الكتلة الشيوعية السابقة إلا أنها لم تمد يدها لمساعدة السكان بما يحقق تنمية مستدامة. واكتفت الصين »‬ مثلاً» بإقامة ملاعب لكرة القدم ونافورات وتماثيل في الساحات العامة وإغراق البلد بالصناعات المقلدة الرخيصة. ويبلغ عدد سكان البلاد نحو 13 مليون نسمة واللغة الرسمية هي الإنجليزية والعملة هي الدولار الزيمبابوي. وتعتبر زيمبابوي من أفقر الدول الأفريقية علي الرغم من أن جميع سكانها يعتبرون من المليارديرية لأن الدولار الأمريكي كان يساوي 35 مليون مليار دولار زيمبابوي! أي إن السنت الأمريكي يساوي 500 مليار دولار زيمبابوي، ولذلك قررت هراري تعليق التعامل بعملتها المحلية اعتباراً من 2009 والاستعاضة عنها بالدولار الأمريكي أو الراند الجنوب أفريقي. والذين يتحدثون عن غلاء الأسعار في بلدانهم يبالغون كثيراً. وزيمبابوي هي البلد الوحيد في العالم الذي كان يطبع ورقة مالية بمبلغ مئة تريليون دولار زيمبابوي.. أكرر مئة تريليون دولار! لكن هذه الورقة أصبحت من العملات التي تباع كتذكار للسياح!
سيدتان: واحدة مفخرة والثانية محتالة
ومنذ سنوات قليلة كان المجتمع في هراري يتحدث كثيراً عن امرأتين متناقضتين: الأولي »‬تيريرايترنت» وهي أول امرأة من زيمبابوي تحقق حلمها بنيل درجة الدكتوراه في عام 2009. وتشجع الدكتورة الفتيات في بلدها بأن يخبرن المسئولين بأنهن يردن تأخير الزواج لكي يذهبن إلي المدارس. ونصحت الفتيات أيضا بأن يذهبن إلي منظمات المساعداتن مثل اليونيسيف والوكالات الدولية للتنمية، طلبا للدعم المباشر. وقالت تيريرايترنت إن التعليم هو السلاح الوحيد الذي تملكه النساء لمكافحة الفقر والجوع والمرض والإذلال. وهذه المرأة أرغمها والدها وعمرها 11 عاماً علي الزواج من رجل قالت عنه إنه كان ينهال عليها بالضرب المبرح يوما بعد يوم ويمنعها أيضا من طلب العلم. لكنها اتصلت بإحدي المنظمات الدولية فساعدتها علي استكمال تعليمها الأولي ثم إلحاقها بجامعة أوكلاهوما الأمريكية حيث نالت البكالوريوس ثم الماجستير فالدكتوراه.
أما السيدة الثانية التي يتحدث عنها أهل هراري فهي حالة عجيبة إذ أُدينت بالاحتيال بعدما تمكنت من خداع حكومة رئيس زيمبابوي روبرت موجابي وحصلت علي نحو مليون دولار! وقد أوهمت المشعوذة عددا من الوزراء بأنها تستطيع استخراج وقود الديزل من صخرة صماء! واستخدمت »‬روتينا مافهونجا»، وهذا هو اسمها، في عملية الخداع خزان وقود مهجوراً في الأحراش قرب بلدة تشينهوي في مارس (آذار) 2007. وتبين خلال المحاكمة أنها قامت بملء الخزان بوقود الديزل وأوصلت به أنبوبا أخفته أعلي الصخرة قبل أن تستدعي مسئولا حكوميا بارزا ليكون شاهدا علي هذا »‬الاكتشاف»! وفي إشارة من إصبعها إلي أحد معاونيها قام الأخير بفتح الحنفية وسط دهشة المسئول الذي رأي وقود الديزل ينساب من الصخرة! وقدم فريق عمل أوفده الرئيس موجابي للتحقيق في الأمر تقريرا أفاد بأن أزمة نقص الوقود المستمرة في البلاد اقتربت من نهايتها بعد هذا الاكتشاف. وبدأ مسئولون حكوميون ورجال أعمال في إمداد المرأة بأموال وسيارات لعدة أشهر، إلي أن بدأت مجموعة أخري من الوزراء في التشكيك في مصداقيتها. وذكرت صحيفة »‬هيرالد» الحكومية أنه ثبت لدي القاضي أن مافهونجا مذنبة بالاحتيال علي الحكومة وخداع موظف عام بإقناعه بقدرتها علي استخراج وقود الديزل من الصخر. والطريف أن الإدانة شملت المسجل العام للانتخابات في زيمبابوي بعد أن اكتشف القاضي أنه تولي إمداد المرأة بنحو 125 لترا من وقود الديزل، وهو الذي »‬استخرجته» من الصخرة، كما أنه أخفاها لديه عندما هربت من الشرطة حتي لا يُقبض عليها! وكان هذا المحتال قد تولي إدارة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في البلاد منذ عام 2000 إلي عام 2007!
موجابي أكبر مُعَمَري زعماء العالم
لم تتردد إذاعة البي. بي. سي. البريطانية في كشف ما وصفته بأسرار محافظة رئيس زيمبابوي روبرت موجابي علي صحته مع بلوغه الثالثة والتسعين من عمره، وهو يعتبر الأكبر عمراً بين كل رؤساء وملوك العالم الأحياء والمتوفين! إنه يمارس الرياضة يومياً ولا يدخن ويحافظ علي نوعية صحية من الغذاء تتكون من الذرة غير المصفاة يقولون إنها تطيل العمر. كانت هناك شائعات كثيرة عن وفاة موجابي الذي احتككتُ به سهواً في حفلة عشاء مكتظة علي شرف وفود المؤتمر الذي حدثتكم عنه في بداية المقال، وكدت أدلق علي ملابسه طبقاً دسماً من الدجاج والرز والسلطة. هو رجل ضاحك في كل المجالات إلا مع المعارضة. قال عن خبر وفاته المتكرر: »‬لقد مُتُ عدة مرات وهذا يجعلني أتفوق علي السيد المسيح الذي مات وبُعث مرة واحدة، بينما أنا فعلت ذلك أكثر من مرة»! يعتبره الرياضيون في بلاده لاعباً جيداً في التنس والكريكيت، لكنه من مشجعي نادي برشلونة الإسباني ونادي تشيلسي الإنجليزي في كرة القدم. وهو قال مرة: »‬عندما أشاهد مباريات كرة القدم لا أحب أن يزعجني أحد. حتي زوجتي تعرف أن تجلس بعيداً عني أثناء مشاهدتي للمباريات، لأنهم عندما يسجلون أهدافاً أقوم أنا أيضاً بركل كل شيء أمامي»!
لابد لمن يزور زيمبابوي هذا البلد الجميل بسكانه وغاباته، أن يزور شلالات فيكتوريا وهي منبع نهر النيل وتقع علي نهر زمبيزي علي الحدود بين زامبيا وزيمبابوي وتعتبر من أكبر الشلالات في العالم، إذ أن عرضها وعمقها يعادلان ضعف عرض وعمق شلالات نياجارا في كندا. وكانت تسمي قبل الاستعمار البريطاني شلالات »‬أو موسي أو تونيا» ومعناه بالعربية »‬الدخان الذي يطلق الرعد» وعرضها 1٫7 كيلو متر وارتفاعها 128 متراً. وقد زار الشلالات في عام 1855 المستكشف الأسكتلندي ديفيد ليفينجستون فاطلق عليها اسمها الحديث نسبة إلي الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا في ذلك الحين. وكنا قد تعرفنا في مراهقتنا إلي بحيرة فيكتوريا في أكثر من قصة من مسلسلات مغامرات طرزان والقردة شيتا! وأنا لن أسامح حركة عدم الانحياز لأن مؤتمرها لم يُتح لنا أي وقت لزيارة تلك الشلالات. فقد كان علينا أن نضع السماعات علي آذاننا لنعرف ترجمة خطب أكثر من خمسين وفداً لئلا يدس أحدهم كلمة هنا أو هناك تسيئ إلي القضية أو الزعيم! والحمد لله فقد كانت كل الخطب تهاجم الإمبريالية والصهيونية، وهو ما اعتبرناه نصراً أعاد لنا اعتبارنا بعد ما فعلناه من تهريج في الطائرة!
كاتب صحفي عراقي - القاهرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.