انه أقدم عيد شعبي في التاريخ.. وموروث ثقافي عريق تتناقله الأجيال عبر العصور في مهد الحضارات ماذا يعني ان يحتفل المصريون بعيد شم النسيم علي امتداد خمسة آلاف سنة، بل سبعة آلاف سنة.. وفقا لبعض التقديرات؟ ألا يعني ذلك أنه شعب يعتز بتاريخه ويملك عادات وتقاليد أصيلة تضرب بجذور راسخة في شرايين أمة عريقة في الأرض؟ ألا يعني ذلك ان المصريين يحتفون بمصريتهم وبظواهر فلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة، وانهم يعرفون مغزي عيد الطبيعة وازدهار الخضرة وتفتح الأزهار، وبنسمات الربيع حاملة معها الخير والفرح والسعادة والبهجة والتفاؤل للبشر؟ ألا يعني ذلك انهم يتمسكون بهويتهم رغم تغير الأزمنة وتقلبات الدهور، كما يعني الرقي في الوعي بدورة الطبيعة والزمان وانبعاث الحياة وانبثاق الزرع في الأرض؟ ألا تكشف تلك المراسم والطقوس التي استمدوها من أجدادهم، أنهم بلغوا أعلي مستوي من التمدن والمسمو الحضاري.. تماما كما كانت الظواهر الفلكية لدي الفراعنة العظام مفتاحا لفهم الكثير من أسرار الكون والمعرفة المرتبطة بعلوم الحياة. عيد شم النسيم ترجع جذوره إلي أعمق أعماق مصر إنه بداية الحياة، حيث تتزين الفتيات بعقود الياسمين، عطر الطبيعة، ويخرج المصريون لاستقبال الشمس عند شروقها، ويضعون البيض الملون، رمز خلق الحياة، في سلالهم وينقشون عليها أمنياتهم، ويأكلون الفسيخ أو السمك المملح، تعبيرا عن الامتنان لنهر الحياة - النيل - كما يحملون البصل الذي يرتبط بإرادة الحياة والانتصار علي الموت، وكذلك «الخس»، وهو من النباتات المقدسة التي تتصل بالخصوبة. وها هم ينطلقون إلي الحدائق والحقول والمتنزهات وإلي شاطئ النيل. وكان أجدادهم يجتمعون في السادسة مساء أمام الواجهة الشمالية للهرم حيث يظهر قرص الشمس قبل الغروب وكأنه يجلس فوق قمة الهرم ويشطر واجهته إلي شطرين إيذانا بموعد عيد الخلق وبداية العام الجديد وانبعاث الكائنات. ألم يقلد العالم كله هذا الاحتفال المصري بالطبيعة وانتصار الحياة تحت مسميات مختلفة؟ لقدجاء وقت حاول فيه البعض من الغرباء علي تراث هذا الوطن، إفساد فرحة المصريين بهذه المناسبة القومية تحت دعاوي مختلفة، ولكن المصريين لم يلتفتوا إلي تلك الدعاوي. ومازالت تتردد أصداء عبارة المؤرخ القديم هيرودوت: «ان المصريين هم أسبق الناس إلي إقامة الأعياد العامة والمواكب» كذلك مازالت تتردد أصداء أغاني وقصائد وأناشيد وأهازيج المصري القديم، ومنها: «ياأزهار انك تجعلين القلب منشرحا». وتغني شجرة الرمان: «طول العام.. أزهاري تتألق.. ان سقطت زهرة يزدان بأخري البستان.. وسيتضوع عطري في كل مكان.. كل أشجار الحديقة تذبل ما عداي.. ها أنا واقفة خضراء لاثني عشر شهرا.. وزهور السنة الماضية مازالت تورق علي أغصاني دوما». كلمة السر: الشعور بالانتماء